عودة الحياة إلى أسواق الموصل/لقطة من الفيديو
صورة لأسواق الموصل

بغداد – دعاء يوسف:

كانت وسن إسماعيل على سطح المنزل الذي تسكنه مع عائلتها عندما دخل عناصر داعش شارعهم في حي الزنجيلي من الساحل الأيمن لمدينة الموصل عام ٢٠١٤.

كانت تحاول تجفيف ملابس الغسيل بنشرها على الحبل.

لقاء استمرارهم بالعمل

تعرفت وسن، ٣٤ عاماً، من سطح منزلها على ملامح شابٍ بين المسلحين قبل أن تترك الغسيل من يدها وتهرع إلى داخل المنزل. حاولت وسن أن تستعيد ملامح الشاب، لتتذكر أخيرا أنّه علاء زميل أخيها الذي لم تره منذ وقت طويل.

كان علاء في الـ25 من عمره حين طُرد من عمله في إدارة محل لبيع المواد الغذائية، بعد أن تشاجر مع صاحب المحل.

اقرأ ايضاً:

نازحة موصلية: أكلنا الخبز العفن وطبخنا الثيّل

عراقي: الفساد سلب حقّي في التوظيف

اختفى الشاب بعدها من الحي ولم يعد أحد يراه. "سمعنا بعدها أنه اتخذ عربة جوالة (بسطية) في سوق الطوب لبيع الملابس"، تقول الشابة.

بقيت صورة علاء عالقة في ذهن وسن، فهي عهدته شابا هادئا، ورؤيته كمسلح دفعتها للتفكير بحاله. تروي وسن، التي تسكن الآن في منزل أقارب زوجها ببغداد، أنّ داعش فرض على باعة "البسطات" دفع مبالغ سنوية تقدر بمليوني دينار عراقي وأكثر لقاء استمرارهم بالعمل.

وبعد أن تقصّت عن أسباب انضمام علاء للتنظيم، سمعت أنّ الدافع كان عدم قدرته على توفير المال للحفاظ على بسطته.   

وتشير إلى أن الشباب الذين لم يستطيعوا الهرب آنذاك ويعانون من البطالة، انخرطوا في صفوف داعش. وقد حصل البعض على امتيازات مالية وأسلحة وغير ذلك. "لقد كان داعش بالنسبة للبعض فرصة للعمل"، على حد قولها.

لم تنته البطالة

بقي مصير علاء مجهولا بالنسبة لوسن بعد تحرير الموصل من داعش. وما بدا في السابق أشبه بفرصة عمل للشباب دفع بمعظمهم إلى الهاوية.

وإذ انتهى وجود داعش في الموصل وفي مناطق عراقية أخرى، لم تنتهِ البطالة. ويتوقع الناطق الرسمي للوزارة عبد الزهرة الهنداوي في حديث لموقع (إرفع صوتك) تزايد نسب البطالة بين صفوف الشباب في المدن التي كانت تحت سيطرة داعش، بسبب توقف الأعمال والمشاريع والنزوح وغير ذلك.

وقد ارتفعت نسب البطالة والفقر خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام ٢٠١٤،  إلى 30%، بحسب تقديرات وزارة التخطيط العراقية.

ويقول الهنداوي إن الوزارة تعمل الآن على مسح بياني لتوفير إحصائيات حديثة وكاملة عن أضرار المدن التي كانت محتلة من داعش ونتائج الحرب، والتي ستعلن عنها رئاسة الوزراء قريباً، ومن ضمنها نسبة البطالة وتأثير الحرب على سوق العمل.

لا أريد أن أخسر عملي

وبسبب سيطرة داعش على الموصل، ترك الكثير من الشباب المهن التي كانوا يعملون فيها كي لا يدفعوا جباية لداعش، وآخرون أُقفلت أماكن عملهم.

قبل فراره من الموصل عام 2014، كان سامر يعمل في معرض لبيع السيارات. وقد تعرّض المعرض أثناء سيطرة داعش على المدينة إلى أضرار جسيمة. ويقول سامر "أصحابه لم يباشروا بافتتاحه حتى الآن ولا نعلم عن أخبارهم شيئا".

ولا يتوقع الرجل أن تعاود معارض بيع وشراء السيارات عملها في الوقت الحالي. "الناس هناك حائرة بتوفير قوت يومها، لا بشراء السيارات وبيعها".

ويتابع الشاب الذي يسكن الآن في بغداد، رغم عودة عائلته المتكونة من سبعة أفراد إلى الموصل، وافتتاح شقيقه محلا لبيع المواد الغذائية. "لا أستطيع العودة للموصل الآن. لا أريد أن أخسر عملي هنا في معمل للدباغة. لم يكن سهلا علي أن أجد عملا آخر".

الخلافات العشائرية

في مرحلة ما بعد داعش، فضل الكثير من النازحين، حالهم كحال سامر، ألا يعودوا إلى مناطقهم كي لا يخسروا أعمالا بسيطة. بعد تحرير مدينة الرمادي، كان عمر الطائي قد تفاءل وشعر أنه قد حان الوقت لبداية جديدة، ولكن الواقع لم يكن على مستوى توقعاته.

يقول في حديث لموقع (إرفع صوتك) إن عائلته المتكونة من أمه وزوجته وأطفاله الثلاثة طبوا منه ألا يعود إلى الرمادي بعدما عادوا هم إلى المدينة "لأن الخلافات العشائرية والثارات الانتقامية لم تترك مجالا للعمل".

عمر الذي لم يتجاوز الأربعين من عمره كان يعمل بمدينته قبل دخول داعش وهربه منها لبغداد عامل بناء، وكان يتوقع عند تحريرها أن تشهد المدينة مشاريع كثيرة للإعمار والبناء بسبب الدمار الذي لحق بها، ولكنه حتى الآن يرى في العودة فكرة سيئة.

"لهذا فضلت البقاء في بغداد والحفاظ على مهنتي في بيع الخضار بسوق علوة الرشيد نواحي بغداد لتوفير لقمة العيش. على الأقل أضمن دخلا هنا".

البطالة تغذي الإرهاب

وتُدرج الأوضاع الاقتصادية المتأزمة والبطالة من ضمن العوامل التي دفعت نحو الانضمام لداعش.

ويقول المحلل العراقي كامل السعدون في حديث لموقع (إرفع صوتك) إنّ "البطالة تغذي الإرهاب الذي يستغل العاطلين عن العمل عبر مغريات مالية ومكاسب سلطوية مقابل تجنيدهم باسم الدين الإسلامي".

ويشير إلى أنه لا يمكن التخلص من الجماعات المتطرفة حتى بعد أن تحررت المدن من سيطرة داعش، ما لم يتم التركيز على الأسباب التي تستغلها هذه الجماعات في استقطاب الشباب وتجنيدهم. "وبالتالي يجب إيجاد حلول جذرية للبطالة في مرحلة ما بعد داعش".

وقد باشرت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بالعمل على تمويل المشاريع الصغيرة لتنشيط الوضع الاقتصادي في المدن المتحررة من خلال التقديم على القروض المعلنة وفق الشروط التي تفرض توفر بعض الضمانات كالكفيل وعقار ملك وغيرها.

لكن السعدون يرى أن الحكومة تفرض شروطاً تعجيزية مقابل استلام القرض، لأن غالبية الشباب لا يستطيعون بسهولة إيجاد من يتكفلهم من موظفي الدولة أو من يقوم برهن عقاره مقابل استلام أحدهم للقرض.

"لقد كانت العناصر المتطرفة تستغل الفقر والبطالة وضياع الحقوق كمحفزات للقتال معهم ضد الحكومة، بينما الحكومة تطالب العاطلين بضمانات أراها تعجيزية بالنسبة لمن يرغب بالعمل"، يحذر السعدون.

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
أسلحة مرفوعة خلال عراضة عشائرية- تعبيرية

في غمرة الاحتفال بفوز الفريق العراقي بكأس آسيا وقف الطفل حيدر العبيدي  على باب منزله للمشاركة في الحدث عبر الغناء وترديد الأهازيج لمؤازرة الفريق، قبل أن تتحول لحظة الفرح إلى ذكرى مؤلمة حين أصابته رصاصة عشوائية نزلت عبر كتفه لتستقر في قلبه.

يتذكر مجيد العبيدي، والد الطفل، ذلك اليوم من يوليو 2007، بتفاصيله الكاملة. يقول: "كان حيدر واقفا في باب الدار يحتفل مثل الجميع وكان الجو مشتعلا بالعيارات النارية بكل أشكالها وأنواعها. حينها طلبت منه الدخول إلى المنزل خوفا من الإصابة بأذى".

يتابع مجيد بحسرة: "في اللحظة ذاتها سقط الطفل على الأرض مضرجا بدمائه، نقلته إلى المستشفى، ولكنه كان ميتا، الدماء كانت في كل مكان، على قميصه وعلى وجهي ويديّ وثيابي، حتى الآن أحتفظ بها مثلما هي بالدماء التي عليها".

إطلاقة عشوائية أخرى قضت على أحلام الطفل حسين سلام (11 عاماً) بعد عودته من المدرسة وطلبه المال من والده لشراء الحلوى مع أصدقائه- كما يقول والده سلام العيبي لـ "ارفع صوتك". يروي الأب قائلا: "بعد لحظات عاد أحد الأطفال وهو يصرخ، خرجت ووجدت ولدي وقد اخترقت رأسه رصاصة طائشة، وامتلأ الأسفلت بدمائه وسط رعب رفاقه الصغار من حوله".

وقع الحادث مع اقتراب امتحانات النهائية العام 2021، وحتى اليوم لا يصدق الأب ما حدث. يقول: "البيت تنقصه ضحكته وشقاوته، وكل زواياه تذكرني بابن كان تحت رعايتي ولم يبق منه سوى صورة معلقة على الحائط".

المشكلة في حوادث إطلاق النار العشوائي، كما يقول العيبي، أنه "ثمة شخصا قتل ابني، لكنه مجهول الهوية، ولا يمكن محاسبته، فعلت الأجهزة الأمنية إجراءاتها، وفي شهادة الوفاة كتب السبب إصابة في الرأس نتيجة إطلاقة عشوائية".

 

ضحايا في حضرة القانون

رغم عدم وجود إحصائيات رسمية بعدد الضحايا الذين يسقطون نتيجة لإطلاق النار العشوائي سنوياً في العراق، رصد الباحث رائد إبراهيم، خلال العام 2021، أعدادهم ضمن نتائج بحث حمل عنوان "الأسلحة وجرائم الإطلاقات النارية بشكل عشوائي"، إذ بلغ عدد الضحايا العام 2021 -بحسب البحث- أكثر من 200 حالة وفاة، فيما وصل عدد المصابين إلى 303 حالات أغلبها في الرأس والحبل الشوكي.

ويقول القانوني علي جمعة، لـ "ارفع صوتك" إن إطلاق النار العشوائي "جريمة يفترض أن يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة واحدة ولا تزيد على ثلاث سنوات بموجب قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 570 لسنة 1982".

وتضمنت القوانين الخاصة نصوصا تعاقب مطلقي العيارات النارية. "وردت في قانون الأسلحة رقم 51 لسنة 2017 النافذ منها ظروف تشديد العقوبة لإطلاق النار من سلاح مرخص بلا إذن، أو إذا كان مطلق النار موظفاً أو منتسباً في إحدى الوزارات الأمنية".

المشكلة الحقيقية تكمن في أن القانون "غير مطبق على أرض الواقع بحق مطلقي العيارات النارية العشوائية في الأماكن العامة من جهة، كما أنه غير متناسب مع الجريمة المنصوص عليها من جهة ثانية، والدليل كثرة حوادث القتل والإصابات نتيجة الرمي العشوائي"، وفقاً لجمعة.

 

في الأفراح والأحزان

تتعدد الجهات وحالات إطلاق النار العشوائي في العراق، وتتنوع باختلاف المواقف والمناسبات، كما يوضح القانوني علي جمعة. فبعض تلك الحالات تكون نتيجة المناسبات الجماعية كالأعراس والاحتفالات وتشييع الموتى والنزاعات الفردية والعشائرية، وتتعدد الأماكن والبيئات كأطراف المدن والمحلات والبيوت.

ويعتبر إطلاق النار العشوائي "جريمة كونه يخلق الفزع والرعب الذي يؤدي إلى إضعاف الأمن الاجتماعي، وإشاعة جو من التسيب، ويزيد من عمليات الاعتداء والحوادث العدوانية كالقتل والجرح والأضرار في الممتلكات العامة والخاصة والخسائر المادية والبشرية" يوضح جمعة.

ويضيف: "المتتبع للحالة العراقية يجد أن هذه الجريمة تزداد بمرور الوقت، والسبب في ذلك ضعف تفعيل القوانين والأنظمة والتعليمات والقرارات الخاصة بمنع إطلاق العيارات النارية في الأماكن العامة". ويساهم في ذلك "انتشار وعرض وتداول وبيع السلاح في الأسواق المحلية بصورة واسعة وملحوظة لمن يرغب أو يريد الحصول على  سلاح معين، وازدياد الأفراد والجماعات الساعية لحيازة السلاح".

وتلعب شخصية الفرد العراقي أثرا مهما في حيازة السلاح بشكل عام في العراق، كما تقول الأكاديمية والطبيبة النفسية وجدان أمير، لـ "ارفع صوتك".

وهي ترى أن: "الفرد العراقي هو ضحية ظروف المجتمع الذي ترعرع فيه لعقود وسط النزاعات والحروب والحاجة إلى الحصول على  الإحساس بالأمن عبر اقتناء السلاح للدفاع عن النفس"، ناهيك عن "النزعة القبلية التي تحب الزهو والفخر وإبراز القوة".

وتشير إلى أن تلك النزعة :"تظهر لدى فئات المجتمع المختلفة بغض النظر عن المنطقة أو التعليم، فقد يصدر إطلاق النار العشوائي عن شخصيات تمثل القانون أو أكاديمية وغيرها بسبب الأعراف والتقاليد التي نشأ فيها".

 

حادث يؤسس حملة  

قُتلت خالة الناشط المدني علي عباس، بعد إصابة مباشرة في الرأس من إطلاق نار عشوائي دون معرفة مرتكب الحادث.

حصل ذلك قبل أسبوع واحد من موعد زفافها وأمام باب منزلها. تلك الحادثة غيرت حياة علي عباس إلى الأبد. فمنذ العام 2018، انضم إلى مجموعة من الشباب لتأسيس حملة لمحاربة الرمي العشوائي في العاصمة بغداد وعدد آخر من المحافظات.

يقول علي عباس لـ "ارفع صوتك" إن "أول حملة أقيمت كانت عبارة عن مسيرة في مدينة الصدر، وهي واحدة من أكثر المناطق اكتظاظا في العاصمة ضمن فعاليات منظمة التجديد للتطوير المجتمعي.

ويضيف: "بعد تلك المسيرة قررنا ألا نقف عند هذا الحد، بل الاستمرار بالتثقيف عبر إقامة الندوات وتوزيع البروشرات وتعليق اللافتات التوضيحية بالتعاون مع الشرطة المجتمعية بهدف تغيير القناعات المتجذرة في عقول الناس".

كل هذه الفعاليات التي تقيمها المنظمة "هي تطوعية يشترك بها متضررون من إطلاق النار العشوائي ومواطنون مستاؤون من الظاهرة ورافضون لها".

ورغم تفاؤل عباس بالحملة ونتائجها، التي يقول إنها تجد صدى لدى المواطنين أينما توجهوا، إلا أنه في الوقت ذاته يرى أن "الأمر سيتطلب عقداً من الزمن للقضاء عليها، فالموضوع ليس سهلاً، ويحتاج إلى عمل كثير وجهود كبيرة".

ويحدد ثلاثة اتجاهات أساسية للقضاء على الظاهرة، هي :"التوعية والتثقيف المجتمعي ضد المظاهر المسلحة وإبراز المشكلة للرأي العام، و إشراك وسائل الإعلام لتسليط الضوء على ما تسببه هذه الظاهرة من ألم للمجتمع"

أما الاتجاه الثالث فهو: "تطبيق القانون على الجميع دون استثناء وفي جميع المناطق بمساعدة الأمن الوطني ومراكز الشرطة. فالدولة هي المسؤولة عن إيقاف هذا النوع من الإرهاب الذي يوقع الكثير من الضحايا الأبرياء سنوياً".

ويحدد عباس المشكلة الأكبر التي توجه الحملة بـ"تحول العشائر والأجهزة الأمنية جزءاً من الظاهرة، وهو ما يزيد من صعوبة تنفيذ الإجراءات القضائية"، الأمر الذي يعتبره " كارثة تتمثل في أن الجهات المفترض أن تحمي المجتمع وتطبق القانون هي من تشارك في خرق القانون".