خيم المتجاوزين في علوة الرشيد جنوب بغداد
خيم المتجاوزين في علوة الرشيد جنوب بغداد

في منطقة عويريج، على أطراف بغداد الجنوبية، تسكن أكثر من 60 عائلة الخيم تحت لهيب حر شمس الصيف، بعد أن هدمت "قوة أمنية منازلهم لتجاوزهم على أراض تابعة للدولة"، وفقا لرواية أهالي ذلك المخيم.

يقول الشاب سرحان (25 عاما) "هدّموا منازلنا خلف علوة الرشيد (جنوب بغداد) ووضعونا في هذه الخيم، وعدونا بتعويضات وكرافانات، ولم نحصل لا على التعويضات ولا على الكرافانات"، مشيرا في حديث لموقع (ارفع صوتك) أن من هدم البيوت "قوة من الشرطة الاتحادية، لأن مستثمرا أخذ الأرض للاستثمار وكسب الدعوة ويريد إخلاءها".

​​

تقوم الخيم المتكونة جدرانها من البطانيات القديمة وأكياس الطحين الفارغة على أعمدة من الخشب، وتفتقر معظمها لأسقف تحجب أشعة الشمس اللاهبة.

في إحدى تلك الخيم تجلس امرأة مسنة تحت درجات حرارة تجاوزت الأربعين، تعجز هذه المرأة حتى عن إبعاد الذباب عن وجهها، رافضة أن تتحدث لكاميرا (ارفع صوتك) عن واقعهم لأنها "لا تمتلك الطاقة على الحديث".

نحو ستين خيمة في أراض مفتوحة تحيط بها النفايات ومواد البنايات المهدمة، تأوي عوائل بين أفرادها أطفال في الأشهر أو الأيام الأولى من عمرهم.

يروي سرحان وهو من سكان هذه الخيم أن "معاناة كبيرة يعيشها أطفال بعمر شهر أو أقل بسبب الحر، حيث لا يسمح لنا بسحب الكهرباء رغم وجود الكيبلات المغذية إلا بموافقة من المحافظة، والأخيرة ترفض".

أصل الحكاية يعود إلى ما بعد عام 2003، حيث انتشرت الأحياء العشوائية المعروفة باسم "التجاوزات".

لجأت العوائل المذكورة في القصة إلى منطقة "علوة الرشيد"، وقامت ببناء منازل بسيطة بما كانت تمتلكه من أموال.

واليوم بعد أن هدّمت منازلهم يطالبون بـ"تعويضات مالية، ليبدؤوا بالبحث عن فرص سكن بديلة"، وفقا للشاب سرحان، الذي يضيف "لا تقبل وزارة الهجرة اعتبارهم نازحين وترفض الحكومة صرف التعويضات، بينما يعاني الأطفال من سوء التغذية والحرمان بالإضافة إلى الواقع المزري الذي نعيشه".

ويذكر الشاب أن عائلة متكونة من أربعة أشخاص "احترقوا داخل خيمتهم، مات اثنان والآخران بحالة حرجة"، بينهم طفل عمره (25 يوما) يعيش الآن مع جدته، "يصعب عليه حتى الحصول على الحليب".

ووفقا لسرحان، فإن "مسؤولا في مكتب رئيس الوزراء عادل عبد المهدي زار المخيم، وكذلك وزير الهجرة والمهجرين نوفل بهاء موسى، والنائبة انسجام الغراوي، ووعد جميع الزائرين بحل مشكلة هذه العوائل لكن لم يحصل أي شيء من ذلك حتى الآن"، على حد قوله.

واتصل موقع ارفع صوتك بقيادة عمليات بغداد للاطلاع على تفاصيل قرار الهدم لكن لم نحصل على رد حتى وقت نشر هذا المقال.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك
جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك

ما إن وقعت عينا الستينية أم أيمن على مدفأة "علاء الدين" النفطية في سوق الأنتيكات والتحف في خان المدلل، حتى عاد بها الحنين إلى طفولتها حين كانت تجلس في حضن والدتها عندما يشتد برد الشتاء في بغداد القديمة.

مدفأة "علاء الدين"

سألت بلهفة عن ثمن المدفأة ثم نادت صديقة كانت ترافقها، وبنبرة حنين قالت "تتذكرينها؟" قبل أن تروي حكايات عن والدتها التي غيبها الموت منذ عشرين عاماً، وكيف كانت مدفأة "علاء الدين" رفيقة لها في المطبخ والصالة وحتى في طقوس الاستحمام  خلال طفولتها.

خرجت أم أيمن من محل رضا الساري للأنتيكات دون أن تتمكن من شراء المدفأة. تقول وهي تخرج من المكان: "لم أتصور أن سعر المستعملة يمكن أن يكون أعلى  من الجديدة بكثير".

بائع الأنتيكات في خان المدلل رضا الساري

يتجاوز سعر المدفأة غير المستعملة من مدفأة "علاء الدين" الإنجليزية مليون دينار عراقي (نحو 750 دولاراً)، بحسب الساري.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن سر هذه المدفأة "ارتباطها بوجدان العراقيين، فهي تذكر أجيال الخمسينات والستينات بأمهاتهم، حيث لم يخلُ أي بيت عراقي منها".

ولهذا السبب، "يتصرف الكثير من المتبضعين بعاطفة وحنين للماضي حين يتم عرض أنواع معينة من التحف والأنتيكات في خان المدلل، فهي تذكرنا بزمن كانت العلاقات الاجتماعية فيه أكثر عمقاً وألفة مما هي عليه اليوم"، يضيف الساري.

 

خان المدلل

يتألف خان المدلل من مبني على الطراز البغدادي القديم من طابقين على شكل غرف متقابلة مع حديقة واسعة في الوسط تحولت بمرور الوقت إلى ساحة لعرض البضائع والسلع المختلفة.

ويقع الخان الذي بني قبل أكثر من مئة عام في ساحة الميدان، التي كانت يوماً تمثل قلب بغداد النابض بالحياة والمحرك الرئيس للحياة الثقافية والسياسية.

صوت الغرامافون في إحدى زوايا المبنى يجذب الأذن لأسطوانة تصدح بأغنية لأم كلثوم  تعود إلى الثلاثينات، وبينما يجذب لمعان النحاس النظر تتدلى ثريات الكريستال من سقوف المحال لتعكس ألوان قوس قزح على الجدران.

يروي بائع الأنتيكات الستيني أبو محمد: "بُني الخان قبل أكثر من مائة عام مع بداية بناء الخانات في بغداد لاستقبال المسافرين من خارج العراق وبقية المحافظات، وكانت ملكيته تعود إلى عائلة المدلل التي اكتسب اسمه منها".

بمرور الوقت تحول إلى فندق ومسرح وملتقى ثقافي، وفي الثمانينيات تحولت ملكية الخان إلى أمانة بغداد التي رممته وحولته إلى سوق تجاري، ومع التسعينيات بسبب تراجع الإمكانات المادية إثر الحصار الاقتصادي، أصبح الخان والمنطقة المحيطة مكاناً لبيع وشراء الأثاث القديم حيث تأتي أغلب البضائع منذ ذلك الوقت وحتى الآن من البيوت البغدادية القديمة، بحسب أبو محمد، الذي يعمل في الخان منذ أربعين عاماً.

أما أكثر أيام الأسبوع في العمل فهي أيام الجمعة والسبت حيث يكتظ الخان بالرواد، بعضهم جزء من التقليد الأسبوعي لشارع المتنبي القريب حيث الندوات الثقافية والفنية.

وينقسم رواد خان المدلل، بحسب أبو محمد، إلى الشباب الذين يجذبهم رونق التحف والأنتيكات ولديهم شغف بالماضي، وإلى كبار السن والسائحين الذين يزورون بغداد حيث لعبت مواقع التواصل دوراً في تعريف الزوار من خارج العراق بالسوق وأكسبته شهرة، فصار مقصد الكثير من السياح لشراء مقتنيات وتحف خصوصاً أعمال النحاس العراقية القديمة المصنوعة يدوياً.

جانب من شارع الرشيد في العاصمة العراقية بغداد- ارفع صوتك
"الرشيد".. شارع يروي تاريخ بغداد الاجتماعي والسياسي والفني
متوازياً مع نهر دجلة، وبخط متعرج يمتد شارع الرشيد التراثي، ليحكي تاريخ العاصمة العراقية بغداد منذ أوج ازدهارها في العهد العباسي، وصولاً إلى آخر الولاة العثمانيين الذي شق الطريق لأهداف حربية، ليتحول إلى أيقونة الثورات وواحداً من أهم شوارع المدينة.

روّاد الخان

تأتي الشابة دعاء إلى شارع المتنبي لاقتناء ما تحتاجه من كتب فهي طالبة في كلية الهندسة بجامعة بغداد، وهي حريصة  على المرور بخان المدلل، تقول لـ"ارفع صوتك": "أنا مولعة بالإكسسوارات القديمة والحلي الفضية والأحجار التي يتم عرضها  في محال خان المدلل التي لا يوجد لها شبيه في أي مكان آخر".

على العكس منها، كان الشاب الثلاثيني خلدون وسام، يبحث عن مسدس قديم الطراز وللحظة علت الابتسامة وجهته حين لمح مسدساً شبيهاً بما يحاول اقتناءه، لكنه بعد تفحصه أعاده للبائع لوجود خلل في الزناد كان من شأنه تقليل قيمته.

بداية ولعه بالأنتيكات كما يوضح لـ "ارفع صوتك"، منذ سن السابعة حين بدأ بجمع الطوابع، ثم كبر وصار زبوناً دائماً في خان المدلل، إذ يهوى جمع الأسلحة القديمة.

ويشير خلدون إلى أن أهم مقتنياته التي يفتخر بها "مسدس من الحرب العالمية الأولى".

"أنا مولع بالأسلحة القديمة وتستهويني أسلحة الحرب العالمية الأولى كما أجمع نياشين الحقبة النازية وعملاتها".

ويعتقد أن الأنتيكات عكس كل ما هو استهلاكي، إذ تزيد قيمتها مع الزمن ولا تنقص، ولا يتوقف الطلب عليها أبداً.