عندما اندلعت تظاهرات الربيع العربي، في بداية سنة 2011، واجهت المملكة العربية السعودية موجة الاحتجاجات مبكرا بفتوى شديدة اللهجة لهيئة كبار العلماء تؤكد على "حرمة المظاهرات في البلاد".
وقع الفتوى المفتي العام للمملكة عبد العزيز آل الشيخ و18 رجل دين، وطبعت منها الحكومة السعودية 1.5 مليون نسخة تم توزيعها في البلاد.
حاولت الفتوى الصادرة في 6 مارس 2011 استباق الاحتجاجات التي كان متوقعا أن تشهدها السعودية في 11 من الشهر نفسه، بناء على دعوات في الإنترنت، للمطالبة بالإصلاح والتوزيع العادل للثروة وبنظام ملكي دستوري.
كانت الفتوى واضحة: المظاهرات ليست "أسلوبا شرعيا" في الدعوة إلى الإصلاح. أما الأسلوب الشرعي الوحيد فهو "المناصحة". وهذا الأسلوب "بعيد عن إصدار بيانات التهويل وإثارة الفتن وجمع التواقيع".
جاءت الفتوى بعد يوم واحد من بيان لوزارة الداخلية السعودية أعلنت فيه منع المظاهرات في البلاد "لتعارضها مع مبادئ الشريعة الإسلامية وقيم وأعراف المجتمع السعودي".
المشهد يتكرر في العراق
يكاد المشهد نفسه يتكرر اليوم في العراق. فبمجرد اندلاع المظاهرات قبل ثلاثة أسابيع، والتي أودت لحد الساعة بحياة أكثر من 150 شخصا، انبرى عدد من رجال الدين معلنين اعتراضهم ومتهمين المتظاهرين بتنفيذ أجندة خارجية.
علي الكوراني، رجل الدين اللبناني المقيم في مدينة قم بإيران، وصف مظاهرات العراقيين بأنها "لقيطة" و"مشبوهة"، واتهم أميركا بالوقوف خلفها.
"من الذي يقود المظاهرات؟ من الذي أسسها؟ من الناطق باسمها؟"، تساءل الكوراني في حلقة خاصة حول مظاهرات العراق، قبل أسبوعين.
وانتقد رجل الدين المعروف رفع المتظاهرين لـ"شعارات تغيير للحكومة" و"شعارات ضد إيران". واعتبر أن الهدف من المظاهرات هو "تخريب زيارة الأربعين".
الموقف المتحفظ من المظاهرات، خاصة ربطها بالخارج، يتكرر كثيرا في خطابات رجال الدين. فتوى هيئة كبار العلماء السعودية شددت أن "المملكة لم ولن تسمح بأفكار وافدة من الغرب أو الشرق تنتقص من الهوية أو تفرق الجماعة".
ووصفت تظاهرات الربيع العربي حينها بأنها "اضطرابات وفتن".
لكن رجال آخرين أعلنوا تأييدهم للمظاهرات سواء في العراق أو لبنان، من بين هؤلاء الداعية الشيعي المحسوب على التيار المعتدل ياسر عودة الذي أعلن غضبه من موقف الكثير من الشيوخ من الاحتجاجات.
وانتقد عودة وصف رجال دين للمتظاهرين العراقيين بالدعوة إلى "الإلحاد" و"العلمانية". وقال إن المتظاهرين خرجوا "للمطالبة بلقمة العيش"، بينما الشيوخ المنتقدون لهم "يتاجرون باسم الحسين".
المظاهرات حرام!
يظهر الموقف المتصلب من المظاهرات أكثر داخل التيار السلفي. ويفتي هذا التيار بحرمة تنظيم المظاهرات بدعوى أنها بدعة مستوردة من الخارج وبأنها مجرد إثارة للفتن.
وتشمل لائحة محرمي المظاهرات كبار علماء التيار السلفي في السعودية وخارجها، وفي مقدمتهم عبد العزيز بن باز مفتي السعودية السابق، ومحمد صالح العثيمين وناصر الدين الألباني. وينضاف إليهم أيضا مقبل بن هادي الوادعي وربيع المدخلي. ويُنسب إلى الأخير التيار المدخلي الذي يتخذ موقفا متشددا من أي معارضة للحكام.
فالشيخ ابن باز يعتبر أن المظاهرات "ليست من طرق تغيير المنكر" وتجاوزا على صلاحيات الحاكم الذي يملك وحده حق "تغيير المنكر باليد". ويذهب العثيمين إلى أن المظاهرات في حد ذاتها "أمر منكر". أما الشيخ الألباني فيعتبرها "تشبها بالكفار".
وفي أحسن الأحوال، يُنظر إلى المظاهرات على أنها "أمر حادث" لم يكن معروفا في عهد النبي ولا في عهد الصحابة. ويربط آخرون بين المظاهرات والديمقراطية ما يجعل التحريم يطالهما معا. يقول الشيخ السلفي الجزائري المعروف محمد فركوس: "الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات وسائر أساليب الديمقراطية هي من عادات الكفار وطرق تعاملهم مع حكوماتهم".
في المقابل، يجيز عدد آخر من الفقهاء، وبعضهم يحسب على التيار السلفي، المظاهرات. من بين هؤلاء مثلا سلمان العودة الذي يرى أن "الأصل في مثل هذه الأمور الجواز ولا تحتاج إلى دليل خاص" وأنه لا دليل على منعها أو تحريمها.
لكن الفريق المحسوب على الإسلام الحركي يبقى الأكثر تقبلا للمظاهرات مثل عبد المجيد الزنداني ويوسف القرضاوي. وأعلن الكثير من هؤلاء تأييدهم للثورات التي اندلعت خلال الربيع العربي.
