لحظة من السعادة/ مصدر الصورة: pixabay.com
لحظة من السعادة/ مصدر الصورة: pixabay.com

كان يمكن وجود محاولة ثالثة، لكن حميد قرر بعد نجاته من الانتحار في المرة الثانية أن يعود للحياة الحقيقية، بمعالمها وتفاصيلها، بالمواجهة لا الهروب.

يقول حميد "بعد الثانية أردت أن أرمم الشيء الذي انهدم".

وحميد هو اسم مستعار، لشاب عراقي (24 عاماً)، حاول الانتحار مرتين قبل خمس سنوات، الأولى بتناول سم الفئران والثانية بتناول السم وتراب ملوّث التقطه من الشارع.

وفي الحالتين فقد حميد الوعي، أولاً أخذته عائلته للمستشفى وعولج بغسيل معدة، وثانياً، يقول عنها "الأشد والأصعب" أنقذه جيران أقاربه الذين أقام معهم وأخذوه للمستشفى.

يروي قصّته لـ"ارفع صوتك" منذ المحاولة الأولى حتى اليوم.

اليوم، يعمل حميد متطوعاً مع منظمة أهلية، بعد حصوله على شهادة جامعية في اللغة الإنجليزية، وكانت حلمه منذ البداية، قبل أن يحاول الانتحار في مرحلة السادس الإعدادي.

ورأى حميد في فشل انتحاره مرتين، فرصة جديدة من الحياة ليعيشها بطريقة أفضل، وهو ما قرّره، مستشهداً بشعر محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

وفي الاتصال معه، كان الحوار متقطعاً، لم يسعفنا "فايبر" أو "واتس آب" في المهاتفة، ليسرد لي حميد قصته عبر "فويس نوتس" متواصلة، بدا فيها صوته هادئاً، واثقاً من مرحلة جديدة دخلها، وأخرى تخلّى عنها، يصفها بالـ"تجربة" التي استفاد منها.

واحدة فقط من الرسائل الصوتية، وشت بحزن عميق، حين صمتَ ثوانٍ قبل أن يواصل وصف مشاعره عند قراءة الأخبار التي تعلن حالة انتحار جديدة في العراق أو زيادة عدد الحالات بين عام وآخر.

وعن أول أسبوع بعد الانتحار الثاني، يقول حميد "جلست مع نفسي مطولاً، لأخرج بخطتين A و B، حتى إذا ما فشلت واحدة أحاول في الأخرى".

الأولى كانت أن يرسل لأهله أشخاصاً تعرّف إليهم في منظمة تعنى بقضايا الانتحار في منطقته، كوساطة للحل. لأي مشكلة؟ صحيح؛ لم أذكرها!

المشكلة كانت بين حميد وعائلته، إذ رفضوا استمراره في علاقة حب لا تناسبهم، فهم أرادوا تزويجه على الطريقة التقليدية، كما خلقوا ضغوطاً نفسية تتعلق بتحصيله العلمي، ورفضوا أن يكون متفوقاً وحسب، بل أن يحوز على مجموع في الثانوية أكبر من أترابه في العائلة، بحيث يؤهله لدخول كليّة الطب، لا شيء آخر. 

يقول حميد "أردت دراسة اللغة الإنجليزية، هي شغفي. عائلتي أرادت أن تتفاخر بي أمام الناس بابنهم في كليّة الطب، هذا همّهم فقط".

هذه الضغوطات لم تتوقف بعد محاولة الانتحار الأولى، واستمرت شهرين، وهي المسافة بين محاولتي الانتحار. يقول حميد "أهلي نظروا للأمر باعتباره طيش شباب أو محاولة لجذب الانتباه لا مشكلة حقيقية أمرّ بها، حتى بعد محاولتي الثانية بقي الأمر كذلك بالنسبة لهم".

ويضيف "بين الأولى والثانية، امتلكت نظرة سوداوية للحياة، قلق وتوتر مستمر، قاومت كثيراً، حاولت إيجاد حل، حتى أنني انتقلت للعيش مع أقارب لي، فتبعوني هناك وكررّوا ضغطهم ولومهم لي. الظروف عبرت حدود المقاومة، فاستسلمت، وجبنتُ عن المواجهة، وقررت أن أنتحر ثانية".

الخطة A لم تأت بنتائج مرضية لحميد، لينفذ الخطة B، وهي مواجهة الأهل بنفسه، وإخبارهم بكل أفكاره. 

ويبدو أن حميد عرف أنه ليواصل حياته لا يستطيع البناء على شيء غير محسوم، فالاستمرار معه، يعني جرحاً مفتوحاً تم التغاضي عنه بدل مداواته. 

ويعتقد حميد أن تجربته الثانية في الحوار مع أهله أفضل من سابقاتها، لأنه كان يترك المكان "هارباً حين يحتدم النقاش"، وهذه المرة اختار أن يبقى، وأيضاً أن يتنازل.

يقول "دام النقاش نحو ثلاث ساعات. وضعوا شروطهم، واحد من إخوتي دعمني فقط، وانتهى النقاش بقبولهم بجزء مما أريد وأكثر ما أرادوه كان. أخبرتهم أنّني لن أتزوّج بالفتاة التي أحبها".

ها أنت درست اللغة الإنجليزية، أحد أحلامك تحقق، أليس كذلك؟ صحيح، يقول حميد.

ماذا عن الأيام التي تلت إنهاء مشكلته مع عائلته؟ يقول حميد إن ممثلّ المنظمة التي ذكرها سابقاً وتُتابع قضايا الانتحار، وصل إليه بطريقة ما، وحاول تقديم الدعم النفسي له، ثم جعله يتواصل مع أخصائيين نفسيين وباحثين عبر جلسات ثنائية بينه وبين كل واحد، ليساعدوه في التخلص من أي ميول انتحارية.

وعلى المستوى الشخصي، بدأ حميد بالعودة لما يحب القيام به، وكانت أقرب هواياته لنفسه، مطالعة الكتب من روايات ودراسات في علم الاجتماع وعلم النفس ومجالات أخرى. 

ويرى أن المنتحر سيخسر بالضرورة رؤية الجانب الحلو من الحياة، الذي غفل عنه.

يقول حميد "من أشوف أو أسمع عن شاب انتحر أنتحر ويّاه داخلياً. كتبت لي فرصة في الحياة، وأريد أن أعيشها، ربما لم تُكتب لغيري لأنه استخدم أداة أقوى وكان قدره الموت، لكن لأولئك الذين حاولوا أو يفكرون بالانتحار، أنا عشت هذا الشيء، لذا أعرف تماماً مشاعركم، التفتوا حولكم، حتماً ستجدون شيئاً يستحق العيش، أنتم نفسكم طاقة كبيرة وحياة كاملة ومجتمع كامل قد ينشأ باستمراركم في الحياة، لا نريد خسارتكم".

وبالاطلاع على تجارب مماثلة، نجد عبر الموقع الأميركي "خيط النجاة الوطني لمنع الانتحار" مجموعة من قصص الناجين، والحياة التي يعيشونها اليوم، بعد تخلّصهم من الأفكار أو الميول الانتحاريّة. 

وفي مجلة "علم النفس اليوم" الأميركية، نشر الطبيب النفسي والكاتب البريطاني نيل بيرتون مقالاً بعنوان "محاربة الأفكار الانتحارية" أوائل العام الجاري.

وأكد في مقاله أن "خطر الانتحار أعلى في وجود عوامل ثلاثة، هي: الأفكار الانتحارية، ووسائل الانتحار، وفرصة الانتحار".

وبناء عليه، قال إن طرق النجاة تبدأ بالتخلّص من هذه العوامل، ووسائل أخرى نذكرها في نقاط:

1- ضع قائمة بكل الأشياء الإيجابية عن نفسك وقائمة بجميع الأشياء الإيجابية عن حياتك، بما في ذلك الأشياء التي منعتك حتى الآن من الانتحار. احتفظ بالقوائم واقرأها على نفسك في كل مرة تتعرض لهجوم الأفكار الانتحارية.

2- على ورقة منفصلة، اكتب خطة أمان للأوقات التي تشعر فيها بالتصرف بناءً على أفكارك الانتحارية. قد تتضمن خطتك تأخير أي محاولة انتحارية لمدة 48 ساعة على الأقل، ثم التحدث إلى شخص ما حول أفكارك ومشاعرك في أسرع وقت ممكن.

3- ناقش خطة سلامتك مع أخصائي رعاية صحية وألزم نفسك بها. في بعض الأحيان، قد يؤدي النوم الجيد ليلاً إلى تغيير نظرتك إلى حد كبير، ومن المهم عدم التقليل من أهمية النوم. ولو كنت تعاني الأرق، استشر طبيباً.

4- استخدم أي طريقة لصرف تفكيرك بالانتحار، مثل قراءة الكتب والاستماع للموسيقى أو مشاهد أفلام كوميدية.

ويضيف الدكتور بيرتون "من المهم أن تعالج سبب أو أسباب أفكارك الانتحارية إلى أقصى حد ممكن، على سبيل المثال، اضطراب عقلي مثل الاكتئاب أو إدمان الكحول، أو موقف حياة صعب، أو ذكريات مؤلمة. ناقش هذا الأمر مع طبيبك أو أخصائي رعاية صحية آخر، وهو سيعينك في تحديد أنسب أشكال المساعدة المتاحة". 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.