شاب عراقي يحمل شابا جريحا أثناء المظاهرات في بغداد
شاب عراقي يحمل شابا جريحا أثناء المظاهرات في بغداد

بعد صدور تقرير اللجنة الوزارية المكلفة بالتحقيق بملابسات احتجاجات مطلع تشرين الأول الحالي، والذي أقرّ "استخدام القوة المفرطة والرصاص الحي بشكل خاطئ تجاه المتظاهرين"، واكتفى بالتوصية بإعفاء عدد من القادة الأمنيين.

علق أحمد البديري، شقيق أحد الضحايا الذين سقطوا بسبب استخدام الرصاص الحي، "نتائج التقرير غير مُنصفة، ومخيّبة للآمال"، فيما وصفها المحلل السياسي أحمد الأبيض بـ"محاولة الحكومة للهروب إلى الأمام".

أحد مواقف اللجنة

حضرت اللجنة الوزارية أثناء فترة التحقيق إلى منزل أمجد البديري، المعروف بـ"بائع الشاي"، والذي تداولت صفحات كثيرة على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يظهر سقوطه قتيلا بسبب رصاص حي أطلق من قبل القوات الأمنية، وفقا لشقيقه.

يقول أحمد شقيق الضحية "عندما عرضت الفيديو الذي يُظهر إطلاق الرصاص على أخي قبل مقتله، كان ردّهم بأن هذا لا يُثبت أن الرصاص موجه نحوه هو بالذات، ربما يكون موجهاً نحو الحائط".

ويتساءل في حديثه لموقع (ارفع صوتك) "نحن قدمنا شكوى على دولة، فماذا نمثل نحن أمامها؟".

ويعتبر أحمد أن عائلته هي من بين "149 عائلة من أهالي الشهداء يعيشون نفس المأساة وأغلبهم من البسطاء والكسبة الذين يعيشون على العمل بالأجر اليومي".

 

إقرارات وتوصيات

وأقرت اللجنة التحقيقية الوزارية، استخدام القوات الامنية القوة المفرطة تجاه المتظاهرين، مما أدّى لسقوط 149 قتيلا وأكثر من 4 آلاف جريح من المتظاهرين.

كما أقرت اللجنة باستخدام العتاد الحي وعدم ضبط إطلاق النار على المحتجين، وضعف قيادة وسيطرة للقادة الآمرين.

وأوصى تقرير اللجنة، بإعفاء قائد عمليات بغداد وإحالته إلى مجلس تحقيقي، وإعفاء نائب قائد عمليات بغداد، وقائد شرطة بغداد، وإعفاء قادة شرطة محافظات بابل وذي قار والديوانية وميسان والنجف، وقائد الفرقة 11، وقائد الفرقة الأولى شرطة اتحادية، وآمر مشاة لواء 45، وقائد عمليات الرافدين.

ورغم إشارة التقرير إلى أن ما يقارب "70 في المئة" من القتلى قضوا بالرصاص الحي "في الرأس والصدر"، إلا إن السلطات اكتفت بإعفاء قادة عسكريين وأمنيين من مختلف أجهزة القوات العراقية.

مكافأة وليست عقوبة

ويرى المحلل السياسي أحمد الأبيض أن "إعفاء القادة يعني مكافأتهم".

كذلك يعلق محمد الخفاجي، شقيق مؤمل الخفاجي الذي سقط قتيلا في الاحتجاجات التي شهدتها محافظة واسط.

ويقول الخفاجي "تقرير فاشل وغير ملبي لما انتظرناه من الحكومة، أغلبية التوصيات بالإعفاء من المنصب، أنا أعتبرها بمثابة مكافأة لهم واستهانة بدماء الشهداء"، مضيفا في حديث لموقعنا "أما الذين أحيلوا للقضاء، فعددهم قليل، وأراه تسويفاً للقضية".

يقول الأبيض إن "الاعفاء دون التوجيه إلى المحاكم العسكرية المختصة والتوصية بذلك هذه مكافأة، لأنهم لو أحيلوا إلى المحاكم لكان هناك كلام آخر"، مضيفا في حديث لموقع (ارفع صوتك) "ستكون هناك شهادات توصل ربما إلى أحكام ثقيلة بتهمة قتل متظاهرين مدنيين".

ويتابع "نتائج اللجنة فيه ضغط واضح مارسته المليشيات، ورئيس الوزراء خسر حتى الأمل البسيط جدا المتبقي لدى الشارع، وخسر فرصته الأخيرة".

 

"الملف جنائي ويشمل رئيس الحكومة"

فيما يؤكد الخبير القانوني علي جابر التميمي على وجوب إحالة الملف إلى القضاء، لتأكد "احتوائه على جريمة قتل".

ويقول التميمي "اللجنة التحقيقية، وفقا لقانون انضباط موظفي الدولي، عندما تجد ما يشكل جريمة يجب أن تحيل الملف إلى القضاء وهو الذي يتولى التحقيق في الجرائم"، مضيفا في حديث لموقع (ارفع صوتك) أن "مسؤولية القادة الأمنيين هي مسؤولية تضامنية مع الضباط بالرتب الأقل والجنود، وفقا لقانون العقوبات العسكري والمادة 24 من قانون العقوبات العسكري العراقي".

ويوضح التميمي أن "المادة 28 من قانون المحكمة الجنائية الدولية تعاقب الرؤساء حتى وإن قالوا إننا لم نعطِ أوامر أو لا نعلم لأن مسؤوليتهم تحتم عليهم العلم، كما حصل في محاكمة الرئيس المصري حسني مبارك"، لافتا إلى أن ما وصفها بالجرائم "لا تسقط بالتقادم ومرور المدة، ممكن أن تثار في أي وقت من الأوقات".

ويتابع "هذا مبدأ في القانون الجنائي الدولي، معمول به في كل دول العالم وليس فقط في العراق".

وهذا دفع بالأبيض إلى التساؤل "هل من المعقول أن جميع القادة تصرفوا عشوائيا نفس التصرف وأخطأوا بإعطاء أوامر بقتل المدنيين دون العودة إلى قياداتهم العسكرية؟".

 

مكان القنص

وتفيد الفقرة س من النقطة السابعة الواردة في تقرير اللجنة إلى "وجود موقع للقنص في إحدى هياكل الأبنية المتروكة مقابل محطة الكيلاني".

ويعتبر المحلل السياسي الأبيض عدم ذكر تفاصيل أكثر بشأن عمليات القنص سببه "الضغط الذي تمارسه المليشيات"، على حد وصفه.

ويقول الأبيض "حديث التقرير عن استخدام القناصين لأبنية خربة، ربما المقصود بها المطعم التركي لأنه البناية الوحيدة الواقعة في منطقة القنص"، لافتا إلى أن "هذا المطعم في عمق جسر الجمهورية يتبع للمنطقة الخضراء ويقع تحت حماية الفوج الرئاسي".

ويتوقع الأبيض أن تعطي هذه النتائج "زخما قويا للشارع في الاحتجاجات المزمعة، خصوصا أنه حاول تحميل المتظاهرين جزءا من المسؤولية"، موضحا "محاولة هروب الحكومة إلى الأمام عقّد المشهد أمامها، ودرجة الغليان الشعبي ارتفعت بسبب التقرير إلى درجة عدم العودة عن مطالبهم في إسقاط هذه الحكومة".

كما أفاد تقرير اللجنة بقيام بعض المتظاهرين غير منضبطين بحرق مقرات أمنية وحكومية وحزبية، وإلقاء قنابل المولوتوف باتجاه القوات الأمنية.

وتابع أيضا أن هيئة الإعلام والاتصالات لم تتخذ اجراءات بحق القنوات المحرضة التي تبث الكراهية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.