الجامعة المستنصرية، الصورة من مجلة سميثونيان
الجامعة المستنصرية، الصورة من مجلة سميثونيان

نشرت مجلة "سميثونيان" الأميركية، مقالاً عن أهمية المعمار العراقي القديم باعتباره نموذجاً قوياً صمد مئات الأعوام، ممثلاً بالجامعة المستنصرية في بغداد، محذراً من مخاطر عدم ترميمها.

وتقف المستنصرية ذات الجدران السميكة منذ العصر العباسي، في الوقت الذي انهار معظم المباني المماثلة خلال الغزو المتتابع للمدينة. وعندما انقضت على مدى قرون من الاضمحلال كمؤخرة للإمبراطورية العثمانية، تحملت المستنصرية متكيّفة مع كل احتياجات محتليها. ولم يتبق منها سوى 12 مبنى مماثل أو أكثر من تلك الحقبة.

وجاء في المقال: "في نهاية الحرب العالمية الأولى، عندما سيطر البريطانيون على الكثير مما تبقى من بغداد القديمة من أجل تحديث العاصمة. سرعان ما استحوذت بريطانيا على موارد العراق واستحوذت على موقعها الإستراتيجي في طريقها إلى الهند، وسرعان ما اختطفت بعض ممتلكات العثمانيين المهزومين بعد أن ألقوا بثقلهم وراء ألمانيا خلال الحرب".

وفي بغداد بدأ المسؤولون البريطانيون في سلسلة من مشاريع التجديد الحضري لتعزيز حكمهم، لكن ذلك لم يشمل الجامعة - على ما يبدو بسبب موقعها في قطاع ضيق يسهل نسيانه على طول نهر دجلة- وفق ، وفق حسين علي حسين، وهو صاحب متجر في سوق دانيال.

وحسب المقال فإن "المستنصرية قد تصبح بيدقاً آخر في الألعاب الحزبية. وباعتبارها هيكلاً ضعيفاً بحاجة إلى صيانة دورية، فهي رهينة لأولويات سلطات الآثار المزعوم تمويلها وفسادها"، مضيفة "وفي حين تعود بغداد للوقوف على قدميها بعد الهزيمة الإقليمية لداعش، يتساءل المراقبون: هل تستطيع المدرسة استعادة أي شيء من مجدها السابق أو هل ستواصل المدينة والمدينة المحيطة بها، تدهورهما الطويل البطيء؟".

يقول المهندس الحكومي فيصل أحمد عن زيارته للجامعة عام 2014: "كانت الجدران العلوية مملوءة بشظايا سيارة مفخخة من تفجيرات القنابل. تم إحراق الجدران السفلية على طول سد النهر بحرائق القمامة، وهي ممارسة غير شرعية انطلقت وسط الانهيار العام للقانون والنظام بعد غزو القوات الأميركية عام 2003. والأسوأ من ذلك أن الهيكل بأكمله كان عرضة لخطر الانهيار. نحن قلقون بشأن الأسس. وهناك الكثير من الأضرار التي لحقت بالمياه".

وبنيت الجامعة بين الأعوام (1227 و1234) من قبل المستنصر، الخليفة العباسي قبل الأخير في بغداد، وكانت المستنصرية واحدة من أولى الجامعات في العالم. ضمت مكتبتها مصادر هامة في علوم الطب والرياضيات والفقه الإسلامي، وتفاخرت المحاضرات بطلاب من مناطق بعيدة مثل اليمن وسوريا.

وكان ابن بطوطة، الرحّالة المغربي، أخذ ابن بطوطة ، المسافر المغربي الأسطوري، زار الجامعة عام 1327، وكتب: "يأخذ المعلم مكانه تحت مظلة خشبية صغيرة، على كرسي مغطى بالسجاد، يجلس في موقف خطير وهادئ، يرتدي أردية سوداء وعمامة، ومع اثنين من المساعدين على يمينه ويساره، يعيدان كل ما يمليه".

وفي الثلاثينيات من القرن الماضي، كان الوضع في حالة سيئة للغاية. وفق توثيق عالمة الآثار الراحلة لمياء الجيلاني، وقالت إن أعمال الترميم "بدأت عام 1944، وبحلول منتصف الخمسينيات ، كان جزء كبير منه مكتملاً".

وأضافت، حسبما أورد كاتب المقال "كطلاب من كلية الآثار، كان لدينا محاضرات هناك. كان الجو رائعاً. ولكن بسبب الفساد وقطع الزوايا، تم تدمير هذا العمل. مثل بغداد، سمحنا لها بالتعفن. مخجل جداً".

في عام 2013، رُشحت بغداد عاصمة للثقافة العربية، وكان المسؤولون حريصين على تطوير معالمها السياحية. شملت تجديد فرشة المدرسة، وهي الطوب الرملي من مدينة كربلاء التي ظهر بها المبنى في الأصل، وأصلحوا بعض النقوش ، وأجزاء من الجدران التالفة، لكن أنابيب المياه البديلة المتسربة تسببت في أضرار جسيمة للجدار الشمالي، حسب المقال.

لكن حظ المدرسة سرعان ما اتخذ منعطفاً نحو الأسوأ. فبصعود داعش من الغرب والشمال صيف عام 2014، ما تسبب بهرب الأجانب في جميع أنحاء البلاد، علماً بأن  العراق يفتقر إلى المتخصصين في التدريب على الحفظ والترميم.

ومن تداعيات ذلك، تشديد ميزانية الدولة وارتفاع النفقات العسكرية مع الانخفاض السريع في أسعار النفط العالمية. هذا المزيج سحق الإنفاق الاستثماري لمعظم الوزارات. ولا تزال وزارة الثقافة التي استوعبت وزارة السياحة والآثار عام 2015 تعاني من ضائقة مالية، ولديها واحدة من أصغر الميزانيات الوزارية، وكلها تقريباً تذهب إلى الرواتب والمعاشات التقاعدية لموظفيها المدنيين الذين يبلغ عددهم حوالي 14000 موظف، وهو ربما أكثر من عشرة أضعاف ما تحتاجه الوزارة لأداء واجباتها المحدودة، وفق مراقبين.

تضيف المجلة "اليوم، تم إغلاق المستنصرية إلى حد كبير. وأغلقت البوابات أو تشغيلها بواسطة حراس يتمتعون بالملل مع تعليمات بعدم قبول أي شخص. ولكن هناك سبب للاعتقاد بأن الأوقات الأكثر سعادة قد تكون في الأفق. أعيد فتح القصر العباسي الوحيد في المدينة، الذي كان خارج الحدود بالنسبة لمعظم الزوار لسنوات لأنه يحيط بوزارة الدفاع المحصنة بشدة". 

 ولا تزال التحديات هائلة بالنسبة لكل من المستنصرية وبغداد. لكن بعد أن النجاة من أوقات أسوأ، يبدو أنهما في وضع جيد لإنهاء كل ما قد يرميه المستقبل عليهم.

وختم المقال بقول عالمة الآثار لمياء الجيلاني إن "المستنصرية أحد المعالم الأثرية في واحدة من أهم الفترات في المدينة، من المهم بالنسبة لنا أن تكون محمية. وما الذي تعنيه بغداد إذا فقدت كل هذا التاريخ؟".

مواضيع ذات صلة:

العراق

هذا هو داعش .. حقيقة التنظيم يكشفها قرداش ج5

علي قيس
05 يونيو 2020

في أحد السجون العراقية المشددة الحراسة، يحاور الخبير بشؤون الجماعات المسلحة هشام الهاشمي، القيادي في تنظيم داعش طه عبد الرحيم الغساني، المعروف باسم "حجي ناصر قرداش"، والذي اعتقله جهاز المخابرات العراقي بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية داخل سوريا.

كشف قرداش تفاصيل كثيرة عن حقيقة التنظيم، نتناولها في سياق سلسلة مقالات عن حقيقة داعش التي لم يكشف عنها لليوم.

يساهم فيها الهاشمي الذي خصّ (ارفع صوتك) بتفاصيل الحوار.

مؤسسة داعش الإعلامية

حقق داعش في عام 2014 نوعا ما نجاحا في نشر الخوف من قوة تمدده عالميا، لكن على مستوى العراق كان حجم الخوف أكثر خصوصا في المناطق المحادية لمناطق سيطرته في محافظات صلاح الدين وكركوك والعاصمة بغداد وكربلاء وديالى.

وعن المؤسسة الإعلامية للتنظيم وبرنامجها يروي قرداش:

الإعلام كان سلاحنا الأهم وسلاح الجو للتحالف هو من هزمنا.

كادت العمليات المتوالية لتنظيم الدولة أن تسيطر على نحو 50٪ من سورية و42٪ من العراق، غالب العمليات العسكرية مهد لها الظهور الإعلامي المتكرر لقيادات التنظيم، وجعل منهم قوة مثيرة للإعجاب، وعاملا مهما في خلق التأثر بمنهج التنظيم، والتعاطف مع الخلافة وكسر الحدود وأرض التمكين، وزيادة قدرتنا في تجنيد العناصر والتنظيمات الحليفـة في سورية، خاصة بعـد انتهاج تنظيم الدولة استراتيجية إعلامية متطورة، أكثر تكلفة، وأكثر احترافا وسرعة في النشر والتداول.

استراتيجيتنا تقوم على استخدام أسلوب "الجهاد الإلكتروني"، والاستفادة من إمكانيات شبكة المعلومات الدولية في التواصل والتنسيق مع فئة الأنصار الحليفة، حيث توجه الأوامر إليها بشكل مركزي بيد أبو محمد فرقان.

ولعل ذلك هو ما يفسر إعلان العديد من هذه الحركات الإرتباط بتنظيم الدولة فكريا وتنظيميا، ومن ذلك جزء كبير من الجماعة الجهادية في أفغانستان وشرق آسيا وغرب ووسط أفريقيا، وجماعة بوكو حرام، وأنصار بيت المقدس.

أبو محمد فرقان وأبو محمد العدناني؛ انعكس اهتمامهما بالإعلام على الهيكل التنظيمي للخلافة، وآليات عملها.

في الإطار العقائدي، تأثر ديوان الإعلام المركزي بكتابات أبو محمد المقدسي ومحاضرات أبو علاء العفري وأرشيف الزرقاوي، بأن "الحل بفرض قوة السلاح في العالمين العربي والإسلامي".

كما أنه اعتمد في مرجعيته المنهجية على عدد من المصادر، أهمها:

كتب أبي الأعلى المودودي، وسيد قطب، بالإضافة إلى تفسيرات متشددة لفتاوى بعض شيوخ الصحوة في الحجاز.

كما أن أبو همام الأثري والعدناني وفرقان غالبا ما يصفون الخطاب الديني التقليدي والصوفي والإخواني والسلفي في العالم الإسلامي بالمرجئة ومجافاة الواقع والتواطؤ مع الحكام.

وينظر أبو محمد فرقان ومعه العدناني إلى تنظيم الدولة على أنهم الطائفة المنصورة، أو الفرقة الناجية، بينما التنظيمات والحكومات في الـدول ذات الغالبية الإسلامية يمثلون الفئة الباغية، أو الطائفة المهزومة.

يروي قرداش أن أبي بكر البغدادي عام 2017 بعد هزيمة تنظيم الدولة (داعش) في العراق، قال له إن تحقيق منهج التنظيم قتال واستنزاف العدو أهم من نيل النصر، وتأكيـد منهج التنظيم لا يمكن أن يحدثا إلا من خلال استمرار العمليات والمواجهة، وتنفيذ العديد من عمليات الأحادية والجماعية في أوروبا، واصفا مخالفيه في المنهج من الجماعات الجهادية بأنهم يعتنقون عقائد المرجئة.

كل الفصائل الجهادية المسلحة في العراق وسورية وأفغانستان وغرب أفريقيا وسيناء، تعامل معاملة الصحوات فهي بين الردة والكفر الأصلي، عدا تنظيم حراس الدين وجماعة أنصار الفرقان، هكذا هي التعليمات التي جاءت من البغدادي.

يعامل الإعلامي والصحفي في أرض الخلافة معاملة جاسوس، هذا الذي أفتى به أبو الهمام الأثري.

ومن أفتى بحرق الكساسبة أبو محمد فرقان وأبو لقمان الكويتي مسؤول أمن التنظيم.

وأراد أبو محمد المقدسي حاول من خلال أبو يعقوب المقدسي (مسؤول أمنى في تنظيم الدولة) أن يعقد صفقة مع المخابرات الأردنية مقابل إطلاق سراح سجناء التنظيم، لكن أبو محمد فرقان رفض تلك الصفقة.
 

علي قيس