كان يمكن وجود محاولة ثالثة، لكن حميد قرر بعد نجاته من الانتحار في المرة الثانية أن يعود للحياة الحقيقية، بمعالمها وتفاصيلها، بالمواجهة لا الهروب.
يقول حميد "بعد الثانية أردت أن أرمم الشيء الذي انهدم".
وحميد هو اسم مستعار، لشاب عراقي (24 عاماً)، حاول الانتحار مرتين قبل خمس سنوات، الأولى بتناول سم الفئران والثانية بتناول السم وتراب ملوّث التقطه من الشارع.
وفي الحالتين فقد حميد الوعي، أولاً أخذته عائلته للمستشفى وعولج بغسيل معدة، وثانياً، يقول عنها "الأشد والأصعب" أنقذه جيران أقاربه الذين أقام معهم وأخذوه للمستشفى.
يروي قصّته لـ"ارفع صوتك" منذ المحاولة الأولى حتى اليوم.
اليوم، يعمل حميد متطوعاً مع منظمة أهلية، بعد حصوله على شهادة جامعية في اللغة الإنجليزية، وكانت حلمه منذ البداية، قبل أن يحاول الانتحار في مرحلة السادس الإعدادي.
ورأى حميد في فشل انتحاره مرتين، فرصة جديدة من الحياة ليعيشها بطريقة أفضل، وهو ما قرّره، مستشهداً بشعر محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".
وفي الاتصال معه، كان الحوار متقطعاً، لم يسعفنا "فايبر" أو "واتس آب" في المهاتفة، ليسرد لي حميد قصته عبر "فويس نوتس" متواصلة، بدا فيها صوته هادئاً، واثقاً من مرحلة جديدة دخلها، وأخرى تخلّى عنها، يصفها بالـ"تجربة" التي استفاد منها.
واحدة فقط من الرسائل الصوتية، وشت بحزن عميق، حين صمتَ ثوانٍ قبل أن يواصل وصف مشاعره عند قراءة الأخبار التي تعلن حالة انتحار جديدة في العراق أو زيادة عدد الحالات بين عام وآخر.
وعن أول أسبوع بعد الانتحار الثاني، يقول حميد "جلست مع نفسي مطولاً، لأخرج بخطتين A و B، حتى إذا ما فشلت واحدة أحاول في الأخرى".
الأولى كانت أن يرسل لأهله أشخاصاً تعرّف إليهم في منظمة تعنى بقضايا الانتحار في منطقته، كوساطة للحل. لأي مشكلة؟ صحيح؛ لم أذكرها!
المشكلة كانت بين حميد وعائلته، إذ رفضوا استمراره في علاقة حب لا تناسبهم، فهم أرادوا تزويجه على الطريقة التقليدية، كما خلقوا ضغوطاً نفسية تتعلق بتحصيله العلمي، ورفضوا أن يكون متفوقاً وحسب، بل أن يحوز على مجموع في الثانوية أكبر من أترابه في العائلة، بحيث يؤهله لدخول كليّة الطب، لا شيء آخر.
يقول حميد "أردت دراسة اللغة الإنجليزية، هي شغفي. عائلتي أرادت أن تتفاخر بي أمام الناس بابنهم في كليّة الطب، هذا همّهم فقط".
هذه الضغوطات لم تتوقف بعد محاولة الانتحار الأولى، واستمرت شهرين، وهي المسافة بين محاولتي الانتحار. يقول حميد "أهلي نظروا للأمر باعتباره طيش شباب أو محاولة لجذب الانتباه لا مشكلة حقيقية أمرّ بها، حتى بعد محاولتي الثانية بقي الأمر كذلك بالنسبة لهم".
ويضيف "بين الأولى والثانية، امتلكت نظرة سوداوية للحياة، قلق وتوتر مستمر، قاومت كثيراً، حاولت إيجاد حل، حتى أنني انتقلت للعيش مع أقارب لي، فتبعوني هناك وكررّوا ضغطهم ولومهم لي. الظروف عبرت حدود المقاومة، فاستسلمت، وجبنتُ عن المواجهة، وقررت أن أنتحر ثانية".
الخطة A لم تأت بنتائج مرضية لحميد، لينفذ الخطة B، وهي مواجهة الأهل بنفسه، وإخبارهم بكل أفكاره.
ويبدو أن حميد عرف أنه ليواصل حياته لا يستطيع البناء على شيء غير محسوم، فالاستمرار معه، يعني جرحاً مفتوحاً تم التغاضي عنه بدل مداواته.
ويعتقد حميد أن تجربته الثانية في الحوار مع أهله أفضل من سابقاتها، لأنه كان يترك المكان "هارباً حين يحتدم النقاش"، وهذه المرة اختار أن يبقى، وأيضاً أن يتنازل.
يقول "دام النقاش نحو ثلاث ساعات. وضعوا شروطهم، واحد من إخوتي دعمني فقط، وانتهى النقاش بقبولهم بجزء مما أريد وأكثر ما أرادوه كان. أخبرتهم أنّني لن أتزوّج بالفتاة التي أحبها".
ها أنت درست اللغة الإنجليزية، أحد أحلامك تحقق، أليس كذلك؟ صحيح، يقول حميد.
ماذا عن الأيام التي تلت إنهاء مشكلته مع عائلته؟ يقول حميد إن ممثلّ المنظمة التي ذكرها سابقاً وتُتابع قضايا الانتحار، وصل إليه بطريقة ما، وحاول تقديم الدعم النفسي له، ثم جعله يتواصل مع أخصائيين نفسيين وباحثين عبر جلسات ثنائية بينه وبين كل واحد، ليساعدوه في التخلص من أي ميول انتحارية.
وعلى المستوى الشخصي، بدأ حميد بالعودة لما يحب القيام به، وكانت أقرب هواياته لنفسه، مطالعة الكتب من روايات ودراسات في علم الاجتماع وعلم النفس ومجالات أخرى.
ويرى أن المنتحر سيخسر بالضرورة رؤية الجانب الحلو من الحياة، الذي غفل عنه.
يقول حميد "من أشوف أو أسمع عن شاب انتحر أنتحر ويّاه داخلياً. كتبت لي فرصة في الحياة، وأريد أن أعيشها، ربما لم تُكتب لغيري لأنه استخدم أداة أقوى وكان قدره الموت، لكن لأولئك الذين حاولوا أو يفكرون بالانتحار، أنا عشت هذا الشيء، لذا أعرف تماماً مشاعركم، التفتوا حولكم، حتماً ستجدون شيئاً يستحق العيش، أنتم نفسكم طاقة كبيرة وحياة كاملة ومجتمع كامل قد ينشأ باستمراركم في الحياة، لا نريد خسارتكم".
وبالاطلاع على تجارب مماثلة، نجد عبر الموقع الأميركي "خيط النجاة الوطني لمنع الانتحار" مجموعة من قصص الناجين، والحياة التي يعيشونها اليوم، بعد تخلّصهم من الأفكار أو الميول الانتحاريّة.
وفي مجلة "علم النفس اليوم" الأميركية، نشر الطبيب النفسي والكاتب البريطاني نيل بيرتون مقالاً بعنوان "محاربة الأفكار الانتحارية" أوائل العام الجاري.
وأكد في مقاله أن "خطر الانتحار أعلى في وجود عوامل ثلاثة، هي: الأفكار الانتحارية، ووسائل الانتحار، وفرصة الانتحار".
وبناء عليه، قال إن طرق النجاة تبدأ بالتخلّص من هذه العوامل، ووسائل أخرى نذكرها في نقاط:
1- ضع قائمة بكل الأشياء الإيجابية عن نفسك وقائمة بجميع الأشياء الإيجابية عن حياتك، بما في ذلك الأشياء التي منعتك حتى الآن من الانتحار. احتفظ بالقوائم واقرأها على نفسك في كل مرة تتعرض لهجوم الأفكار الانتحارية.
2- على ورقة منفصلة، اكتب خطة أمان للأوقات التي تشعر فيها بالتصرف بناءً على أفكارك الانتحارية. قد تتضمن خطتك تأخير أي محاولة انتحارية لمدة 48 ساعة على الأقل، ثم التحدث إلى شخص ما حول أفكارك ومشاعرك في أسرع وقت ممكن.
3- ناقش خطة سلامتك مع أخصائي رعاية صحية وألزم نفسك بها. في بعض الأحيان، قد يؤدي النوم الجيد ليلاً إلى تغيير نظرتك إلى حد كبير، ومن المهم عدم التقليل من أهمية النوم. ولو كنت تعاني الأرق، استشر طبيباً.
4- استخدم أي طريقة لصرف تفكيرك بالانتحار، مثل قراءة الكتب والاستماع للموسيقى أو مشاهد أفلام كوميدية.
ويضيف الدكتور بيرتون "من المهم أن تعالج سبب أو أسباب أفكارك الانتحارية إلى أقصى حد ممكن، على سبيل المثال، اضطراب عقلي مثل الاكتئاب أو إدمان الكحول، أو موقف حياة صعب، أو ذكريات مؤلمة. ناقش هذا الأمر مع طبيبك أو أخصائي رعاية صحية آخر، وهو سيعينك في تحديد أنسب أشكال المساعدة المتاحة".
