من مظاهرات بغداد أكتوبر 2019/ فرانس برس
متظاهر يرفع شارة النصر في مظاهرات بغداد في أكتوبر 2019

عندما اندلعت تظاهرات الربيع العربي، في بداية سنة 2011، واجهت المملكة العربية السعودية موجة الاحتجاجات مبكرا بفتوى شديدة اللهجة لهيئة كبار العلماء تؤكد على "حرمة المظاهرات في البلاد".

وقع الفتوى المفتي العام للمملكة عبد العزيز آل الشيخ و18 رجل دين، وطبعت منها الحكومة السعودية 1.5 مليون نسخة تم توزيعها في البلاد.

حاولت الفتوى الصادرة في 6 مارس 2011 استباق الاحتجاجات التي كان متوقعا أن تشهدها السعودية في 11 من الشهر نفسه، بناء على دعوات في الإنترنت، للمطالبة بالإصلاح والتوزيع العادل للثروة وبنظام ملكي دستوري.

كانت الفتوى واضحة: المظاهرات ليست "أسلوبا شرعيا" في الدعوة إلى الإصلاح. أما الأسلوب الشرعي الوحيد فهو "المناصحة". وهذا الأسلوب "بعيد عن إصدار بيانات التهويل وإثارة الفتن وجمع التواقيع".

جاءت الفتوى بعد يوم واحد من بيان لوزارة الداخلية السعودية أعلنت فيه منع المظاهرات في البلاد "لتعارضها مع مبادئ الشريعة الإسلامية وقيم وأعراف المجتمع السعودي".

المشهد يتكرر في العراق

يكاد المشهد نفسه يتكرر اليوم في العراق. فبمجرد اندلاع المظاهرات قبل ثلاثة أسابيع، والتي أودت لحد الساعة بحياة أكثر من 150 شخصا، انبرى عدد من رجال الدين معلنين اعتراضهم ومتهمين المتظاهرين بتنفيذ أجندة خارجية.

علي الكوراني، رجل الدين اللبناني المقيم في مدينة قم بإيران، وصف مظاهرات العراقيين بأنها "لقيطة" و"مشبوهة"، واتهم أميركا بالوقوف خلفها.

"من الذي يقود المظاهرات؟ من الذي أسسها؟ من الناطق باسمها؟"، تساءل الكوراني في حلقة خاصة حول مظاهرات العراق، قبل أسبوعين.

وانتقد رجل الدين المعروف رفع المتظاهرين لـ"شعارات تغيير للحكومة" و"شعارات ضد إيران". واعتبر أن الهدف من المظاهرات هو "تخريب زيارة الأربعين".

الموقف المتحفظ من المظاهرات، خاصة ربطها بالخارج، يتكرر كثيرا في خطابات رجال الدين. فتوى هيئة كبار العلماء السعودية شددت أن "المملكة لم ولن تسمح بأفكار وافدة من الغرب أو الشرق تنتقص من الهوية أو تفرق الجماعة".

ووصفت تظاهرات الربيع العربي حينها بأنها "اضطرابات وفتن".

لكن رجال آخرين أعلنوا تأييدهم للمظاهرات سواء في العراق أو لبنان، من بين هؤلاء الداعية الشيعي المحسوب على التيار المعتدل ياسر عودة الذي أعلن غضبه من موقف الكثير من الشيوخ من الاحتجاجات.

وانتقد عودة وصف رجال دين للمتظاهرين العراقيين بالدعوة إلى "الإلحاد" و"العلمانية". وقال إن المتظاهرين خرجوا "للمطالبة بلقمة العيش"، بينما الشيوخ المنتقدون لهم "يتاجرون باسم الحسين".

المظاهرات حرام!

يظهر الموقف المتصلب من المظاهرات أكثر داخل التيار السلفي. ويفتي هذا التيار بحرمة تنظيم المظاهرات بدعوى أنها بدعة مستوردة من الخارج وبأنها مجرد إثارة للفتن.

وتشمل لائحة محرمي المظاهرات كبار علماء التيار السلفي في السعودية وخارجها، وفي مقدمتهم عبد العزيز بن باز مفتي السعودية السابق، ومحمد صالح العثيمين وناصر الدين الألباني. وينضاف إليهم أيضا مقبل بن هادي الوادعي وربيع المدخلي. ويُنسب إلى الأخير التيار المدخلي الذي يتخذ موقفا متشددا من أي معارضة للحكام.

فالشيخ ابن باز يعتبر أن المظاهرات "ليست من طرق تغيير المنكر" وتجاوزا على صلاحيات الحاكم الذي يملك وحده حق "تغيير المنكر باليد". ويذهب العثيمين إلى أن المظاهرات في حد ذاتها "أمر منكر". أما الشيخ الألباني فيعتبرها "تشبها بالكفار".

وفي أحسن الأحوال، يُنظر إلى المظاهرات على أنها "أمر حادث" لم يكن معروفا في عهد النبي ولا في عهد الصحابة. ويربط آخرون بين المظاهرات والديمقراطية ما يجعل التحريم يطالهما معا. يقول الشيخ السلفي الجزائري المعروف محمد فركوس"الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات وسائر أساليب الديمقراطية هي من عادات الكفار وطرق تعاملهم مع حكوماتهم".

في المقابل، يجيز عدد آخر من الفقهاء، وبعضهم يحسب على التيار السلفي، المظاهرات. من بين هؤلاء مثلا سلمان العودة الذي يرى أن "الأصل في مثل هذه الأمور الجواز ولا تحتاج إلى دليل خاص" وأنه لا دليل على منعها أو تحريمها.

لكن الفريق المحسوب على الإسلام الحركي يبقى الأكثر تقبلا للمظاهرات مثل عبد المجيد الزنداني ويوسف القرضاوي. وأعلن الكثير من هؤلاء تأييدهم للثورات التي اندلعت خلال الربيع العربي.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.