تصر حكومة إقليم كردستان أن الاستفتاء سيضم المناطق المتنازع عليها مع بغداد/ وكالة الصحافة الفرنسية
تصر حكومة إقليم كردستان أن الاستفتاء سيضم المناطق المتنازع عليها مع بغداد/ وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم إلسي ملكونيان:

في رد على الاستفتاء الذي نظمه إقليم كردستان بهدف الانفصال عن العراق وتأسيس دولة كردية، أعلنت كل من الجارتين تركيا وإيران إغلاق حدودهما مع الإقليم تضامناً مع الحكومة الاتحادية في بغداد في مؤشر على رفضهما لما يجري.


ولكن ما الذي يعنيه فعلاً إغلاق الحدود، إن كانت قد أغلقت فعلاً؟

اقرأ أيضا:


كيف ردّ جوار العراق على استفتاء إقليم كردستان؟


من المعروف أن إغلاق الحدود (أكانت جوية أو برية) بين الدول يتسبب بضائقة اقتصادية. ولكن في حالة إقليم كردستان، قد يكون لما وصف بـ"الخسارة الاقتصادية" معنى مختلفا، حسبما يوضح خبراء في هذا الشأن لموقع (إرفع صوتك).


حجم الخسائر التركية


بعد انطلاق الاستفتاء في أنحاء الإقليم، أوقفت شركات الطيران الدولية ومنها التركية رحلاتها من إقليم كردستان وإليه. كما هدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوقف الصادرات النفطية والتي تعبر براً عبر تركيا أيضاً.


هذه الصادرات تبلغ 600 ألف برميل نفطي يخرج يومياً من ميناء جيهان التركي إلى الأسواق العالمية. وبعائداته يتم دفع رواتب الموظفين الحكوميين في الإقليم، حسب مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية.


لكن الخسائر ليست مقتصرة على القطاع النفطي فحسب، وإنما على قطاعات حيوية أخرى حسب توضيح الكاتب والصحافي التركي والمختص بشؤون الشرق الأوسط مصطفى أوزجان، قائلاً لموقع (إرفع صوتك) إن "إغلاق الحدود مع تركيا سيتسبب بالمزيد من الخسائر على الشركات التركية الموجودة في الإقليم. فالأضرار ليست حديثة، حيث تضررت الشركات التركية منذ عام 2014 أي منذ ظهور داعش وامتناع الحكومة الاتحادية عن دفع مستحقاتها إلى الإقليم".

 
حجم الخسائر الإيرانية
وفي لهجة مماثلة أغلقت إيران حدودها مع الإقليم بعد أن اتخذت إجراءات مشددة أمام حركة العبور من منفذ خابور إلى الإقليم.
ويوضح الصحافي الخبير بالشؤون الإيرانية حسن فحص لموقع (إرفع صوتك) "يبلغ حجم التبادل التجاري بين الإقليم وإيران أكثر من 50 مليون دولار يوميا (نحو سبعة مليارات دولار سنويا)، بالإضافة إلى مبادلات النفط والغاز . ولكن ما تأثر فعلاً هو عمليات التهريب التي تنشط على الحدود. وقد يكون إغفال نشاط المهربين على الحدود فرصة لتعويض الخسائر".

اقرأ أيضا:

معصوم يكشف عن موقفه من استقلال كردستان

 

من هو الخاسر الحقيقي؟
على الرغم من إغلاق الحدود الجوية والتهديد بإجراءات أشد وخاصة من دول الجوار، إلا أن جميع الأطراف تحرص على أن لا يتأثر المواطن الكردي بالتبعات الاقتصادية. فلا تبدو هناك أضراراً بالغة حتى الآن.


يقول الصحافي حسن فحص إن "الأجواء الداخلية مفتوحة، حيث تنقل الطائرات المواد الأساسية من بغداد للمواطن الكردي".


وبنهج مماثل، يوضح الصحافي أوزجان وجود "لهجة معتدلة في الداخل التركي حيال ما يجري في إقليم كردستان، ربما بهدف ترك الباب موارباً للمحافظة على العلاقات مع الإقليم لأن تركيا لا ترغب بالخسائر".


ويضيف أوزجان أن المعابر التي أغلقت يمكن أن تستبدل بمعابر أخرى. وقد يكون للحكومة الاتحادية طرق للتعويض عن الخسائر.


كما يوضح حسن أن ورقة الحصار الإيراني هي وسيلة ضغط على الإقليم، خاصة عندما يحرم الإقليم من مصادر النفط أساسية، "كي تجبر المسؤولين هناك على تقديم التنازلات".


وبالنتيجة تبقى وطأة الأزمات الاقتصادية بيد الأكراد في الحقيقة وفي مدى استجابتهم للضغوط الدولية التي ترفض كل ما جاء في نص الاستفتاء حتى الآن جملة وتفصيلاً.
 

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.