طالبات في مدرسة بميسان وتحديات الزواج قبل السن القانونية/إرفع صوتك
طالبات في مدرسة بميسان وتحديات الزواج قبل السن القانونية/إرفع صوتك

ميسان- حيدر الساعدي:

"صادرَ والدي حقي في الحياة عندما أجبرني على الزواج من ابن عمي بسبب العادات والتقاليد، فقد تزوجت وعمري 15 عاما، ولا أفقه من الحياة شيئا، وزوجي كان يكبرني بـ 15عاما".

طفلة في جسد امرأة

هذا ما قالته ولاء عيدان لموقع (إرفع صوتك) موضحة "من الخطأ أن تتحمل الفتاة أعباء الحياة الزوجية وتربية الأطفال بسن مبكرة. فهي عادة ما تكون بمخيلتها الحالمة والبريئة لم تعتركها الحياة، فالزواج ليس لعبة أو مجرد ورقة موقعة بين طرفين، فأنا ما زلت طفلة ولكن بجسد امرأة".

ودعت الفتاة إلى بذل الجهود لتغيير هذه النظرة القاصرة للآباء والأمهات ممن يستسهلون تزويج بناتهم بأعمار مبكرة دون التفكير بعواقب قراراتهم التي بنيت على عادات وتقالية بالية.

من طفلة مدللة إلى خادمة؟

"لن أسمح بتكرار تجربتي المؤلمة"، سكتت ثم تنهدت، السيدة سليمة جعفر، لتوضح "تزوجت وأنا في عمر 14 عاما، وكان زوجي يكبرني بعشرين عاما. تحولت من طفلة مدللة في بيت والدي إلى خادمة لأم زوجي وأخواته الثلاثة، وكن كثيرا ما يقمن بضربي وشتمي، ولا أملك سوى الدموع أواسي بها نفسي حتى أني أوشكت على الموت عند ولادة طفلتي البكر بسبب ضعف جسدي وفقداني الكثير من الدماء بسبب النزف أثناء الولادة".

وتضيف"ليس أمام ابنتي سوى مدرستها فهي سلاحها الوحيد، ولن أقبل بتزويجها حتى تنهي مشوارها الدراسي الجامعي، وأن تكون قد اختبرت الحياة وتعلمت كيف تواجه مشاكلها لوحدها بثقة وقوة".

اقرأ أيضا:

عراقية: حُرِمت من المدرسة لكن لن أسمح أن يكون أبنائي أميين

محاكم لا تلتزم بالقانون!

وتشير إحصائيات حكومية إلى ارتفاع نسب زواج القاصرات بسبب العادات والتقاليد وغياب الوعي لدى العديد من العائلات، وتعد من أبرز العوامل التي تشجع على ارتفاع معدل زواج الفتيات دون سن 15، بحسب مكتب حقوق الإنسان في محافظة ميسان الذي رصد حالات إجبار فتيات دون سن البلوغ على الزواج.

مدير المكتب أحمد ستوري أبلغ موقع (إرفع صوتك) "رصدت لجان حقوق الإنسان في المحافظة، حالات إجبار لفتيات على الزواج بسن مبكرة، لاسيما في المناطق الريفية. وهذه الحالات غالبا ما تنتهي بالطلاق أو المشاكل الأسرية التي تنتهي بالعنف الجسدي على الزوجة، وحرمانها من حقها في العيش بكرامة وتعريضها لمختلف الضغوطات الجسدية والنفسية التي تنعكس على تربية الأطفال".

وبَيَّن ستوري قيام محاكم الأحوال الشخصية في ميسان خلال الثمانية أشهر الاولى من العام الجاري بإعطاء الاذن بالزواج عن طريق "حجة الضرورة بالزواج" للأعمار من 14-15سنة لنحو 148 قاصرا وقاصرة، مشيرا إلى تناسب حالات الطلاق والتفريق بين القاصرات بشكل طردي مع نسب الزواج السنوية.

ويوصي مكتب حقوق الإنسان في محافظة ميسان بمفاتحة دائرة المرأة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ومجلس القضاء الأعلى، لإعداد الدراسات والبحوث حول العادات والتقاليد ووضع الحلول الناجعة فيما يتعلق بمواضيع المرأة وخاصة الزواج، مشددا على "ضرورة التزام محاكم الأحوال الشخصية بالقوانين وتشديد عقوبة الزواج خارج المحاكم، مع ضرورة أخذ منظمات المجتمع المدني لا سيما النسوية لدورها في التوعية والتثقيف وتسليط الضوء على هذه الظاهرة وآثارها السلبية على العائلة والمجتمع".

ويقول الحقوقي والمشاور القانوني عمار الخزعلي إن القضاء العراقي اشترطت موافقته على زواج القاصرات بعدة شروط بناءً على المادة 8 من قانون الأحوال الشخصية النافذ رقم 188 لسنة 1959، مجيزاً لمن أكملت سن الخامسة عشر من عمرها، بالزواج شرط الحصول على موافقة ولي أمرها. وفي حال تعذر موافقة ولي الأمر، يكون الزواج مشروطاً ببلوغ سن 18 مع توفر الأهلية اللازمة للزواج، والقابلية البدنية، التي تثبت عن طريق الفحص الطبي المختص.

ويضيف الخزعلي في حديث إلى موقع (إرفع صوتك) أن "محاكم الأحوال الشخصية تعاني من الزواج خارج أسوارها، لا سيما في الأحياء الشعبية والأرياف حيث تسود التقاليد العشائرية والدينية"، موضحا أن هذا النوع من الزيجات بدأ يثير الكثير من المخاوف نظرا لعدم تسجيل عقد الزواج بشكل رسمي، مع أن "المشرع العراقي اعتبر هذا الموضوع جريمة يحاسب عليها بالحبس والغرامة، لما له من تبعات في إفراغ العلاقة الزوجية من الحماية القانونية وعدم ضمان الحقوق للطرفين. وهذا يتنافى مع مفاهيم الحياة الزوجية التي تبنى على أسس صحيحة قانونية وشرعية لاستمرارها وعدم انهيارها ووقوع الطلاق الذي شكل نسبا مرتفعة من إجمالي الزيجات حيث يأخذ زواج القاصرين من هذه النسبة الحصة الأكبر".

بعد 2003: صعود الظاهرة

وتشير الناشطة النسوية نقاء العبادي إلى اتساع هذه الظاهرة بعد عام 2003 و"ما رافقها من تغييرات قانونية جاءت تحت مسميات إسلامية، ناهيك عن التأثيرات العشائرية التي شجعت على الزواج المبكر، كما كان لسوء الأوضاع الأمنية والاقتصادية الأثر الكبير في انتشار زواج القاصرات"، كاشفة في حديث إلى (إرفع صوتك) عن ارتفاع معدلات الطلاق خلال الإحصائية الأخيرة لمحكمة الأحوال الشخصية في ميسان إلى 77% وتأخذ هذه الظاهرة النسبة الأكبر من حالات التفريق والطلاق.

اقرأ أيضا:

قاصرة عراقية: الفقر دفعني إلى الزواج من رجل في الـ60 من عمره

وتضيف العبادي "من المشاكل المترتبة على هذا الموضوع إنجاب أجيال من الأطفال الأميين لعدم امتلاكهم المستمسكات القانونية لقبولهم في المدارس الحكومية، فضلا عن عدم قدرة القاصرة على التربية والرعاية الصالحة".

أحلام مدنية مقابل واقع كابوسي

وتقول العبادي "تمكّنا بعد الضغط المشكل من قبل الحركة النسوية في العراق على تعديل قانون الأحوال الشخصية واستحصال إمكانية حق مأذونية الشيخ الشرعي بتصديق عقد الزواج في المحكمة وأخذ حقوقها كاملة حتى في حال عدم موافقة الزوج، وهذا يعتبر من أهم الانجازات للحركة النسوية العراقية".

وطالبت العبادي بضرورة تحديث قانون الأحوال الشخصية بما يتماشى مع المواثيق الدولية التي وقع عليها العراق ومنها اتفاقية حقوق الطفل، فضلا عن ضرورة توفر الرقابة على المحاكم والجهات الصحية المسؤولة عن إصدار شهادات الاهلية والقدرة البدنية للقاصر.

لكن أحلام الناشطة المدنية العبادي هي غير كوابيس الواقع التي يمثلها وصف الأب حسين سلام، للزواج المبكر بـ"الستر والحماية للفتاة من الوقوع في الأخطاء، وتجنبا لكلام الناس"، موضحا في حديث إلى موقع (إرفع صوتك) "لدينا عاداتنا وتقاليدنا التي كبرنا عليها ولن أتخلى عنها. سأزوج إبنتي عندما تبلغ الرابعة عشر، يكفي أنها تقرأ وتكتب، كذلك في حال انتقالها لبيت زوجها سيخفف عني ذلك نفقات المنزل، وما أكسبه يوميا من عملي في السوق، يكاد يكفي لمعيشة عائلتي ذات الخمسة أطفال".

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية
يحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية

بعدما كان "ركيزة أساسية" يعَوّل عليها في ملاحقة كامل الخيوط المتعلقة بـ"سرقة القرن" وضعت "الخفايا" التي كشف عنها رئيس هيئة النزاهة في العراق، حيدر حنون، القضاء في البلاد في "قفص الاتهام"، وجاء ذلك بعد سلسلة "فضائح مليارية" أزاح الستار عنها مع عدد من النواب خلال الأيام الماضية.

حنون كان قد عقد مؤتمرا صحفيا في أربيل، قبل يومين، وعلى نحو مفاجئ ولافت استخدم لغة هجومية وحادة استهدف بها مجلس القضاء الأعلى" والقاضي ضياء جعفر، الذي يتولى قضية نور زهير المتهم الأول بقضية سرقة الأمانات الضريبية، فيما يعرف بـ"سرقة القرن".

وبعدما عبّر أمام حشد من الصحفيين عن غضبه من "استضعاف هيئة النزاهة"، أشار إلى "اختفاء ملفات من قضية زهير لدى القاضي جعفر"، وأن ذلك "يشكّل تحديا كبيرا لجهود مكافحة الفساد، واستعادة أموال الدولة المنهوبة".

لم يقتصر الأمر عند ذلك فقط، فأضاف حنون أن "ملف زهير الذي تمت إحالته إلى محكمة الجنايات المركزية، يحتوي على 114 صكا ماليا". وفي حين أن القانون يقتضي فتح 114 قضية منفصلة "جرى التعامل معها كقضية واحدة"، وفق قوله.

ولم يصدر أي موقف من جانب مجلس القضاء الأعلى حتى الآن، كما لم يرد القاضي جعفر على الاتهامات التي وجهها حنون ضده، وحاول موقع "الحرة" التواصل مع الأخير ومسؤولين آخرين في "مجلس القضاء الأعلى"، ولم يتلق ردا حتى ساعة نشر هذا التقرير.

وبدوره لم يقدم مدير المكتب الإعلامي لهيئة النزاهة في العراق، علي محمد أية تفاصيل إضافية عن دوافع ما كشف عنه حنون، وأوضح لموقع "الحرة" أنه "يجب ترك الموضوع حاليا".

وتضمنت الاتهامات التي وجهها رئيس هيئة النزاهة حديثه عن "سرقة في ملف سكك حديدية تقدر قيمتها بـ18 مليار دولار، دون أن يتم اتخاذ أي إجراء من قبل القاضي جعفر منذ شهرين"، حسب تعبيره.

ومن ناحية أخرى اتهم حنون "زهير بالتورط في سرقة الودائع الجمركية بما يزيد عن تريليون دينار عراقي"، مطالبا "بعقد جلسة علنية بحضور القاضي جعفر لكشف الحقائق أمام الشعب"، كما أضاف أن الأخير "أصدر أمر قبض بحقه ويلاحقه بشكل شخصي".

كيف بدأت المواجهة؟

المواجهة الحاصلة واللافتة كما يعتبرها باحثون ونواب عراقيون جاءت بعد أسبوع واحد من هروب المتهم بـ"سرقة القرن" نور زهير خارج البلاد، مما أثار جدلا وتساؤلات عن كيفية فراره، وهو المتهم الأبرز في أكبر قضية فساد شهدتها البلاد منذ عام 2003.

وشيئا فشيئا وبينما كانت الأنظار تتركز على قرار إلقاء القبض الذي أصدره القضاء بحق زهير للمرة الثانية بدأت تظهر بالتدريج "فضائح فساد مليارية" جديدة، وكان أبرزها تلك التي كشف عنها النائب في البرلمان العراقي، ياسر الحسيني، وتداولتها وسائل إعلام على نطاق واسع.

وجاء في اتهامات رئيس كتلة "الآمال" النيابية أن "الشركة العامة لسكك الحديد" وقعت عقدا لإعادة تأهيل خط سككي بقيمة 22 مليار دولار ونصف، قبل ثلاثة أشهر، وأن المشروع أحيل إلى 3 شركات، واحدة منها أجنبية وأخرى محلية، والثالثة تابعة لزهير المتهم بـ"سرقة القرن".

وفي حين نفت وزارة النقل، عبر حديث متلفز أدلى به المتحدث باسمها ميثم الصافي، الاتهامات التي أطلقها الحسيني أشار خبراء قانون ونواب سابقون إلى أن "الفضائح" التي باتت تنكشف على نحو كبير ترتبط دوافعها وحيثياتها بشكل وثيق.

وأوضح بعض النواب وخبراء القانون أن الأسباب التي تقف وراء ذلك تتعلق بجذور وصراعات سياسية فيما ذهب آخرون للإشارة إلى مآلات وتداعيات المواجهة الحاصلة التي اندلعت ما بين هيئة النزاهة و"المجلس الأعلى للقضاء".

ويقول الخبير القانوني العراقي، أمير الدعمي، إن الصراعات في العراق باتت تشتد على كافة المستويات السياسية، ويضيف أنه "قد نشهد صراعا بين مؤسستين مهمتين، الأولى هي مجلس الوزراء والثانية هي مجلس القضاء الأعلى".

ويشير في حديثه لموقع "الحرة" أنه "ولأول مرة قد يكون مجلس القضاء الأعلى طرفا في صراع مثل هذا".

ويسود اعتقاد لدى بعض المراقبين والباحثين العراقيين أن المواجهة الحاصلة بين "النزاهة" والقضاء تقف وراءها وفي الكواليس مواجهة خفية ما بين رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني و"المجلس الأعلى للقضاء".

لكن مستشار السوداني فادي الشمري تحدث في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية، الجمعة، عن "محاولات قامت بها الحكومة لثني رئيس هيئة النزاهة من عقد المؤتمر الصحفي الأخير في أربيل".

وأوضح الشمري أن "حنون رفض التراجع"، وأن "طريقته في طرح هواجسه كانت مضرة بالاستقرار السياسي، وأن اجتهاده كان في غير محله".

ومن المقرر أن تعقد جلسة استثنائية في مجلس النواب العراقي، لمتابعة تطورات المشهد الحالي، وخاصة فيما يتعلق بملفات الفساد الكبرى، كما يكشف عضو اللجنة القانونية النيابية في العراق، عارف الحمامي، لموقع "الحرة".

وبالنسبة لمسألة التحقيق والقضاء يقول: "نحن نحترم القضاء ونشد على يده لإكمال التحقيق والخروج بنتائج مرضية للشعب العراقي".

ويعتقد عضو اللجنة القانونية النيابية العراقية أن "حديث حنون كان نتيجة ضغوط".

ويعتبر أن رئيس هيئة النزاهة "يجابه منظومة فساد كبرى، ويحتاج الدعم الكبير والمؤازرة من مجلس النواب العراقي والقضاء والوقوف على حقائق الأمور".

"قضية نور زهير هي قضية فساد كبرى وفيها رؤوس.. وهذه الرؤوس تريد خلط الأوراق والتشويش على القضاء وهيئة النزاهة"، ويرى الحمامي أن "حدوث مشكلة ما بين القضاء والنزاهة من صالح الفاسدين".

"من زهير إلى جوحي"

رغم أن الأضواء في العراق تتسلط وعلى نحو كبير باتجاه قضية "سرقة القرن" وخيوطها التي يتم الكشف عنها بالتوالي بعيدا عن كشف أسماء "الرؤوس" انشغلت الساحة السياسية في البلاد خلال الأيام الماضية بقضية عرفت باسم "شبكة التنصت" أو "شبكة جوحي".

وفي التفاصيل وبحسب إفادات سابقة للنائب مصطفى سند، فإن محكمة تحقيق الكرخ، المختصة بقضايا الإرهاب أقدمت قبل أسبوع على "اعتقال شبكة من القصر الحكومي لمكتب رئيس الوزراء، وعلى رأسهم المقرب (محمد جوحي)، وعدد من الضباط والموظفين".

وذكر مصطفى أن الشبكة "كانت تمارس عدة أعمال غير نظيفة؛ ومنها التنصت على هواتف عدد من النواب والسياسيين (وعلى رأسهم رقم هاتفي)"، وكذلك "تقوم الشبكة بتوجيه جيوش إلكترونية، وصناعة أخبار مزيفة، وانتحال صفات لسياسيين ورجال أعمال ومالكي قنوات"، بحسب النائب في البرلمان.

وبعدما أثار الحديث عن "شبكة التنصت" ضجة نشر "مجلس القضاء الأعلى" بيانا وصف فيه المعلومات المتداولة بشأن "قضية جوحي" بأنها غير دقيقة، واعتبر أنها "مبنية على التحليل والاستنتاج بعيدا عن الحقيقة".

"تضخيم إعلامي"

ورفض مستشار سياسي لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، السبت، الاتهامات التي ترددت في الآونة الأخيرة بأن موظفين في مكتب رئيس الوزراء تجسسوا وتنصتوا على مسؤولين كبار وسياسيين.

وقال المستشار فادي الشمري في مقابلة مع إحدى جهات البث العراقية أذيعت في وقت متأخر من مساء أمس الجمعة "هذه كذبة مضخمة"، وهو النفي الأكثر صراحة من عضو كبير في فريق رئيس الوزراء.

وأضاف أن الاتهامات تهدف إلى التأثير سلبا على السوداني قبل الانتخابات البرلمانية المتوقع إجراؤها العام المقبل.

وتابع "كل ما حدث خلال الأسبوعين الأخيرين هو مجرد تضخيم إعلامي يخالف الواقع والحقيقة".

وقال الشمري إنه تم إلقاء القبض على شخص في مكتب رئيس الوزراء في أغسطس، إلا أن الأمر لا علاقة له علاقة بالتجسس أو التنصت.

وأضاف أن ذلك الموظف اعتقل بعد اتصاله بأعضاء في البرلمان وسياسيين آخرين منتحلا صفة شخص آخر.

وأردف "تحدث مع نواب مستخدما أرقاما مختلفة وأسماء وهمية وطلب منهم عددا من الملفات المختلفة". ولم يخض الشمري في تفاصيل. وتابع "لم يكن هناك تجسس ولا تنصت".

ويشير عضو اللجنة القانونية النيابية الحمامي إلى أنه وحتى الآن "لا تستطيع أن ننفي أو نؤيد ما تم تداوله عن قضية التنصت"، ويقول إنها "حساسة.. وننتظر نتائج التحقيق".

وكن المتحدث باسم الحكومة العراقية باسم العوادي قال في وقت سابق إن الحكومة العراقية "تتابع الحملات المضللة التي تستهدف إعاقة عملها في مختلف المجالات، ومنها ما جرى تناوله من معلومات غير دقيقة تستبطن الغمز، وبعضها تضمن الاتهام المباشر للحكومة تجاه قضايا تخضع الآن لنظر القضاء".

وأضاف العوادي في بيان أن "السلطة التنفيذية تنتظر ما سيصدر عنه (القضاء) بهذا الصدد، مع تأكيد الحكومة المستمر على الالتزام بالقانون واحترام قرارات القضاء".

وشدد العوادي أن "هناك من يعمل على جرّ الحكومة وإشغالها عن نهجها الوطني عبر محاولات يائسة لا تصمد أمام الإجراءات القانونية الحقيقية والفعلية، التي تعمل الحكومة على تنفيذها ودعمها".

ولم يتطرق البيان إلى أي أسماء متورطة يتم تداولها في وسائل الإعلام أو من قبل أعضاء في مجلس النواب العراقي بشأن القضية.

ومن جانب آخر اعتبر وائل عبد اللطيف القاضي العراقي السابق أن ما يتم الحديث عنه من "ملفات فساد وفضائح من قبل حيدر حنون هو أقل من السرقات الموجودة في البلد".

ويقول عبد اللطيف لموقع "الحرة" إن "البلد بات بؤرة فساد والسرقات تأكله في جميع مرافقه.. ولا أستثني منها أي مرفق". 

القاضي السابق أشار إلى المعلومات التي تحدث عنها حنون بشأن "قطع الأراضي التي منحها رئيس الوزراء السابق، مصطفى الكاظمي لرئيس وأعضاء مجلس القضاء الأعلى ورئيس وأعضاء المحكمة الاتحادية والوزراء لشراء الولاء".

وأوضح أن رئيس هيئة النزاهة حصل على جزء من تلك الأراضي، وهو ما أكده في المؤتمر الصحفي بقوله: "وقبلناها جميعا (من الكاظمي)".

ويتابع عبد اللطيف: "حنون كان رئيس استئناف العمارة وأخذ قطعتي أرض وعنده منزل. ماذا يريد بعد ذلك؟ وكذلك الحال مع ضياء جعفر. ما يحصل عبارة عن صراع تشارك فيه القوى السياسية".

"كارثة وانتحار سياسي"

وتباينت ردود الفعل إزاء ما كشف عنه حنون من أربيل، وكانت المواقف منقسمة ما بين مؤيد ومعارض للطريقة التي تم فيها إطلاق الاتهامات.

ودافع رئيس ائتلاف "دولة القانون"، نوري المالكي، بشدة عن القضاء، الخميس، وبدا مستاءً من اتهامات رئيس هيئة النزاهة للقضاء، وإن لم يذكر اسمه بالتحديد خلال كلمته.

ومن جهته، دعا زعيم "تيار الحكمة"، عمار الحكيم، إلى ما وصفها بـ"محاكمة القرن" لمقاضاة "سرقة القرن"، وقال في كلمة مسجلة: "لتكن هذه المحاكمة علنية، كما فعلنا مع صدام حسين، حتى لو وردت فيها أسماء شخصيات كبيرة".

وتتمثل "سرقة القرن" باختفاء مبلغ 3.7 تريليون دينار عراقي، بما يعادل نحو مليارين ونصف مليار دولار، من أموال الأمانات الضريبية. وكانت جهات متعددة قد كشفت عن السرقة قبل نحو شهرين من انتهاء مدة حكم الحكومة العراقية السابقة برئاسة، مصطفى الكاظمي.

وكشف كتاب رسمي صادر عن هيئة الضرائب أن مبلغ 2.5 مليار دولار، جرى سحبه بين سبتمبر 2021 وأغسطس 2022 من مصرف الرافدين الحكومي، عبر 247 صكا ماليا، حرّر إلى 5 شركات، قامت بصرفها نقدا مباشرة.

وعلى إثر انكشاف السرقة تحركت "هيئة النزاهة" والسلطة القضائية للتحقيق في القضية، وصدرت عدة أوامر قبض قضائية، وكان أول المعتقلين نور زهير، واسمه الكامل "نور زهير جاسم المظفر"، وكنيته "أبو فاطمة"، وهو من مواليد بغداد عام 1980.

بعد ذلك تم إيداعه السجن بالإضافة إلى آخرين، إلى جانب قرارات قضائية بمصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتورطين بالسرقة وكذلك أُسرهم، وفق وكالة "شفق نيوز".

وفي عام 2023، قرر القضاء العراقي رفع إشارة الحجز عن شركة تابعة لزهير، ومن ثم أعلن رئيس الوزراء العراقي، محمد شياع السوداني، عن قيام المتهم الأول بـ"سرقة القرن" بتوزيع أمواله على متنفذين من بينهم "سياسيون وإعلاميون"، ملمحا إلى ارتفاع عدد المتهمين.

ووقتها أعلن السوداني أيضا أن القاضي المختص (ضياء جعفر) أصدر أمرا بإطلاق سراح نور زهير "بكفالة"، مقابل تعهده بتسليم كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين، مشيرا إلى أن القسم الأكبر من المبلغ لدى المتهم عبارة عن عقارات وأملاك.

ويشكّل المبلغ الذي أعاده زهير إلى خزينة الدولة بعد خروجه من السجن بكفالة ما نسبته 12 بالمئة من كامل الأموال التي تتجاوز 2.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة للنائب في البرلمان العراقي، ماجد شنكالي.

وحتى الآن لا يعرف ما إذا كان المسارات ستصل إلى إعادة إلقاء القبض على زهير، بموجب المذكرة التي صدرت بحقه قبل أسبوع، وبعد انتشار صورة له من العاصمة اللبنانية بيروت، مدعيا أنه "تعرض لإصابة في حادث سير".

ويعتبر الخبير القانوني الدعمي أن "التدخل أو إقحام القضاء بمثل هكذا صراعات هو خطأ، بل كارثة على اعتبار أن المجلس الأعلى للقضاء الآن هو الحصن الأخير الذي يمكن أن نلوذ به".

ويرى أن "محاولة إقحام القضاء في الصراع السياسي أو جره لهذا الصراع هو انتحار سياسي"، في إشارة منه للمؤتمر الذي عقده حنون.

"الكل متورط في العراق"

لكن وفي المقابل يوضح الكاتب والباحث في الشأن العراقي، يحيى الكبيسي أن "مراجعة الوقائع المرتبطة بسرقة الأمانات الضريبية تظهر بوضوح اشتراك سلطات الدولة ومؤسساتها المختلفة في هذه السرقة، سواء بشكل مباشر أو بشكل ضمني، بما في ذلك السلطة القضائية نفسها".

ويقول لموقع "الحرة" إن الدليل على ذلك "هو عدم اتخاذ القضاء العراقي أي إجراء طوال أكثر من شهرين، من لحظة كشف السرقة إلى لحظة محاولة هروب المتهم الرئيسي عبر مطار بغداد".

وتبع ذلك وفق الكبيسي "إطلاق سراح المتهم بسرعة غير مفهومة، ورفع الحجز عن شركاته وممتلكاته، ورفع منع السفر عنه، وعدم حضوره المحاكمة، وما يستتبع ذلك من دفع الكفلاء لمبلغ الكفالة لتنتهي القضية بحكم غيابي لا قيمة له عمليا".

ما قاله حنون "كان في جوهره اتهامات للقضاء العراقي"، ورغم أنه لم يقدم معلومة جديدة "كسر التواطؤ الجماعي الذي يغطي على الفساد في العراق في سياق الصراع بين السلطات"، بحسب الكاتب الكبيسي.

ويتابع أن "الفساد في العراق منذ العام 2006 ليس فساد أفراد، بل فساد بنيوي، والكل شركاء فيه".

ويحتل العراق المرتبة 157 (من 180) في مؤشر منظمة الشفافية الدولية عن "مدركات الفساد"، وغالبا ما تستهدف المحاكمات في قضايا الفساد، في حال حصلت، مسؤولين في مراكز ثانوية.

ويعتقد القاضي السابق، وائل عبد اللطيف أن المناكفات الحاصلة بين "النزاهة" و"المجلس الأعلى للقضاء" ترتبط "بغياب الاستقرار وتنظيم العمل في الدولة".

وبالإضافة إلى ذلك يؤكد أن "الفساد مستشر في الدولة العراقية"، وأن ما نراه الآن أيضا مرتبط بالصراع الحاصل بين القوى السياسية.

أما الخبير القانوني الدعمي فيؤكد أنه "يجب عدم المساس بالقضاء وإقحامه بالصراعات السياسية المعروفة أساساتها على اعتبار الفساد المستشري في الدولة العراقية".

ويعتقد الدعمي أن "الصراع الحاصل بين النزاهة والمجلس الأعلى للقضاء ينذر بكوارث"، ويعتبر أن "القضاء أسمى من أن يكون طرف بصراع سياسي أو مفسدة سياسية تقوم بها الكيانات والطبقة السياسية".