سامية خسرو  تشير إلى صور لأفراد الأسرة الذين اختفوا قبل 35 عام ولا يزال مكان وجودهم مجهولًا
سامية خسرو تشير إلى صور لأفراد الأسرة الذين اختفوا قبل 35 عام ولا يزال مكان وجودهم مجهولًا

"هل أنا قلت لرب العالمين أن يخلقني كردية؟ أو أن يكون مسقط رأسي العراق؟ أو شيعية؟ هذا ليس ذنبي، هذا إرث، فهل أعاقب عليه؟"، تقول سامية خسرو (72 عاما) وهي تجلس أمام منضدة خشبية نشرت عليها 26 صورة لأقربائها الذين خرجوا ولم يعودوا قبل أكثر من 35 عاماً.

سامية خسرو تتحدث لوكالة الصحافة الفرنسية

 

ما زالت سامية وهي كردية فيلية (شيعة) تنتظر لغاية اليوم تسلم عظامهم، حتى تستطيع أن تقول "إنهم ماتوا".

فقدت سامية خسرو، التي كانت نائبة في البرلمان في العام 2005، أكثر من مئة مفقود من عائلتها.

كما فقد زوجها سعدون أيضاً أخاً لم يسمع عنه شيئاً مذ كان شاباً، وآخر أجبر على ترك البلاد قبل 45 عاماً خوفاً من المجهول.

وتعتبر أن الذنب الوحيد لهؤلاء أنهم "كانوا ينتمون إلى دين وقومية معينة خلال تلك الحقبة".

وتعرب خسرو عن خوفها من أن تموت القضية مع رحيل جيلها، وتقول في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية، وهي تمسح دموعها "نحن سنرحل. لكن هل ستكون حرقة من يأتون بعدنا كحرقتنا؟ نحن عايشناهم وربيناهم على أيدينا".

 

الخوف من النسيان

هذا الخوف يعززه التباطؤ الحكومي في تناول هذا الملف الذي يمكن التطرق إليه بشكل كبير اليوم في العراق، مع الهدوء النسبي الذي تعيشه البلاد بعد عقود من الحروب والعنف.

يؤيد المحامي والناشط السياسي الفيلي عامر الشوهاني تخوف خسرو، متوقعا غلق ملف المفقودين بعد سنوات.

يقول الشوهاني "الكثير من ذوي المفقودين تركوا البحث عنهم خصوصا الذين يعيشون في الغربة، بل حتى تخلوا عن الأملاك التي تركوها"، موضحا في حديث لموقع (ارفع صوتك) "والسبب، المعرقلات الموجودة في العراق ومسألة النزاعات الملكية التي قد تتجاوز مدة حسم القضية الواحدة العشر سنوات".

وتشير تقديرات حكومية إلى أن أعداد المفقودين بين العامين (1980 و1990)، بلغت نحو 1,3 مليون شخص، بين من أعدم أو فارق الحياة في السجون، وآخرون مغيّبون.

يستبعد الناشط الفيلي العثور على رفات المغيبين الفيليين، مضيفا "معظم المغيبين لن يتم العثور على رفاتهم بسبب طرق تعامل النظام السابق معهم".

ويتابع "كان يستخدم معهم الكيمياوي ويضعهم في الخطوط الأمامية من الجبهة في الحرب مع إيران".

 

جماعة رفحاء ليسوا أفضل منا

يذهب الناشط السياسي والمحامي الفيلي بالموضوع إلى جانب أوسع، يقارن فيه بين ملفي ضحايا الفيليين وجماعة رفحاء.

يوضح "قانون رفحاء مثلا، جماعة تعرضوا للاضطهاد بسبب موقفهم ضد النظام... إلخ، وهذا حدث سنة 1991".

وفي مقارنته يتناول الموضوع من ناحيتين:

- الزمنية، الكرد الفيليون قبل جماعة رفحاء، ما تعرضوا له من إبادة كانت في 1980، بينما جماعة رفحاء 1991.

- الجرمية، الإبادة التي تعرض لها الكرد الفيليين أكبر بكثير وأوسع مما تعرض له جماعة رفحاء، الكرد الفيليون تعرضوا للقتل والسجن ومصادرة الأموال والمستمسكات والمواطنة.

ويتابع الشوهاني "لا نعترض على استحقاقاتهم أبدا ولكننا نقول لماذا الازدواجية في التعامل مع الضحايا"، مضيفا "الأقل من حيث المدة الزمنية وحجم الخسائر يعمل لهم قانون وتمنح لهم امتيازات".

 

مشكلتنا مع الحكومة

وعلى عكس المكونات الأخرى التي تكون مشاكلها مع مكون مسلح أو حزب سياسي أو قومية، تكون الحكومة هي المدافع، فإن "الفيليين مشكلتهم الحقيقية مع الحكومة العراقية"، يقول الشوهاني، مضيفا "يتعاملون مع هذا الملف بطريقة المزايدات والصفقات السياسية بين أحزاب كردستان والمركز".

ويتابع "حتى تعاطف مع ملف الكرد الفيليين لم نلمسه من الحكومة".

 

دائما ندفع الثمن

يعاني الكرد الفيليون من موضوع عدم الاعتراف بهم كمكون ديني أو قومي.

يوضح الناشط الشوهاني "الأكراد يحسبوننا على العرب الشيعة، والعرب يحسبوننا على الأكراد، سياسيا كردستان تحسبنا على بغداد وبغداد تحسبنا على كردستان".

هذا الموضوع يجعل الفيليين "دافعا دائما لثمن أي مشكلة أو خلاف بين العرب والأكراد أو الشيعة والسنة، فالكل يحسبهم على الجانب الثاني".

ويضيف الشوهاني أن الفيليين دائما الطرف الخاسر بالموضوع، لا أحد يعترف بهم أو يستقبلهم لا من الجانب الوطني ولا القومي ولا الديني، ربما لأن الأكراد الفيليين أناس مسالمين لا يمتلكون وسائل ضغط كما هو نفس الملف مع كرد كردستان أو ضحايا المناطق الغربية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لقلعة باشطابيا، المصدر: جريدة الصباح العراقية
صورة أرشيفية لقلعة باشطابيا، المصدر: جريدة الصباح العراقية

توشك مدينة الموصل شمال العراق على فقدان قلعة باشطابيا، أحد أبرز قلاعها التاريخية، التي تواجه خطر الانهيار نتيجة غياب عمليات الترميم وانعكاسات عوامل الطبيعية عليها.

تعد باشطابيا من أشهر القلاع التاريخية في مدينة الموصل، وهي آخر ما تبقى من سور الموصل ومن قلاع المدينة. بنيت في نهاية العصر الأموي وتقع  في الجانب الأيمن على الضفة الغربية لنهر دجلة.

تشير المصادر التاريخية إلى أن القلعة تعرضت منذ بنائها للدمار عدة مرات، منها على يد البويهيين وأثناء الحملة المغولية بقيادة هولاكو وخلال حملة تيمور لنك الأولى لاحتلال العراق، وصمدت أمام حصار نادر شاه ملك إيران عام 1743، الذي لم يتمكن من احتلال الموصل رغم فرضه حصار عليها لعدة أشهر.

تعاني باشطابيا من أضرار عديدة وفق مفتشية الآثار والتراث بمحافظة نينوى، فقد تعرضت أساسات المبنى لأضرار كبيرة، كونها مقامة على طبقة صخرية قابلة للتآكل والذوبان بسبب قربها من نهر دجلة، مع حدوث شرخ كبير في البرج الرئيس للمبنى، الأمر الذي تسبب بانفصاله عن بقية أجزاء القلعة وحصول ميلان فيه باتجاه النهر.

يعتبر المهندس الاستشاري فارس عبد الستار حسين، مستشار مؤسسة تراث الموصل، قلعة باشطابيا معلما مهما من معالم الموصل وهي آخر القلاع التاريخية المتبقية في المدينة بعد زوال القلاع الأخرى، وتمتع بموقع مهم جدا يمكن أن يرتادها السياح أو المختصون بالآثار.

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "لقلعة باشطابيا رمزية خاصة كونها تعتبر قاعة صمود ضد هجوم نادر شاه على الموصل، لكنها تعرضت لأضرار كبيرة جداً على مراحل طويلة، خصوصا برجها، فهو متضرر جدا ويمكن أن ينهار، وهي بحاجة لاهتمام كبير من قبل الحكومة المركزية والمحلية".

ويلفت حسين إلى وجود مشروع أولي لدراسة القلعة وتوثيقها، وإعداد دراسة كاملة عن إمكانية إعادة إعمارها، يحضر له الآن من قبل المحافظة.

ويوضح أن المواقع الأثرية في الموصل منها ما يحتاج إلى إعادة أعمار، وآخر يحتاج إلى صيانة، لغرض إدامتها والحفاظ على الوضعية التي هي عليها.

وكانت آخر عمليات تنقيب وترميم شهدتها القلعة في ستينيات القرن المنصرم، لذلك تعتبر نسبة الأضرار التي تعانيها كبيرة، بحسب معلومات رسمية صادرة عن مفتشية آثار وتراث نينوى.

بدوره، يقول مدير مفتشية الآثار والتراث بمحافظة نينوى رويد موفق إن القلعة مهددة بخطر الانهيار، ما يستدعي القيام بإجراءات عاجلة للحفاظ عليها.

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "أعدت التقارير والدراسات من قبل مفتشية آثار وتراث نينوى، وقد تبنت وزارة الثقافة والسياحة والآثار خطة لترميم القلعة بتمويل مشترك مع محافظة نينوى، ووقع عقد مع اليونسكو للأشراف على أعمال الترميم".

يتابع موفق: "تتكون خطة الترميم من أربعة مراحل عمل، تبدأ بإجراء الفحوص المختبرية للتربة والقاعدة الصخرية، ثم إعداد دراسة مفصلة لترميم القلعة، والمرحلة الثالثة ستكون المباشرة بأعمال الترميم والإسناد، فيما تمثل الأخيرة بتأهيل القلعة سياحياً".

وإلى جانب تأثيرات عوامل المناخ والطبيعة على المواقع الأثرية، تعرضت آثار نينوى للعديد من عمليات التدمير على مدى التاريخ كانت آخرها تدمير تنظيم داعش للمدينة ومعالمها التاريخية والتراثية عقب سيطرته على المحافظة عام 2014.

وشهدت مشاريع إعادة ترميم وتأهيل المواقع الاثرية بعد تحرير المدينة من التنظيم عام 2017 تأخيرا ملحوظا تسبب في تعمق الأضرار التي لحق بها.

يقول موفق، إن تأخر إطلاق بعض مشاريع الترميم في محافظة نينوى يعود لأسباب فنية وإدارية، تتمثل في حاجة كل مشروع إلى إجراء دراسة مفصلة لتقييم الأضرار والقيام بالفحوص المختبرية للتربة والأسس وإعداد خطة تتضمن مراحل العمل والتكاليف ورصد الميزانية.

ويضيف أن التدمير الذي تعرضت له المواقع والمباني الأثرية والتراثية في المحافظة، كان "كبير جداً ويفوق إمكانيات الحكومة العراقية، الأمر الذي استدعى وزارة الثقافة والسياحة والآثار والهيئة العامة للآثار والتراث للقيام بتوقيع عدد من الاتفاقيات المشتركة مع المنظمات الدولية لتمويل مشاريع الترميم في المحافظة".

وتشهد نينوى حالياً عدة مشاريع ترميم للمواقع الأثرية والتاريخية المتضررة منها ترميم كنيسة مار توما للسريان الأرثوذكس، وترميم جامع الرابعية، بينما وصلت مشاريع أخرى إلى مراحلها النهائية مثل مشروع ترميم بيت زيادة الأثري وترميم كنيسة الساعة، ومشاريع أخرى تم الانتهاء منها فعلياً مثل مشروع ترميم بيت سليمان الصائغ ومشروع ترميم الجامع الأموي.