متظاهرون بنقلون أحد الجرحى خلال احتجاجات ساحة التحرير في بغداد/ ا ف ب
متظاهرون بنقلون أحد الجرحى خلال احتجاجات ساحة التحرير في بغداد/ ا ف ب

قال جابر وهو صديق أحد قتلى التظاهرات العراقية من محافظة واسط، إن عائلة صديقه تمكنت من الوصول للمتهم بقتل ابنها، وتقديمه للجنة تحقيق رسمية، وعلمت العائلة من مصادر مقربة في وزارة الداخلية، أن المهتم اعترف بفعلته.

وجابر اسم مستعار، إذ فضّل محدّثنا عدم ذكر اسمه الحقيقي لأسباب أمنية.

وأضاف عبر مكالمة هاتفية لـ"ارفع صوتك" أنه خرج وصديقه إلى التظاهرات التي جرت أمام مبنى محافظة واسط، وظلّا برفقة بعضهما البعض خلال التظاهر، رغم أن المشهد ظلّ بين تقدّم وتراجع للمتظاهرين، خصوصاً بعد إطلاق قوات مكافحة الشغب وقوات "سوات" النار وقنابل الغاز المسيل للدموع نحو المتظاهرين.

يقول جابر "تفاجأنا برد عناصر الأمن، خصوصاً أن المسافة بيننا وبينهم كانت قصيرة" وعن لحظة قتل صديقه يؤكد "تقدّم أحد عناصر قوات سوات باتجاهنا وأصبح قريباً بحيث تفصلنا عنه مسافة 20 إلى 25 متراً، وأطلق الرصاص من سلاح كلاشنكوف، فأصابت الطلقة صديقي، الذي نقلناه للمستشفى مباشرة لكنه توفي بعد نصف ساعة من وصوله".

"سواتSWAT" هي قوات العمليات الخاصة العراقية Iraqi Special Operations Forces.

"لقد رأيت وجه القاتل، وحفظته، لكنّي بالطبع لا أعرفه ولا أعرف اسمه" يقول جابر، متابعاً: "في اليوم التالي وصفته لبعض الأصدقاء وإن كانوا رأوه، ومن شخص لآخر، حتى وصلت لمقاطع فيديو متعددة، ظهر هو في أحدها".

وقام جابر بعد انتهاء أيام العزاء في بيت صديقه، بتقديم الفيديو لعائلة القتيل، التي قدمته بدورها للمحكمة، التي تحفظّت عليه ومنعهتم من نشره من أجل أغراض التحقيق". 

وكانت العائلة منذ اليوم الثاني لمقتل ابنها، قدمت شكوى في قسم الشرطة، ضد كل من "قائد قوات سوات وقائد قوات مكافحة الشغب وقائد شرطة محافظة واسط" وذلك لأن لا أسماء بعينها لديهم، فكانت بشكل عام.

ومن خلال متابعة جابر مع العائلة، وأصدقاء مقرّبين في وزارة الداخلية، تم الوصول لاثنين من قوات سوات، أحدهما "برتبة مقدّم والثاني برتبة رائد وتم نقلهما للتحقيق في بغداد، ومواجهتهما بالفيديو، ليعترف كلاهما بإطلاقهما النار باتجاه المتظاهرين".

والعائلة الآن بانتظار نتائج التحقيقات لتحقيق العدالة. يقول جابر "المحكمة متعاطفة معنا لكن الشرطة لا، فقد قام عناصرها باقتحام البيوت القريبة من أماكن التظاهر وحذفوا الفيديوهات المصوّرة عبر كاميرات المنازل الخارجية، للتخلّص من الأدلة قدر الإمكان". 

تكاليف باهظة

"نريد معرفة القاتل ومعاقبته وفق القانون"، يقول أحمد البديري، وهو شقيق أمجد البديري الذي قتل في تظاهرات الديوانية (جنوب العراق).

وكانت عائلة أمجد قدمت شكوى في مركز شرطة المحافظة، من أجل القبض على القاتل، لكن طلب منها توكيل محام للسير في هذه القضية. 

يقول أحمد لـ"ارفع صوتك": "هذا التوكيل يكلّف خمسة ملايين دينار (نحو 4200 دولار) ولا نستطيع تأمين هذا المبلغ".

وتعتقد العائلة أن "قتلة ابنها أمجد من قوات (سوات) بمحافظة الديوانية، بأمر من قائدها وهو ضابط برتبة مقدم".

وأمجد من بين تسعة قتلى في محافظة الديوانية، وفق إحصائيات مفوضية حقوق الإنسان العراقية، وحسبما يقول أخوه، "أصيب برصاصة من سلاح كلاشينكوف بالرأس، نقل إثرها إلى المستشفى، وهناك قال الطبيب المختص لعائلته إن موته مسألة دقائق معدودة إذ وصل في حالة موت سريري".

أم أمجد تعاني من ضغط الدم، ووقع الخبر على نفسها كاد أن يودي بحياتها، وفق ما قال أحمد، مضيفاً "كلما تذكره أبي وأمي يبكيان".

 

وكان أمجد الذي قتل وهو في عمر 27 سنة، يعيش في بيت واحد مع 12 شخصاً. يقول شقيقه أحمد "نحن عائلة مكونة من سبعة إخوة وأخت واحدة، وأبي وأمي، إلى جانب زوجتي وطفلين اثنين لي، وزوجة أخي".

أما حياة أمجد، فكانت كراً وفراً بين شرطة بلدية الديوانية وبسطيّة الشاي التي يعمل فيها منذ خمس سنوات، إذ تأتي الشرطة تزيل البسطية عن الرصيف وتصادرها ثم يذهب أمجد يحضرها ويعود، وهكذا، مسيرة من التعب والمناورة.

وفي هذا الفيديو يظهر أمجد وهو يُسحب بعُنف عن بسطيّته، وتم تصويره في أيلول/ سبتمبر 2018:

ويعمل أبو أمجد، مالك البديري (61 عاماً) سائق تاكسي، فيما أحمد وزوجته يحملان شهادة جامعية في اللغة الإنجليزية منذ خمس سنوات، بانتظار "التعيين الوظيفي"، لذا فإن مصروف البيت يعتمد على دخل أي فرد يعمل فيه، مثل أحمد وأمجد الذي كان يبيع الشاي على بسطية شاي، وأي يوم من دون عمل يعني للعائلة نقصاً في المال، حسبما يقول أحمد.

ومع بداية التظاهرات العراقية، خرج أمجد للمشاركة، ليعود أول مرة وقد تعرض للضرب من عناصر أمنية، وفي اليوم الثاني حذره والده من الخروج، لكنه ذهب تاركاً بسطية الشاي، ولم يعد لها أبداً.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.