قوات مكافحة الشغب تفرق مظاهرة في محافظة النجف
قوات مكافحة الشغب تفرق مظاهرة في محافظة النجف

لليوم التاسع، يخشى الصحفي (ا. س) العودة إلى منزله.

يبات مع أصدقائه، بعضهم صحفيون وآخرون ناشطون مدنيون وجميعهم من محافظة النجف في إحدى مقاهي المدينة.

يرسل إليّ الصحفي الشاب، الذي يخشى الكشف عن اسمه، رسائل صوتية عبر تطبيق الماسنجر، يقول فيها "قوات أمنية من المحافظة وأخرى جاءت من بغداد تبحث عن ناشطين وصحفيين لاعتقالهم بتهمة التحريض على المظاهرات"، ويضيف "يبدو أن اسمي ضمن قوائم المطلوبين، داهموا منزلنا أكثر من مرة والحمد لله كنت خارجه عند المداهمة، كنت أغطي التظاهرات نهاراً، وأبات في المقهى ليلاً".

نصحه والده بمغادرة المنزل، وهو الآن يقيم مع أصدقائه في مقهى، ويصف حالهم، "لا نختلف عمّا كنا نشاهده في الأفلام، ملاحقون ومختبئون في مقهى، نخشى الحديث بصوت عالٍ، نخشى فتح الضوء في ساعات الليل المتأخرة".

رغم ذلك، لا تنقطع أحاديثهم وهم يدخنون النرجيلة التي باتت "المتعة الوحيدة"، على حد قوله، مؤكدين ضرورة الاستمرار في التظاهرات، رغم التهديدات.

لكن الصحفي الشاب لا يخفى خوفه وقلقه من المجهول الذي "تخبئه له الأيام المقبلة"، يتمنى مغادرة البلاد ويخطط للهروب إلى إقليم كردستان، لكن اسمه الموجود في قوائم المطلوبين يمنعه من "السفر".

 

لسنا محرضين

في بغداد، لا يختلف الحال لدى معظم الصحفيين والناشطين الذين يبدون قلقهم من قوائم أسماء المطلوبين بتهم التحريض على المظاهرات.

نجح أحمد في الرحيل إلى أربيل، و"أحمد" اسم مستعار وفق طلبه.

تلقى أحمد "تهديدات من جهات مجهولة لا يعرف انتماءها"، على حد قوله.

فالتهديدات وصلتهم من خلال "رسائل نصية من أرقام هواتف غير معروفة وأخرى دولية، فضلا عن رسائل عبر الصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي".

يقول أحمد لراديو سوا "كانت التهديدات تتضمن: احذروا نشر أي شيء له علاقة بالمظاهرات، حساباتكم معروفة ومراقبة"، مضيفا أنه "لا يمكن تجاهل تلك التهديدات، فالكثير من القنوات ومكاتب البث تعرضت للتخريب والتدمير".

 

ويتابع "كما أن هناك صحفيين اعتقلوا وآخرون قتلوا، والكثير منهم تعرضوا للضرب".

ويؤكد أحمد أن معظم الصحفيين الذين تعرضوا للتهديد "لم يتبنوا رأيا أو يدعوا إلى التظاهرات أو حرضوا عليها، مجرد أنهم نقلوا صورة الأحداث ومستجداتها".

ويختتم "مجرد أن تكون حاملاً للكاميرا وسط المتظاهرين ستكون معرضاً للقتل".

سابقة خطيرة

ووصفت جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق ما تعرض له الصحفيون بالـ"سابقة الخطيرة".

وقالت في بيان "أقدمت الحكومة العراقية على إغلاق تام للأجواء من خلال قطع خدمة الإنترنت في عموم البلاد (...)، والذي يعد انتهاكا فاضحا وقمعا غير مسبوق لحرية التعبير منذ العام 2003".

وأدانت الجمعية ما وصفته بـ"التعامل القهري والتعسفي والقمع الذي تعاملت به القوات الأمنية مع وسائل الإعلام أثناء تغطيتهم للأحداث".

ورصدت الجمعية عددا من حالات الانتهاك التي طالت الصحفيين خلال الأيام الستة الأولى للمظاهرات:

رصدت الجمعية في اليوم الأول للمظاهرات 28 حالة انتهاك، منها 17 حالة اعتداء من قبل القوات الأمنية، واعتقال الصحفي أرشد الحاكم والمصور علي فاضل ببغداد.

كما تم تسجيل 15 حالة إصابة من ضمنها 13 حالة اصابة خطيرة بقنابل الغاز المسيلة للدموع واصابة مراسل قناة أهل البيت برصاص القوات الأمنية أثناء تغطيته تظاهرات محافظة بابل، وحالة إصابة بصاروخ استهدف مقر قناة الفرات في بغداد.

في اليوم الرابع للمظاهرات، وبعد ان قامت الحكومة العراقية بقطع خدمة الإنترنت، بدأت سلسلة من الاعتداءات طالت ثمان مقار لقنوات إعلامية وكان منها قناة الأهوار الفضائية في الناصرية.

وفي اليوم التالي شهدت بغداد اقتحام عدة مقار قنوات فضائية، منها قناة دجلة وNRT عربية، وإجبار العاملين فيها على إيقاف ترددات البث والاعتداء عليهم بالضرب المبرح وسرقة بعض أجهزة الحاسوب ومعدات التصوير والهواتف المحمولة للموظفين، إضافة إلى مكاتب قناة العربية والعربية الحدث والغد و TRT التركية، وقناة النهرين.

 

وشهد اليوم السادس تعرض قناة الفرات لهجوم صاروخي أدى الى أضرار مادية ومالية جسيمة، وفي ذات اليوم أصدر مدير قناة الرشيد أمراً بإغلاق القناة وتسريح جميع العاملين فيها دون معرفة الأسباب التي أدت إلى اتخاذ هذا القرار.

خارجون عن القانون

من جانبه، وصف رئيس الجمهورية برهم صالح من يقوم بهذا الفعل بأنهم "مجرمون وخارجون عن القانون".

 

وقال في خطاب متلفز عبر قناة العراقية شبه الرسمية، في 7 تشرين الأول/أكتوبر، "أؤكد من موقعي كرئيس جمهورية أن على أجهزتنا الأمنية المدافعة عن الشعب وحقوقه ومقدراته ودستوره التصدي الحازم لمن اخترق الدستور والقانون، واعتدى على المواطنين والأجهزة الأمنية، وروّع وسائل الاعلام".

وأضاف صالح أن "ما حدث من استهداف للمتظاهرين السلمين والقوات الأمنية بالرصاص الحي، ومن استهداف للإعلام والإعلامين غير مقبول في العراق الذي ارتضيناه، وتعاهدنا على أن يكون ديمقراطيا، تراعى فيه الحقوق والحريات، ويلتزم فيه الجميع بالدستور، السلطة قبل المواطن".

وطالب بفتح تحقيق في تلك الخروقات.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.