محافظ كركوك نجم الدين كريم الذي أقاله مجلس النواب العراقي/وكالة الصحافة الفرنسية
محافظ كركوك نجم الدين كريم الذي أقاله مجلس النواب العراقي/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم علي قيس:

أجمع أعضاء مجلس النواب العراقي من القوى العربية في التصويت على إقالة محافظ كركوك نجم الدين كريم، بعد تسلم البرلمان طلب الإقالة من رئيس الوزراء حيدر العبادي، في جلسة شهدت انسحاب النواب الأكراد.

وجاء الطلب استنادا إلى قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم 21 الصادر في عام 2008، فيما اعتبر المحافظ قرار الإقالة "باطلا ولا يعني لكركوك شيء، وأنه جاء بعد مواقف المحافظ في رفع علم كردستان إلى جانب العلم العراقي في مباني المحافظة الرسمية، إضافة إلى دعوته لمشاركة كركوك في عملية الاستفتاء".

اقرأ أيضاً: 

ماذا بعد رفض برلمان العراق للاستفتاء على استقلال كردستان؟

أكراد كركوك يسعون إلى إلحاق محافظتهم بالدولة القومية الموعودة

باقٍ رغم العبادي

ويفيد بيان صادر عن المكتب الإعلامي لمحافظ كركوك "نود التأكيد أن مجلس محافظة كركوك الحالي لا ينطبق عليه قانون المحافظات غير المنتظمة بإقليم رقم 21، بل يعمل وفق قانون (بريمر) رقم 34 الذي حدد تعيين وإقالة المحافظ حصرا من قبل مجلس محافظة (كركوك) الذي يعمل بالقانون هذا وما زال يعمل به".

ويشير البيان إلى أن "الإقالة ليست من صلاحية رئيس مجلس الوزراء أو مجلس النواب العراقي"، مؤكدا أن محافظ كركوك "باق في مهامه وخدمة مواطني كركوك الذين منحوا أصواتهم له بجميع مكوناتهم وعلى العكس من بعض أعضاء مجلس النواب الذين صوتوا اليوم".

ويضيف البيان "نأسف لهذا القرار لأن تغليب الأكثرية على الأقلية، هو ما دفع بالكرد للاستفتاء وتقرير مصيرهم"، داعيا إلى "أهمية تشخيص المشاكل وحلها عبر الحوار".

متهم بالفساد؟

بالمقابل يؤكد عضو مجلس النواب عن محافظة كركوك التركماني أرشد الصالحي إن "قرار الإقالة لم يكن لأسباب سياسية"، موضحا في حديث لموقع (إرفع صوتك) "بل إن القرار متعلق بقضايا فساد، وملفاتها لدى رئيس مجلس الوزراء منذ نيسان/أبريل الماضي، ومجلس النواب على علم بذلك".

ملفات الفساد المالي والإداري الذي يتهم به محافظ كركوك أحيلت إلى هيئة النزاهة حاليا، وفقا للصالحي الذي أشار إلى أنه "بإمكان المحافظ مراجعة القضاء وهو سيحسم الموضوع".

وفي معرض رده على مسألة عدم شمول محافظة كركوك بقانون رقم 21، يقول الصالحي "لماذا أتخذ مجلس محافظتها قرارا قبل أشهر بنقل الصلاحيات إليها وأنها تطبق قانون 21".

وبين تصويت البرلمان على الإقالة ورفض نجم الدين كريم ترك المنصب، يبقى تنفيذ القرار مرهون برئيس الحكومة المركزية، الذي يمتلك صلاحيات التعامل مع الموضوع، بحسب ما يؤكد النائب التركماني أرشد الصالحي، مطالبا في الوقت نفسه "مجلس الوزراء بتوجيه المدراء العامين للدوائر الحكومية في كركوك، بعدم استخدام أسلوب الترهيب مع الموظفين التركمان والعرب".

ويحذر الصالحي من إمكانية تحول الموضوع إلى صراع مسلح، موضحا "هناك انتشار غير منظم لمسلحين فوضويين في بعض مناطق كركوك، وهؤلاء يستخدمون لغة التهديد والترهيب".

ويتابع "أنا أحمّل محافظ كركوك أي قطرة دماء كردية أو تركمانية أو عربية، لذلك أدعو وزير الداخلية الاتصال بقائد شرطة كركوك والتنسيق من أجل الحفاظ على السلم الأهلي".

الحل في دور أميركي؟

وعلى الرغم من أن "إقالة محافظ كركوك نتيجة تراكمات، منها رفع علم كردستان وشمول كركوك باستفتاء انفصال الإقليم والتصريحات المتشنجة للمحافظ"، وفق ما يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد خالد عبد الإله، لكنه يتوقع "وجود تنسيق بين الحكومة المركزية والاتحاد الوطني الكردستاني".

ويلفت إلى أن "التنسيق ضروري في المرحلة الحالية، لا سيما ونحن مقبلون على عمليات تحرير الحويجة".

ويستند عبد الإله في رؤيته على التطورات الأخيرة في المشهد العراقي، بدءا بزيارة المبعوث الخاص للرئيس الأميركي في التحالف الدولي بريت ماكغورك إلى كردستان ولقائه برزاني، مرورا بتغيير الأخير من لغته المتمسكة بإجراء الاستفتاء في موعده، والانتقال إلى الحديث عن "المشروع البديل".

ويقول أستاذ العلوم السياسية خالد عبد الإله "هذا يعني أن هناك نوعا من المباحثات الجدية والحقيقية للبحث عن حلول لمشاكل الإقليم مع بغداد برعاية دولية"، مشيرا إلى أنه "في العراق من الممكن أن نشهد في الثواني الأخيرة من أي مشكلة سياسية، حلا وانفراجا".

ويختتم حديثه بالقول "أعتقد أن مسألة الاستفتاء والتطورات المتمثلة بإقالة محافظ كركوك ستحل سياسيا".​

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لامرأة عراقية تجلس قرب قبر أحد أقاربها- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية لامرأة عراقية تجلس قرب قبر أحد أقاربها- أرشيف فرانس برس

 رغم حاجتها الملحّة إلى المال، قررت أم نور التراجع عن إقامة دعوى ضد إخوتها بعد بيعهم عقارات والدها المتوفى دون منحها استحقاقها من الإرث.

 أسبابها في ذلك كما تقول لـ"ارفع صوتك": "تهديدهم لها بالقطيعة وعدم السماح لها برؤية والدتها في حال قامت بالمطالبة قانونياً بنصيبها من الإرث".

تحكي عن حاجتها كأنها تبرّر مطالبتها بحقوقها "تَعرّض زوجي الذي يعمل بأجر يومي إلى حادث فأصبح غير قادر على العمل والإنفاق على البيت. لديّ أطفال بحاجة للرعاية ولا أعرف ماذا أفعل".

 ورغم وضعها "الصعب الذي يعرفه إخوتها الخمسة" إلا أنهم "قرروا التصرف بالأملاك وعدم مساعدتها ولا حتى بجزء من المال كي تنفق على أبنائها وزوجها المريض، حتى يتحسن وضعه ويعود للعمل"، بحسب ما تروي أم نور.

إضافة لموقف إخوتها، تضيف أم نور "شقيقتيّ أيضاً تنازلتا عن حقهما في الميراث، لأن الوضع المادي لزوجيهما جيد ولديهما مصالح مع إخوتي ولا ترغبان بوقوع أي خلاف بينهم".

"كما أنهما اتصلتا بي لحثّي على عدم المطالبة بحصّتي لأنه (عيب) برأيهما!"، تتابع أم نور.

 الأمر ذاته حصل مع عراقية أخرى اطلّع "ارفع صوتك" على قصتها مع الإرث، مفضّلة عدم ذكر تفاصيل هويّتها، حيث جرى  استبعادها مع والدتها من الإرث لتضطر إلى العمل من منزلها في بيع الخبز والطعام، إلا أنها في الحقيقة كما تقول "متمكنة مادياً وصاحبة أملاك من إرث والدها مع وقف التنفيذ".

وما يمنعها من تقديم شكوى للحصول على إرثها من والدها "رغبة والدتها بالإبقاء على علاقتها الودية مع أبنائها الذكور" وفق تعبيرها.

 

الأعراف مقابل القوانين

 خلال لقائنا بالحالتين، بدا واضحاً تأثرهما بالأعراف والتقاليد التي تمنع المرأة من التقدم بشكوى في المحكمة ضد إخوتها باعتبار أنها "تنهي العلاقة الأخوية" معهم، وهذا"ناتج عن مجتمع قاس وأعراف تمنع المرأة من المطالبة بحقها تحت ذريعة العيب" كما يقول المحامي خليفة الربيعي.

يشرح لـ"ارفع صوتك": "المشكلة تكمن في الأعراف والتقاليد وليس في القانون، فالقانون يمكنه أن يعيد حق النساء المحرومات من الإرث عائليا. لكن ما يحصل على أرض الواقع أن النساء وتحت الضغوط والتهديدات بالمقاطعة العائلية والحرمان من التواصل مع بقية أفراد العائلة يخضعن في النهاية وينسحبن، حتى لو كنّ في حال من العوز".

حالات عديدة مرت بالربيعي تتعلق بحرمان النساء من الإرث، يقول "كثرة القضايا لا تتعلق بالشرع أو القانون فلدينا أفضل التشريعات في المحيط الإقليمي التي تتعلق بمثل هذه القضايا. لكن لدينا أيضاً إرثاً اجتماعياً ثقيلاً يساعد على استمرار ظلم المرأة واضطهادها".

في السياق نفسه، يبيّن المحامي جعفر إسماعيل أن "الحرمان من الإرث لا يتعلق في كثير من الحالات بالنساء فقط، فهناك حرمان للفئات الضعيفة في المجتمع مثل الأطفال وكبار السن، وذلك لا يمنع أن يكون الثقل الأكبر في هذه القضايا على المرأة أولاً وقبل جميع تلك الفئات".

أما أكثر الطرق المتبعة لحرمان النساء من الإرث، كما يوضح الربيعي فتأتي من خلال "استبعادهن من التقسيم الشرعي للإرث عن طريق رفع الاسم من القيد العائلي، حيث أن البيوت الموروثة لا يتم بيعها أو التصرف بها إلا بحضور جميع الورثة".

يتابع: "حين يتم توزيع التركة على الأبناء تستند المحكمة على قيود العائلة التي تأتي من دائرة النفوس، ومن لا يأتي اسمه ضمنها لا يُعتبر وريثاً، وتلتزم المحكمة بالأسماء التي ترد في قيد النفوس حصرياً".

أغلب تلك الحالات، بحسب الربيعي "تكون عندما يترك الأب إرثاً لا يعرف بوجوده بقية أفراد الأسرة فلا يسألون عنه، وفي حال اكتشفت الابنة هذه الحالة، يمكنها وفق القانون رفع دعوى تطلب تصحيح التقسيم وفق المادة (294) من قانون العقوبات، إذ يحاسب عليها القانون بسبب التزوير، سواء كان ما تم الاستيلاء عليه أموال أو عقار أو راتب تقاعدي وغيرها".

ويشير إلى طرق أخرى لحرمان النساء من الإرث تتمثل في "توزيع الأب لأملاكه قبل وفاته بين أولاده الذكور دون الإناث"، وفي هذه الحالة "حتى لو تم رفع قضية من قبل الإناث أو أي شخص آخر، لا يحصل على شيء لأن الإنسان حر في التصرف بأملاكه خلال حياته".

بالنسبة لإسماعيل ووفق خبرته القانونية، فإن "أهم أسباب الحرمان من الإرث يقف خلفها استغلال الجهل بالقانون أو استغلال الشخص قوته في العائلة أو العشيرة، حيث أن أغلب النساء لا يمكنهن رفض تصرّف العائلة بمال الإرث لأنهن تحت سطوة الأب أو الأخ ذي الشوكة عليهن".

يضيف "هذه الحالات لا نراها كثيرا عندما تكون المرأة متعلمة ومثقفة، أو عاملة ولها إمكانية الاستقلال المالي ولديها اطلاع أكثر من بقية النساء".

 

تعويضات زهيدة

تؤكد المحامية علياء الحسيني أن حرمان المرأة من الإرث "حالة شائعة في العراق ومنتشرة في جميع أنحاء البلاد ولا تقتصر على منطقة دون أخرى. إلا أنها تبدو واضحة أكثر ضمن سياقات اجتماعية معينة".

 وفي كثير من الأحيان، كما تشرح الحسيني "نرى الأب ينقل ملكيته إلى أبنائه الذكور دون الإناث قبل وفاته، لأنه لا يريد لزوج الابنة وأبنائها من غير صلبه أن يرثوه".

وهي حالة لا تقتصر على وفاة الأب فحسب، إذ شهدت المحامية العراقية أنواعاً أخرى متعددة من قضايا حرمان النساء من الإرث، منها "الزوجة إذا توفي عنها زوجها، إذ تحاول العائلة حرمانها من إرث الزوج عبر تمشية معاملات القسام الشرعي دون ذكرها".

 تضرب مثلاً آخر عن "حالات مقتل الزوج في الحرب"، حيث يحاول ذووه "الاستحواذ على حقوقه كما شهدنا حالات معاكسة مثل الزوجة التي تحاول منع أم الشهيد من الحصول على حقوقها المكفولة قانوناً من تركة ابنها" بحسب الحسيني.

 وتلفت إلى أن "وقوف القانون بجانب المرأة إذا أرادت الحصول على حقها في الميراث. لكن، ما يقف بوجه الحقوق أنها إذا تقدمت بشكوى ستتعرض لمشاكل كثيرة وقد تتعرض للعنف أو تقاطعها عائلتها".

توضح الحسيني: "تخاف النساء من ردود أفعال الأهل، وتتراجع الكثير منهن عن تحصيل الإرث خوفاً من ردة فعل الأهل، فيُبلغننا مثلاً أنهن لا يرغبن بفقدان عوائلهن كما فقدن حقوقهن في الميراث، ويفضلن الإبقاء على هذه الصلات".

تُكمل "هناك حالات قليلة يتم فيها منح المرأة مبلغاً مالياً زهيداً ولا يعادل 5% من حقها".

 

آثار اجتماعية

من خلال خبرتها وتعاطيها مع حالات مماثلة، تقول الباحثة الاجتماعية نور خليل، إن الأمر لا يقتصر على حرمان بعض النساء من الإرث حيث يعاني أبناؤهن أيضاً "وكان يمكن أن يعيشوا في وضع مالي أفضل لو تم منح والدتهم حقوقها بدل العيش في ذلّ الفقر" وفق تعبيرها.

تلقي الباحثة باللوم على "المجتمع الذكوري واعتقاداته بأن توريث الإناث يؤدي إلى تشتيت أملاك العائلة، على اعتبار أنهن سيتزوجن، بالتالي يستفيد أبناء من غير صلب الأب (الجد) في ميراث الأسرة".

وترى خليل أن هناك أسباباً أسهمت في انتشار الظلم منها "جهل الكثير من النساء بما لهنّ من حقوق وخضوعهن واستسلامهن لضغوط العائلة والعشيرة والمجتمع، ورضاهن بما تمليه عليهن الأعراف والتقاليد".

تشرح لـ"ارفع صوتك": "هناك آثار اجتماعية كبيرة في ما يتعلق بحرمان المرأة من الإرث، منها مثلاً إذا كانت دون مصدر مالي يعيلها، لأنه يعني وقوعها تحت خط الفقر. وإذا كانت متزوجة ولها أطفال فهذا يؤدي إلى أضرار نفسية كبيرة لهذه العائلة التي كان يمكن أن تترك خط الفقر لأن لها حقوقاً مالية، لكن في المقابل لا تتمكن من ذلك لأسباب اجتماعية".

 ويؤدي الأمر أيضاً في كثير من الأحيان إلى "مشاكل عائلية وبث الأحقاد والضغائن ونصل أحياناً إلى ارتكاب الجرائم لهذا السبب. فضلاً عن انعدام الثقة بين أفراد العائلة وامتداداتهم"، بحسب خليل.

ولا تبدو متفائلة في ختام حديثها، قائلة "هذا الوضع سيبقى إذا لم تتغير ثقافة المجتمع القائمة على حرمان المرأة من حقوقها بذريعة أحقيّة الذكور على الإناث في الإرث".