"شوفوا تظاهرات لبنان وشوفوا تظاهراتنا"، عبارة يرددها اليوم أغلب العراقيين بحسرة، عندما تبادر أحدهم بالحديث عن تظاهرات الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 في بغداد والمدن الجنوبية.
وكثيرا ما يقارن العراقيون اليوم تظاهر آلاف اللبنانيين، منذ مساء الخميس 17 تشرين الأول/ أكتوبر، وبين ما كانت عليه تظاهرات العراق، إزاء ارتفاع معدلات البطالة ونقص الخدمات وانتشار الفساد.
المرح والبهجة
يشير الخبير القانوني محمد عبد حمزة، إلى وجود عدد من الاختلافات بين الحراكين رغم تشابه المطالب.
يقول لـ"ارفع صوتك": "تستحوذ على تظاهرات لبنان أجواء بعيدة عن استهداف المتظاهرين أو قمعهم، بعكس تظاهرات العراق، إذ واجهت قوات الأمن المتظاهرين المدنيين في العراق بخراطيم المياه الساخنة وقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي والمطاطي، لتفريقهم وقتلهم، مخلفة عشرات القتلى وآلاف الجرحى، بينما تعاطفت القوات الأمنية مع المتظاهرين في لبنان، بأجواء تخللها المرح والبهجة".
ويعرب حمزة عن أسفه على العنف الذي استخدمته القوات الأمنية في تفريق المدنيين بالتظاهرات العراقية ودورهم في إسكات مطالباتهم بالحقوق، رغم أنها دستورية وشرعية.
من جانبها، تقول الناشطة المدنية نورس حسام "رأينا جميعنا احتجاجات لبنان، ولم يُستخدم العنف ضد المتظاهرين، ولم تُشدد الإجراءات على الشعب، ولم تُقطع وسائل الاتصال والإنترنت ولم تُغلق الشوارع، ولم تُعطل الحياة في مختلف مفاصل الدولة".
ورغم إقرار الجهات الحكومية والأمنية بأحقية التظاهر في العراق، إلاّ أن موقفها على الأرض كان مخالفاً، وفق حسام، وتضيف "مع الوقت تبيّن أن التعامل الذي اتبعته الحكومة مع المتظاهرين طيلة السنوات الماضية يمتلئ بمشاعر الكراهية، التي يمكن رؤيتها في تعاملها العنيف مع العراقيين، وخاصة الذين يحتجون لنيل حقوقهم، وكذلك في عدم تنفيذ وعودها التي طالما أطلقتها لامتصاص غضب الشارع".
العملية الديمقراطية
" نُعامل في بلادنا كمحتلين، والقمع والعنف وسيلتان للسيطرة علينا"، يقول علي كريم (37 عاماً).
ويضيف أن "أغلب العراقيين اليوم يعتقدون أنهم محتلين، لعدم قدرتهم على العيش بسلام وحرية في البلاد، فإن انتقد أحدنا أي جهة حزبية أو سياسية أو حكومية، فالأمر لن يمر بسلام".
واكتشف علي بعد سنوات عديدة من المشاركة في الاحتجاجات ضد الفساد والبطالة وغيرها من الأمور، أن القمع الأمني يصاحب التظاهرات كلها بالعراق، على عكس لبنان، حسب قوله.
ففي وقت أُطلقت القنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي على المتظاهرين بالعراق، وزعت بتظاهرات لبنان الحلويات مجاناً، كما اجتاح الرقص والغناء واللعب والترفيه الشوارع، وكأنّ المطالب لا تتحقق فقط بالعنف والدمار والموت، حسبما يقول علي.
ويجد العملية الديمقراطية "صعبة التحقيق في العراق" معللاً "الظروف التي عاشها ويعيشها الشعب العراقي رغم اقترابها من ظروف اللبنانيين من حيث الخطاب الديني والطائفي مشكلة، لاسيما بخنوع الغالبية لمرجعيات دينية وسياسية".
ويرى علي أن "لبنان تحررت من هذا الخنوع، واكتشف شعبها أن الحياة بوطن واحد وغير مقيد بمفاهيم لا تناسب طبيعته وتوجهاته، هو ما يعني الديمقراطية، رغم أن تظاهرات العراق الأخيرة شهدت مشاركة أجيال شبابية لم تعش مرحلة النظام البائد، ويطلق عليهم اليوم (أبناء لعبة الببجي) لأنهم لم يعيشوا مرحلة حزب البعث ولم تطلهم تهمة البعثي بعد ذلك".
