كردي يغطي كلمة العراق بعلم دولته المستقلة المفترضة/وكالة الصحافة الفرنسية
كردي يغطي كلمة العراق بعلم دولته المستقلة المفترضة/وكالة الصحافة الفرنسية

علي عبد الأمير

تبدو أحداث العام 2003 التي عرفها العراق وكأنها زلزال حقيقي مع معلمها الأكثر بروزا: إسقاط نظام محلي دكتاتوري عبر غزو عسكري خارجي وإقامة نظام جديد له ملامح ديمقراطية.

من "الخيانة" إلى نوع من الحل

النظام الجديد يتقاطع مع القديم في كل شيء. فإذا كان الأول يعتبر وحدة البلاد أمرا مقدسا وتهديد تلك الوحدة يصنف تحت باب الخيانة الوطنية، فإن الثاني لا يرى في الخروج على وحدة العراق، أمرا مستحيلا، بل إن كثيرا من الباحثين والخبراء المحليين والدوليين يرون أن القوى الرئيسة في البلاد (الشيعة والكرد وقوى علمانية متحالفة معهم)، وصلت في سجالاتها ومواقفها إلى اعتبار تقسيم العراق نوعا من الحل لأزماته.

اقرأ أيضا:

أبعد من الحلم الكردي

شيعة وكرد وشيوعيون، يعتقدون في سرديات، ليست جديدة، ولكنها تكررت كثيرا خلال العقد الماضي وبعد أن وصلت البلاد إلى مرحلة الإقتتال الأهلي، أن "حدود العراق الحالي لم تكن سوى حدود مصطنعة، خطتها خرائط معاهدة سايكس- بيكو، وبالتالي فهي خطوط على الرمال لا أكثر".

غير أن أستاذ التاريخ في جامعة الكوفة د. غسان حاكم حسن، يعتقد أن "نظرة تاريخية بسيطة لا تحتاج إلى مؤرخ محترف، تؤكد لنا أن هذه الحدود لم تكن صناعة ابتكرها الخيال البريطاني الاستعماري الخلاّق، بل هي واقع تاريخي معروف، فهذه الحدود معروفة منذ ما يزيد عن ألف عام"، مشيرا إلى حدود العراق القديم كما ثبتتها كتب الجغرافيا الإسلامية، ومنها "مروج الذهب" الذي وضعه أعظم الجغرافيين العرب وهو المسعودي.

العراق التاريخي و... المعاصر

يؤكد الباحث حسن في مداخلة مع (إرفع صوتك) أنه "لو أمعنا النظر بقول المسعودي، لما وجدنا اختلافا كبيراً بينه وبين العراق الحالي الذي رسمته خرائط سايكس-بيكو". العراق التاريخي الذي ظهر قريبا من المعاصر، كان حمله "ثلاثة من الذين عملوا مع الوزيرين سايكس وبيكو: لويس ماسينيون الآثاري والرحالة الفرنسي الذي اشتهر بأبحاثه الصوفية واختص بالحلاج، والإنكليزي لورنس المعروف بلورنس العرب صاحب كتاب "أعمدة الحكمة السبعة" الشهير، والمس بيل المرأة الشهيرة التي عملت ببغداد. وكان البغداديون يطلقون عليها (الخاتون). وكل واحد من هؤلاء الثلاثة له سجل حافل بالتنقيب عن الآثار وعلم واسع بتاريخ المنطقة العربية وجغرافيتها. فلا غرابة أن يعطى للعراق حدودا لا تختلف عن حدوده التاريخية، وهو نتيجة منطقية للمعرفة والإدراك العلمي الواسع لتاريخ هذه البلاد".

يرفض الباحث في جامعة الكوفة ما يشاع عن "رغبة شعبية في تقسيم العراق"، مؤكدا "لا أعتقد أن هذا النسيج (العراقي) المختلف من شأنه أن يكون عاملا حاسماً على تقسيمه، وإلا لكان قد حصل ذلك منذ زمان بعيد"، ملقيا باللائمة على "فئات غير وطنية وفاسدة وغير متعلمة، تشكل فيما بينها أحزاباً وهمية ليس لها تأييد عريض في الشارع العراقي يستثنى من ذلك أصحاب المصالح، وكل حزب منها له أجنداته الخارجية".

كاتب كردي: الانفصال هروبٌ إلى أمام؟

مواقف كردية قومية فضلا عن قوى عراقية علمانية مؤيدة للكرد، أبرزها الحزب الشيوعي العراقي و"التحالف المدني" الممثل بالبرلمان، لا تتردد في تأييد حقها التاريخي في تقرير المصير والانفصال عن العراق.

ويرى الكاتب الكردي العراقي أمين يونس أن هنالك أسباباً سّرَعَتْ في وضع مسألة انفصال كردستان عن العراق في واجهة الأحداث، غير السبب الرئيسي والمنطقي المتمثِل بـ"التطلُعات المشروعة للشعب الكردي".

ومن هذه الأسباب التي يفصلها يونس في حديث إلى موقع (إرفع صوتك):

1. الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، المُتفاقِمة، في إقليم كردستان العراق. وبما أن الحزبَين الحاكِمَين، عاجزان عن حَل هذه الأزمات، لأنهما لا يُريدان إصلاحات جذرية حقيقية، فإنهما ولا سيما الحزب الديمقراطي، بإعلانه موعد الاستفتاء بِعُجالة، فإنهُ "هروبٌ إلى الأمام"، وتملُصٌ من إستحقاقات الإصلاحات.

2. بعد تحرير الموصل واقتراب تخليص تلعفر (تحررت فعليا) والحويجة من براثن ما يُسّمى دولة الخلافة الإسلامية، فإن صفحة داعش سوف تُطوى. وكما أن حُكام بغداد من أحزاب الإسلام السياسي، سيفقدون [شّماعة] داعش التي يُعّلقون عليها، كافة الأزمات والأوضاع المُزرية والفساد، فإن حُكام أربيل أيضاً سيفقدون ويفتقدون هذه الشّماعة. أعتقد ان كُلا من بغداد وأربيل، ستتخبطان في التعامُل مع فوضى "القوات المُسلحة". فبغداد تحت رحمة عشرات الميليشيات التي تمتلك أسلحة تنافس بها الجيش الرسمي، وأربيل عجزَتْ عن خلق بيشمركة مُوّحَدة، إضافةً إلى تواجُد قوات تركية وحزب العمال والحشود بأنواعها.
3. اقتراب مواعيد الانتخابات، وشعور الحزبَين الحاكمَين في أربيل ولا سيما الحزب الديمقراطي، بأنهُ فقد الكثير من شعبيته ونفوذه. وهو بحاجة إلى "شيء" كبير يُعيد له هيبته، وليس أحسن من "مسألة الاستفتاء حول انفصال كردستان عن العراق".

ويختم الكاتب الكردي باعتقاد مفاده أن "الإستفتاء حتى لو جرى في 25/9 وكانت نتيجته: نعم، فإن الإنفصال يتطلب فترة لا تقل عن بضع سنوات على الأقل".

ومع أن رؤية الكاتب أمين يونس تبدو "معتدلة" وتصنف على أنها جزء من مواقف "الحمائم" الكردية القليلة، إلا أن أستاذ التاريخ د. غسان حاكم حسن يحذر على ما يبدو من "صقور" الكرد، فيقول إن "أكبر خطر ينذر بتفسخ العراق وتقسيمه يأتي اليوم من جهة كردستان". لكنه يكاد يتفق مع يونس حول فشل الخطوة الكردية إن تمت وللأسباب التالية:

1. رفض أوربي وأميركي يقابل الرفض الإقليمي (تركيا وإيران والحكومة ببغداد).

2. الوحيدة إسرائيل هي التي وافقت على استقلال الإقليم وعلى لسان رئيس وزرائها نتنياهو، كما قرأت ذلك في صحيفة "ها آرتس" الإسرائيلية بنسختها الإنكليزية، وإسرائيل لا تشكل أهمية استراتيجية للإقليم، بسبب بعدها عنه.

3. يعول (رئيس الأقليم) السيد بارزاني على علاقته الجيدة مع تركيا في إنجاح صفقة الاستقلال، ناسيا أن تركيا لديها 27 مليون كردي، وعمليا هي اليوم تحارب حزب العمال الكردي. لذا عليه أن يفهم أن القضايا المصيرية لا يمكن معالجتها مع تركيا عن طريق تصدير النفط الرخيص والاستثمارات التركية في الإقليم ذلك أن المشكلة التركية - الكردية مشكلة لا يمكن المساومة عليها مقابل حوافز اقتصادية.

4. كما أن استقلال الإقليم أكثر حساسية بالنسبة لإيران (يوجد فيها 11 مليون كردي)، وقد رفضت هذا الاستفتاء بشكل رسمي.

5. كيف تعيش دولة في وسط معاد تام، وكيف تتنفس وكيف تحصل على احتياجاتها، والى أي جهة ستصدر نفطها، وعن أي طريق؟

6. إذا كان الإقليم الكردي في وضعه الطبيعي الآن يعاني من ظروف اقتصادية صعبة، وغير قادر على دفع رواتب موظفيه المستحقة منذ أشهر، فكيف سيكون حاله بعد الاستقلال؟

لوموا من أنتج الفشل في بغداد؟

ويعتقد الباحث الأكاديمي العراقي المقيم في أميركا، د هيثم نعمان الهيتي، أن سنة العراق وقد وصلوا إلى مرحلة "شعب من المهجرين ومدن أقرب إلى الخرائب" لا سيما بعد تجربة احتلال تنظيم داعش لمناطقهم ومدنهم ومن ثم عمليات تحريرها، "لا يمكنهم التعاطي بالقبول مع نظام سياسي شيعي يريد أن يحكم البلاد وفق رؤيته لحكم طائفته، ونظام سياسي كردي يريد من مشاركته في حكم العراق، وسيلة لتعزيز قوميته على حساب العراق وأغلبيته العربية".

اقرأ أيضا:

ما أهمية المجتمعات المحلية في الحرب على الإرهاب؟

ويلفت الهيتي في حوار مع (إرفع صوتك) إلى إن فشل بغداد في الحكم دفع الآخرين إلى التفكير بالإنفصال موضحا "قبل يومين التقيت بموصلي قال لي نريد استقلالا، فالموصل بحجم لبنان سكانا وأكثر منه موارد. هذه المطالبات تعطينا تصورا واضحا كيف أن فشل الدول يدفع الجميع للهرب منها ونجاحها يوحد الجميع حولها. قضيتنا يس في لوم الكرد أو السنة بل في من أنتج قصة فشل بدلا من قصة نجاح".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".