من تظاهرات أكتوبر/ فرانس برس
من تظاهرات أكتوبر/ فرانس برس

ما إن تم تحديد يوم الجمعة 25 تشرين الأول/ أكتوبر، موعداً لتظاهرة شعبية، حتى بدأت استعدادات العوائل العراقية للمشاركة وتجنب التداعيات السلبية.

وأطلقت عراقيات على مواقع التواصل الاجتماعي، هاشتاغ #كل_بيت_العراق_ساحة_تحرير، أي أن النساء العراقيات سيشاركن في التظاهرات من داخل بيوتهن إذا لم يستطعن الخروج للميادين، بسبب رفض الأزواج أو أفراد عائلاتهن، خوفاً عليهن من القتل أو التعرض لأشكال أخرى من العنف.

ومن الشعارات التي تبنتها النساء، وستكتب على رايات بيض وتعلق على البيوت، ومن ثم تصويرها ونشر الصور بمواقع التواصل إيذاناً برفض الفساد والمطالبة بالتغيير، هي "#نريد_وطن، و#راجع_أخذ_حقي، و#العراق_ينتفض" للتعبير عن تأييدهن للتغير ورفضهن للفساد.

تقول مائدة فاضل (37 عاماً): "نحن جزء من الشعب العراقي، ولا يوجد شعب في العالم يسمح باستمرار الفساد والبطالة والفقر وتردّي الخدمات دون القيام بثورة أو الانتفاض، لذا سأعمل مع جاراتي على رفع رايات بيضاء نكتب عليها (نريد وطن) أمام عتبات بيوتنا أو على الأسطح يوم 25 أكتوبر".

وتشير إلى أن الكثيرات لن يتمكنّ من التواجد في هذا اليوم في ساحات الاحتجاج، لذا  سيقمن بإعداد الطعام للمتظاهرين.

تخزين المواد الغذائية

وتشهد الشوارع الرئيسية في بغداد زحاماً غير معتاد، كما أغلق جسر "محمد القاسم" بذريعة الترميم، وهو الجسر الذي يؤدي إلى وسط بغداد وساحة التحرير.

يقول هاشم إبراهيم، وهو سائق سيارة أجرة، إن الحكومة "لا تهتم بأرزاق الناس، وتفتعل الزحام في شوارع بغداد، وكلنا نعلم أنها وسيلة من وسائلها المعروفة بسبب اقتراب موعد تظاهرات يوم الجمعة".

واتخذت العوائل البغدادية استعدادات مكثفة في شراء المواد الغذائية وتخزينها خشية من أحداث ما بعد التظاهرة. تقول الحاجة هناء سعيد، إن "الأوضاع لا تبشّر بخير، لذا من الواجب تخزين بعض المواد الغذائية كالرز والسمن والفاصوليا البيضاء".

وتشير إلى أن التظاهرات الأولى في هذا الشهر "لم تمر بشكل سهل، حيث نفدت المواد الغذائية وغاز الطبخ، واصطف الناس في طوابير أمام المساجد للحصول على الغاز، وأمام أفران الصمّون والخبز التي حدد أصحابها – آنذاك- الكمية التي تباع لا التي يحتاجها الفرد، لهذا يحرص الناس الآن على تخزين المواد الغذائية والغاز وبعض الأمور لتخطي الأزمة في حال تكرارها".

"لم نعد نأمن لوعود الحكومة أو حتى لتطميناتها"، وفق ما تقول هناء.

"لن تغير شيئاً"

ومن المتوقع أن تعمد وزارة الاتصالات إلى قطع الإنترنت نهائياً يوم التظاهر. يقول مروان ساجد (34 عاماً) لـ"ارفع صوتك"، إن الحكومة "أخطأت بقطعها للإنترنت، إذ تمنع الوصول لمواقع التواصل الاجتماعي، وكأنها تعاقب الشعب بسبب المشاركة في التظاهرات".

ويرى مروان أن "العراقي بطبعه عنيد وعقوبة قطع الإنترنت أتاحت الفرصة لعناده أكثر وإيجاد الحلول التي تدفع بالتظاهر نحو الاستمرار بدلاً من إخمادها".

ويضيف "دعا الكثير من الشباب الذين سيشاركون بالتظاهرة إلى السكن قريباً من ساحات الاحتجاج، عبر تأجير غرف الفنادق القريبة، وكذلك تجهيز كمية من بطاقات الشحن للاتصال اليسير بالهواتف النقالة".   

وبعد سنوات من التظاهرات "نحن على قناعة أن الحكومة لن تنفذ وعودها، ولن تغير أو تقدم شيئاً"، يقول مروان.

تدهور الأوضاع الأمنية

وتشير إيمان حنون (47 عاماً) إلى أن زوجها وبعض المعارف في بغداد جهزوا جوازات السفر، استعداداً للسفر خشية تأزم الأوضاع في البلاد بعد تظاهرات الجمعة.

وتقول لـ "ارفع صوتك": "في الوقت الراهن، لا يمكننا تخمين ما سيجري من أحداث، ولكن اعتياد الفرد العراقي على الأزمات المصيرية يدفع به دوماً إلى الاستعداد لأي خبر، خشية تدهور الأوضاع الأمنية".

وتضيف إيمان التي تحاول عدم التصرف بمدخراتها المالية في الوقت الحالي "من المهم أن نتخذ خطوات محسوبة في هذه المرحلة من حيث تقليل المصاريف المالية والابتعاد عن أية مشاريع قد تتسبب في مشكلات لاحقة مثل الشراء أو الاشتراك بسلفة مالية أو البدء بمشروع معين.

وبالفعل، لم يتوان طارق محمد (28 عاماً) هذه الأيام عن إيقاف بناء المشتمل الذي سيتزوج ويسكن فيه بعد إنجازه. يقول "الأوضاع غير مريحة في البلاد، لذا فمن الأفضل عدم الاستعجال في استكمال البناء".

وينوي المشاركة في تظاهرات الجمعة، لكنه أيضاً "لا يضمن عودته سالماً من التظاهرة"، معللاً "نظراً لتعرض الكثير من المتظاهرين لأساليب القمع والترويع والقتل، وما زالت التهديدات والاغتيالات مستمرة، لذا من الضروري التأني قليلا في الزواج أو البناء، حتى استقرار الأوضاع".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.