متطوعون من أبناء عشائر الأنبار يقفون صفا للانخراط في صفوف القوات الأمنية/وكالة الصحافة الفرنسية
متطوعون من أبناء عشائر الأنبار يقفون صفا للانخراط في صفوف القوات الأمنية/وكالة الصحافة الفرنسية

الفلوجة - رشيد الجميلي:

قبل إسقاط النظام السابق في العراق عام 2003، كانت "مضايف" شيوخ العشائر من الأماكن الأكثر أهمية داخل العشيرة، خاصة فيما يتعلق بحل النزاعات.

وتشير كلمة "مضيف" إلى مكان استقبال الضيوف، إلا أنها تجاوزت هذا المفهوم إلى المكان الذي تتدارس فيه شؤون العشيرة وتحل فيه النزاعات بين أفرادها أو مع العشائر الأخرى، ويحدث أن تحتضن المضايف الأعراس والحفلات واللقاءات خلال الأعياد أيضا.

اقرأ ايضا:

الأنبار.. البطالة تدفع الكثير من الشباب نحو التشكيلات المسلحة

سلسة هزائم داعش في العراق

لكن الأوضاع الأمنية غير المستقرة، التي يعيشها العراق منذ سنوات، غيرت الكثير من دور المضايف، فصارت أشبه بثكنات عسكرية بعد تسلح العشائر وانخراطها في الحرب ضد الإرهاب، كما صارت مراكز ترويج ودعاية انتخابية نتيجة الدعم الذي تمنحه بعض العشائر لمرشحين سياسيين.

دعاية انتخابية

الشيخ عباس الجميلي، 55 عاما، أحد شيوخ قبيلة الجميلة القيسية، وهي من العشائر الكبيرة في العراق تحدث لموقع (إرفع صوتك) قائلاً "تربينا على عادات وتقاليد العشيرة وتعودنا قديما بأن ديوان ومضيف العشيرة قادر على حل كل المشاكل مهما كانت صعوبتها وفي بعض الأحيان تصل المشاكل والنزاعات إلى القتل ويتم حلها داخل المضيف".

"أما اليوم، فقد ضاعت هيبة المضايف والدواوين"، يشدد الشيخ الجميلي، معتبرا ان أن السبب يعود إلى "بعض التصرفات غير المحسوبة من قبل بعض شيوخ العشائر، فضلاً عن استخدام المضايف من قبل السياسيين كمراكز دعاية انتخابية".

وبدوره، يؤكد محمد الحلبوسي، 39 عاما، وهو ناشط مدني من محافظة الأنبار، نفس الشيء. يقول في حديث لموقع (ارفع صوتك) "بعد عام 2003، إثر الانفتاح الذي شهده العراق على العالم وعلى التكنولوجيا ودخول الهاتف الجوال والإنترنت، أصبح المواطن أكثر وعياً في أغلب الأمور ومنها السيطرة العشائرية التي كانت مهيمنة عليه فيما مضى، وأصبح اللجوء للقانون من أساسيات المواطن في حل المشاكل العالقة لديه".

ثكنات عسكرية

ويتابع الحلبوسي، موضحا أن الكثير من شيوخ العشائر حولوا مضايفهم إلى شبه ثكنات عسكرية، حيث شاركوا في تشكيل أفواج من الحشد العشائري لمساندة القوات الأمنية في معاركها ضد المجاميع المسلحة. وهو ما جعلهم عرضة للاستهداف، فاضطروا إلى تسليح عدد من الشباب من أجل حماية المضيف وحماية الشيخ وعائلته.

ويؤكد الناشط المدني بدوره أن دخول المشايخ غمار اللعبة السياسية دفع بعض شيوخ العشائر لدعم شخصيات سياسية، ما أثر على دور المضايف.

أما أحمد المحمدي، 40عاما، وهو كاتب عدل من محافظة الأنبار فيقول "خلال الفترات السابقة كان هنالك تجاوز من مضايف شيوخ العشائر على القانون وذلك عن طريق حل النزاعات، والتي تصل في بعض الأحيان إلى القتل، عشائرياً دون اللجوء إلى القضاء".

أكثر من هذا، كان للنظام العشائري تقاليد مخالفة تماما لحقوق الإنسان وللقانون، منها زواج الفصلية المتعارف عليه في العراق، حيث تقدم المرأة كدية مقابل عمل قام به أحد أقاربها من الرجال، مثل التورط في عملية قتل.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".