صورة أرشيفية/ المصدر: بيكسابي
صورة أرشيفية/ المصدر: بيكسابي

مع استمرار النزاعات والحروب في المنطقة العربية، ترتفع أعداد الذين يعانون مشكلات نفسية وتتضاعف معاناتهم يوما بعد يوم في ظل غياب الوعي بالصحة النفسية لتورث جيلا مشوها نفسيا وفكريا.

وتعتمد الأمم المتحدة منذ عام 1992 يوم 10 تشرين الأول/أكتوبر يوما دوليا للصحة النفسية كفرصة لإذكاء الوعي بقضايا الصحة النفسية والعقلية وتأثيراتها وتعزيز سبل رعايتها بخدمات ووسائل متكاملة في المجتمعات.

وحُدد "منع الانتحار" كموضوع رئيسي لهذا العام، إذ تشير المنظمة الدولية إلى أن نحو 800 ألف شخص ينتحرون سنوياً، إلى جانب عدد أكبر كثيراً من الأشخاص الذين يحاولون الانتحار.

وقالت منظمة الصحة العالمية في تقريرها لهذا العام، إن العالم يشهد انتحار شخص كل 40 ثانية.

وتتصدر الدول العربية العالم في نسبة الاكتئاب، مع تفاقم العنف فيها وغياب الاستقرار، تقول منظمة الصحة العالمية.

ولا تكتمل الصحة العامة دون الصحة النفسية، التي تتأثر بالعوامل الاجتماعية، والاقتصادية، والبيولوجية، والبيئية، والحروب والكوارث.

"انتحر شنقاً"

في  4 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، أقدم الشاب اليمني نذير راشد على الانتحار شنقاً بسبب الأوضاع السيئة التي يقاسيها.

"قبل انتحاره كان يشكو لأقاربه معاناته من قلق وضيق في صدره، وكان يرى أن الحياة لا تستحق أن تُعاش.. تدهورت حالته وصار يحدث نفسه ولا يختلط بالآخرين"، يقول أحد أقارب نذير.

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "انتحاره سبب لنا صدمة كبيرة وخلف مأساة لأسرته وأقاربه ومحيطه.. لم نكن نتوقع أنه سيقدم على الانتحار فقد كان ملتزماً دينياً ويتمتع بأخلاق حسنة".

ولم يتلق نذير أي دعم نفسي منذ اكتشاف تدهور وضعه النفسي، خصوصاً في آخر خمسة شهور، وهو الأمر الذي يشترك به مع كثيرين يتحرجون هم وأقاربهم من ذلك خشية نظرة المجتمع السلبية نحوهم.

"ليست أولوية"

خلصت دراسة أعدتها مؤسسة التنمية والإرشاد الأسري، إلى أن 195 شخصاً من كل ألف يمني يعانون من ضغوط واضطرابات نفسية حادة.

الدراسة التي أعلنت نتائجها في اجتماع لمناصرة قضايا الاستجابة النفسية للمتضررين من الحرب في اليمن، نهاية تموز/يوليو 2017 بصنعاء، قدرت وجود حوالي 5.45 مليون شخص بحاجة ماسة لرعاية صحية نفسية متخصصة عاجلة.

وحذرت من أن هذه النسبة تفوق المعدلات الطبيعية بأضعاف وتنذر بكارثة، لكن مسؤولا في وزارة الصحة اليمنية أوضح أن "الصحة النفسية ليست أولوية في اليمن".

وتفتقر اليمن إلى مستشفيات نفسية حكومية، باستثناء مستشفى الأمل للطب النفسي في صنعاء، الذي يدار بالشراكة مع القطاع الخاص، بالإضافة إلى ثلاثة مصحات نفسية مهملة في محافظات الحديدة وعدن وتعز (جنوبي وغرب اليمن).

ولا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في اليمن 50 طبيباً، بمعدل طبيب واحد لنصف مليون مواطن على الأقل.

يقول استشاري علم النفس العيادي والعلاج النفسي الدكتور علي حسن لـ"ارفع صوتك" إن "الصحة النفسية متضررة لدى كثير من الفئات وبالذات الفئات الضعيفة كالأطفال بسبب الحرب القائمة في اليمن".

وأضاف "لا توجد إحصائيات وطنية واضحة لكن نتوقع أن ما بين 300 ألف إلى 400 ألف مريض يعانون من كرب ما بعد الصدمة، ويشكل المصابون بالكرب والصدمة ما نسبته 30% من السكان، وقد تتجاوز الحالات العقلية أو الذهنية نسبة 5% من إجمالي السكان".

ويؤكد حسن "نحن أمام واقع مخيف جدا... من الصعوبة مواجهة هذه المشكلة ما لم توجد دراسة وطنية تشخص بدقة الوضع الراهن وحجم انتشار المرض".

العراق

يرى اختصاصي علم النفس الدكتور أحمد وعدالله أن المتغيرات والحروب التي شهدها العراق "خلفت انعكاسات واضطرابات سلوكية وأمراضاً نفسية كثيرة منها الخوف من أصوات القنابل والسيارات المفخخة وما شابه ذلك".

وقال لـ"ارفع صوتك" إن "المواطن العراقي يعاني من كثير من الأمراض النفسية التي تحتاج إلى تقديم دعم نفسي واجتماعي لإعادة البنية النفسية بشكل عام للمجتمع الذي يعاني انتشار اضطرابات ما بعد الصدمة والوساوس القهرية بشكل كبير".

وقدّر وعدالله أن نسبة كبيرة جداً من أفراد المجتمع تعرضت لاضطرابات ما بعد الصدمة خصوصا بعد تحرير مناطق واسعة شمالي العراق من تنظيم داعش عام 2017.

وأشار إلى أن الصحة النفسية "ليست ذات أولوية في العراق بدليل اتجاه الظروف نحو الأسوأ وانتشار الأمراض النفسية بشكل عام".

سوريا

تسببت سنوات الأزمة في سوريا بأضرار جسيمة على المستوى النفسي للسوريين في كل مكان؛ إذ فقد الآلاف منازلهم أو اقربائهم أو اضطروا لمغادرة مدنهم، فيما يتعايش عشرات الآلاف مع المعارك والغارات والقصف المستمر.

والأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب والأشكال الأخرى من الأمراض النفسية، ومثلهم اللاجئون أيضا.

وتشير بيانات متداولة إلى أن نصف الأطفال السوريين يعانون أعراض الصدمة، ويعاني ربعهم مصاعب تتعلق بالتطور والمعرفة، ما يعرّضهم للإصابة بالاكتئاب والقلق والاضطرابات السلوكية.

وحرم غالبية الأطفال اللاجئين من التعليم المدرسي في البلدان المستضيفة لهم، وحتى الملتحقين بالمدارس يحصلون على علامات متدنية نتيجة تعرضهم السابق لرضوض نفسية.

وفي دراسة أجريت على 492 طالباً وطالبة (8 سنوات و15 سنة) في دمشق واللاذقية، كان 50.2% من أفراد العينة نازحون، 32.1% منهم مروا بتجارب سلبية.

وأظهرت النتائج وجود اضطراب نفسي محتمل لدى 60.5% من العينة وكانت متلازمة الصدمة هي الاضطراب الأكثر شيوعاً بنسبة 35.1% يليها الاكتئاب بنسبة 32% والقلق بنسبة 29.5%.

وتقول الناشطة السورية في المجال الإنساني والإغاثي نسرين خليل إن "السلاح ومفرزاته من صور ومشاهد قاسية، هي الأشد تأثيراً في النفس، خصوصا بالنسبة للأطفال الذين تبدو عليهم معالم الخوف والقلق من الموت أو الانفصال والخسارة".

وأكدت أن الرسم يعبر بقوة عما يجري داخل عقول الأطفال.

وأظهرت صور رسمها أطفال سوريون حجم تأثير الحرب عليهم؛ إذ بيَّنت دبابات وجنوداً، وغيرها من مظاهر الأسى الذي لم ينسوه.

وانخفض عدد الأطباء النفسيين في سوريا من 100 طبيب في كل أنحاء البلاد بداية الأزمة إلى أقل من 60 طبيبا حتى عام 2015، كما تفتقر البلد لكادر تمريض متخصص وكاف في مجال الصحة النفسية.

هل من حلول؟

بحسب خبراء نفسيين فإن من طرق علاج الحالات النفسية: العلاج باللعب، والرسم، أو برواية الحكايات خاصة بالنسبة للأطفال ضحايا الحروب، وإعطاؤهم مساحةً أكبر من الوقت للتحدث معهم، وجعلهم يشعرون بالقرب منهم والحب وبالأمان وتوفير الحماية وإعادة دمجهم في المجتمع.

وبشكل عام فإن الأكثر أهمية هو تكثيف التوعية بأهمية الرعاية النفسية للجميع، وإعطائها أولوية كافية في برامج ومشاريع المنظمات الدولية الناشطة وتوسيع مراكز الرعاية النفسية في المناطق الأكثر تضررا بذات القدر الذي توليه للأوبئة الأخرى كالكوليرا وغيرها في البلدان العربية المضطربة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.