مقاتلون من الحشد الشعبي في بيجي/وكالة الصحافة الفرنسية
مقاتلون من الحشد الشعبي في بيجي/وكالة الصحافة الفرنسية

صلاح الدين- هشام الجبوري:

في 13 تموز/يوليو 2016، صوّت البرلمان العراقي على اعتبار بيجي الواقعة شمال محافظة صلاح الدين، مدينة منكوبة نتيجة الأضرار التي لحقت ببناها التحتية ومساكن المدنيين جراء العمليات العسكرية الرامية إلى طرد عناصر تنظيم داعش بعد اجتياحهم لها في حزيران/يونيو من العام 2014 .

هذا القرار دفع بالأهالي إلى إطلاق "هاشتاغات"، عبر مواقع التواصل الإجتماعي، تدعو للبهجة كما يقول المدون وسام العزاوي، الذي يراه ملزما للحكومة العراقية وللمنظمات الدولية من أجل أعمار ما دمرته آلة الحرب كما ذكر لـ"إرفع صوتك"، موضحا "هذه الفرحة اصطدمت بسلسلة معوقات أبرزها الوضع الذي يمر به البلد، إضافة إلى ازدياد إعداد المدن المنكوبة ومنها الموصل وسهل نينوى وسنجار".

ما يعترض طريق العودة؟

محمد الجبوري، قائممقام بيجي، قال لموقعنا إن هناك معوقات تعترض عودة الأهالي الى مركز القضاء يمثلها الدمار الذي لحق به، إضافة إلى استمرار سيطرة تنظيم داعش على أجزاء من مناطق شمالي القضاء.

اقرأ ايضا:

هدية داعش المسمومة للعشائر

وعن طبيعة الجهد المحلي والدولي العامل في المدينة، أوضح الجبوري أن المؤسسات والدوائر الحكومية العراقية الخدمية التي تعمل على إعادة الحياة في بيجي تعاني من قلة التخصيصات المالية بسبب حالة التقشف في البلاد الأمر الذي انعكس سلبا على مشاريعها الخدمية.

كما لفت إلى وجود دور كبير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق(UNDP عبر تبينه ستة مشاريع في قطاع الكهرباء والماء والمجاري والتربية، وانتظار ما يمكن لمؤسسات دولية أخرى أن تقدمه في مجال إعادة إعمار مركز القضاء.

600  عائلة تعيد بعض الحياة إلى المدينة المنكوبة

وأضاف الجبوري أن "هناك معوقات أوجدتها الأجهزة الأمنية المشرفة على المدينة عبر تحديدها لصنفين من الأهالي سمح لهم بترويج معاملات للعودة هم ذوو الشهداء وعوائل منتسبي الأجهزة الأمنية، الأمر الذي تسبب بحرمان فئات مجتمعية كبيرة من حق العودة.

القائمقام يشير إلى قيامه بعدة لقاءات مع قيادة الحشد الشعبي، وهي الجهة التي تدير الملف الأمني في بيجي، بغية السماح للجميع بالعودة. وعن أعداد العوائل التي قدمت طلبات خاصة بالعودة ضمن الفئات المشمولة، يوضح أن "هناك أكثر من 2500 طلب حصلت الموافقة على نحو 20% منها، أي أكثر من 500 عائلة ولا تزال بقية الطلبات قيد التدقيق تمهيدا لمنحها الموافقات الرسمية".

الحياة تعود ...

وبدوره يقول الناطق الإعلامي لمنظمة "الهلال الأحمر العراقي- فرع صلاح الدين"، صدام فوزي الجويني، إن الأحياء التي شملت بالعودة في مركز المدينة هي (العصري الشمالي والجنوبي والحريجية والشط والجديدة ).

وعن دور منظمته الإغاثي، قال الجويني لـ"إرفع صوتك" إن "الهلال الأحمر يعمل على جرد إعداد العوائل العائدة ومحاولة معرفة احتياجاتهم الاساسية من غذاء ودواء ولدينا تنسيق مع منظمات دولية من أجل تقديم خدمات أفضل تلبي طموح المواطنين".

اقرأ أيضا:

هذه هي التحدّيات التي يواجهها العائدون إلى صلاح الدين

ويؤكد، المواطن سعد مطلك، وهو أب لقتيل سقط في معارك تحرير المدينة، عاد مؤخرا إلى بيجي أن الأضرار التي لحقت بمنزله كبيرة جدا وهذا ما يدفعه للقيام بعملية هدم وإعادة بناء مثل بقية المنازل المجاورة، مطالبا الجهات المختصة بمنحه التعويض المادي والمعنوي الذي "يليق بمستوى التضحيات" التي قدمها.

خبر وخضار رغم الحطام

ويحمل المواطن خزعل درويش صاحب، والذي كان يمتلك مخبزا في أحد أحياء بيجي إشارات تفاؤل. ويقول في حديث إلى موقعنا "كان عندي أفران لإنتاج (الخبز و الصمون) بكافة أنواعه، لكن بعد الأوضاع التي حصلت في بيجي اضطررت لتركها. الآن عدت كي أفتتح الأفران من جديد وهناك إقبال عليها من قبل المواطنين، ونتمنى من القوات الأمنية تسهيل عودة الأهالي حتى الناس تشوف رزقها. ملينا من أيام النزوح السوداء".

حاتم شعبان، مواطن من بيجي، كان من أوائل العائدين هو الآخر . قال لموقع (إرفع صوتك) إنه فوجئ بعد عودته بـ"حجم الدمار والأضرار ببيوتنا، لكن من أول يوم لرجوعنا، كل منا رجع لشغلته السابقة وأني رجعت لفتح محلي (المخضر والفواكه) حتى أساعد بالاستقرار وأساهم بجزء بسيط من إعمار المدينة".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".