عائلات عراقية نازحة بسبب المعارك في الموصل شوهدت قرب القيارة جنوب الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية
عائلات عراقية نازحة بسبب المعارك في الموصل/وكالة الصحافة الفرنسية

بغداد – دعاء يوسف:

تسببت سيطرة تنظيم داعش على عدد من المدن العراقية، كالموصل وتكريت والحويجة في حزيران/يونيو 2014، بتعرض الآلاف من المدنيين، خاصة النساء والأطفال، لعمليات قتل وتعذيب وخطف وتهجير كانت تداعياتها النفسية كبيرة على الضحايا.

عار داعش

تقول ولاء خليل، وهي نازحة من مدينة الرمادي إلى بغداد عام 2014، إنها باتت تشعر أن "عار داعش" التصق بحياتها وحياة طفلها الذي ولد بعد سيطرة التنظيم على الموصل.

اقرأ أيضا:

"زوجات داعش" يروين قصص الهرب من الرقة

أطفال جنّدهم داعش في العراق... ما هو مصيرهم؟

وتؤكد السيدة العراقية، التي قتل زوجها بعد إنجاب طفلها عام 2014، أنّ "الكثير من العراقيين لا يقتنعون بحقيقة عدم قدرتنا في الفرار من داعش ويتجاهلون معاناتنا".

وتتابع "منذ خروجي من الموصل وأنا أواجه معاناة من نوع آخر تفوق معاناتي من خطر داعش بسبب شكوك الناس بأننا كنا من الذين انتموا للتنظيم.. نظرات الناس وتساؤلاتهم تشعرنا دوماً بموقف المتهم رغم البراءة".

وحذرت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مؤخراً من مخاطر تعرض الآلاف النساء والفتيات والأطفال "للتمييز وأشكال من العقاب الجماعي" على أساس الشك في تعاونهم مع تنظيم داعش في العراق.

وحذر التقرير أيضا من أن الأطفال الذين ولدوا نتيجة للعنف الجنسي في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة داعش معرضون لخطر التمييز وإساءة المعاملة طوال حياتهم. ويشير التقرير إلى أن الجروح البدنية والذهنية والنفسية التي تسبب فيها تنظيم داعش تفوق الاستيعاب تقريبا.

خطة وطنية

أما الخبير في علم النفس الاجتماعي قحطان الداحي فيقول "خلال السنوات التي كانت فيها هذه المدن تحت سيطرة داعش، عانى المدنيون الذين لم يستطيعوا الفرار أكثر من الذين سارعوا بالنزوح إلى المدن المجاورة".

ويتابع، في حديث لموقع (إرفع صوتك)، "معاناتهم من المشاهد والأحداث كانت كبيرة جدا، خاصة من الناحية النفسية والصحية".

وشرعت المؤسسات الحكومية العراقية في إيلاء الاهتمام بموضوع الانتهاكات التي تعرض لها الأطفال والنساء في المدن التي استولى عليها تنظيم داعش عبر تنفيذ قرار الأمم المتحدة 13/25 والذي يعنى بأوضاع النساء والأطفال أثناء النزاعات المسلحة.

ويعد العراق من الدول القليلة التي باشرت بوضع خطة وطنية لمعالجة وضع النساء ضمن مساعيها لتنفيذ هذا القرار. وتشير عضو مجلس المفوضية العليا لحقوق الإنسان سلامة الخفاجي إلى أن وزارة الداخلية العراقية أنشأت العديد من المؤسسات التي تعنى بحقوق المرأة والطفل اللذان يتعرضان للعنف بأشكاله المختلفة.

التأهيل النفسي والصحي

أما المركز الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة العراقية، فوضع برامج لإعادة التأهيل النفسي للنازحين ضحايا موجات العنف الأخيرة، وللنساء اللواتي تعرضن للخطف والاغتصاب، وحتى لشباب تورطوا بشكل أو بآخر في نشاطات إرهابية.

ويقول المتحدث الإعلامي لوزارة الصحة سيف البدر لموقع (إرفع صوتك) إن "الوزارة قامت بتدريب الكثير من الفرق الصحية، بالتعاون مع منظمات دولية، لالتقاط الحالات الصعبة والتعامل معها وتحديداً النساء المعنفات داخل مخيمات النازحين وغير ذلك من المدن التي تم تحريرها من سيطرة داعش".

ويؤكد البدر "بعض الحالات تمت إحالتها لمستشفى الرشاد للأمراض النفسية ببغداد لوجود إصابات بمشاكل نفسية مزمنة بحاجة لعلاج دوري منتظم".

ويشير إلى أن الوزارة شرعت في العمل على ثلاثة اتجاهات وهي التأهيل البسيط والتأهيل المتوسط وآخرها الحالات التي بحاجة لاستشارة نفسية طبية وبدنية.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم0012022773659

 

 

 

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".