سائق تكتك في ساحة التحرير وسط بغداد- تصوير: زياد متي
سائق تكتك في ساحة التحرير وسط بغداد- تصوير: زياد متي

لماذا كل هذه الجلبة حول أصحاب التكاتك أو سائقي التكتك في العراق؟ ما الذي يميز حكايتهم ليعتبرهم البعض "أيقونة للثورة"؟ حتى أن العشرات في مواقع التواصل الاجتماعي أطلقوا على التظاهرات بشكل عام "ثورة التكتك". لماذا لفتوا أنظارنا بهذا الشكل الكبير؟

هم لا يشاركون للمرة الأولى، لقد قدموا مساعدتهم منذ الموجة الأولى للتظاهرات في أول أسبوع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، ربما كان الإنترنت هو العائق لكي لا يصلنا الكثير من تلك الاحتجاجات، بعدما تم قطعه، لكن بقي في الموجة الحالية، ما أتاح لنا رؤية تطورات الأحداث يوماً بيوم، وأيضاً التعرف أكثر على عمل سائقي التكتك.

 

التكتك: مركبة نارية ذات ثلات عجلات، تستخدم غالبا كوسيلة للانتقال بالأجرة، يعمل محركها بالبنزين.

خليّة نحل

بعد الإعلان عن تظاهرات #25أكتوبر قام أصحاب التكاتك الذين شكلوا معاً صفحة ومجموعة على موقع "فيسبوك" اسمها "اتحاد تكتك العراق" بتأكيد مشاركتهم في التظاهرات، عبر هاشتاغ #نقل_المتظاهرين_مجاناً ، وكانوا يوصلون المشاركين لساحة التحرير وأماكن أخرى للتجمع، مجاناً.

وبمجرد بدء إطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، على المتظاهرين، انطلقت التكاتك لنجدة المتظاهرين المصابين، بنقلهم إلى سيارات الإسعاف، التي تم استهداف بعضها أيضاً، حسب سائق التكتك أنس (22 عاماً) الذي شارك منذ البداية، وإلى جانب المصابين والجرحى، نقلوا أيضاً القتلى للمستشفيات القريبة.

وعبر "دردشة جماعية" في فيسبوك، يتبادل السائقون المشاركون في التظاهرات أخبارهم وصورهم ومقاطع فيديو التقطوها خلال مشاركتهم، ويشجعون بعضهم البعض على العمل، ولا يُظهرون أي شكوى، بل يقول العائد منهم "غداً سأنزل للتحرير" أو "سأرتاح ساعة ثم أعود".

 وفي المجموعة التي تضم 13 ألفاً و600 شخص، الكثير منهم سائقو تكتك، يعرض بعضهم صوراً للمركبات المتضررة جرّاء التعرض للقنابل المسيلة للدموع والرصاص وحتى لمجرد السياقة بسرعة بين المتظاهرين بشكل متواصل، ليقدم البعض الآخر يد المساعدة بجمع التبرعات أو قطع غيار، كما أن البعض قدم نماذج لتطوير تصميم التكتك من أجل حمايته من القنابل المسيلة للدموع.

تكتك متضرّر

 

كتب سائق التكتك على هذه الصورة: طريقة للحماية من القنابل المسيلة للدموع

 

حياتنا كلها حرب

أنس (27 عاماً) من مدينة الصدر ببغداد، يعمل سائق تكتك منذ سنتين. وهو مصدر دخل الوحيد لإعالة أسرته المكونة من زوجته وطفلين: بنت وولد.

وأقل أجر يمكن تحصيله خلال اليوم 15 ألف دينار وأعلى أجر 30 ألف دينار (12$-25$). 
تطوع أنس في نقل الجرحى والمصابين في تظاهرات الأسبوع الأول من هذا الشهر، وشارك يوم الجمعة (25 أكتوبر). يقول أنس "هذا أقل ما نقدر عليه من أجل وطننا".

ويضيف ل"ارفع صوتك": "أحيانا أنقل المصابين لسيارات الإسعاف، لكنها أحياناً تتعرض للاستهداف بالرصاص، لأكمل الطريق إلى المستشفى. وميزة التكتك أنه سريع وصغير بالتالي يستطيع المرور بين الحشود".
ويقول "صحيح هناك مخاطرة لكني لا أشعر بها وأنا أرى كمية الناس التي تحتاج للمساعدة".

كيف تحمي نفسك من الرصاص والغاز المسيل للدموع؟ يجيبني "تسألينني عن الرصاص؟ الرصاص لا يخيفنا، عشنا حياتنا كلها حرب بحرب، ولدنا في زمن صدام حسين وبدأنا نكبر زمن الغزو الأميركي، وعشنا حياتنا في زمن إرهاب تنظيم القاعدة وداعش. لقد تعلمنا ألا نخاف الرصاص".
أما الغاز المدمع، فيزيل أثره ب"البيبسي".

صورة أنس مع ابنه وابنته، تنشر بإذنه
صورة أنس، تُنشر بإذنه

 

ومن مدينة الصدر أيضاً وليد (19 عاماً)، الذي يعمل سائقاً للتكتك منذ سنة ونصف، وهو متزوج لديه طفل واحد.

يقول لـ"ارفع صوتك" إنه نقل العديد من الجرحى من جسر الجمهورية إلى مستشفى "الجملة العصبية" ببغداد، خلال اليومين الماضيين.

ويصف وليد الوضع في أول يومين (الجمعة والسبت الماضيين): "رأيت القوات الأمنية منتشرة في ساحة التحرير بشكل سلمي، حتى أن أغلبهم لا يحمل السلاح، لن لا أعلم من هم الذين كانوا على جسر الجمهورية، ربما ميليشيات، إذ كانوا يوجهون رصاصهم نحو المتظاهرين، وقنابل الغاز المسيل للدموع نحو بطونهم ورؤوسهم".

لكن فيما بعد أطلقت القنابل المسيلة للدموع نحو المتظاهرين في الساحة، لينقل وليد منها المصابين أيضاً نحو المستشفيات.

ويخاطر بحياته في هذا الوضع "مجاناً"، يقول "حجم الخطر كبير علينا، ما تقدر تحمي نفسك من الغاز والرصاص، تاخذ الجرحى وتطلع، هذا واجبنا كجماعة التكاتك".

وفي الأيام العادية، يحصل وليد على أجر 1000 (أقل من دولار) دينار مقابل الراكب الواحد، كحد أدنى، وكحد أعلى يصل لـ5 آلاف دينار (4 دولارات).

"البيت كله ألكاه قل علي"

يقول علي الدراجي (27 عاماً)، وهو مدير اتحاد تكتك العراق، إن ينطلق لساحات التظاهر بعد إيصال ابنته الصغيرة للمدرسة، ويعمل حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً، بعدها يرتاح قليلاً ثم يعود مع مجموعة من أصدقائه سائقي التكتك لنقل المتظاهرين، ويستمر بالعمل حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.

يقول ل"ارفع صوتك": "أحياناً تردني اتصالات من شبان أعضاء في الاتحاد، يحتاجون مساعدة في إصلاح التكاتك فأتوجه إليهم".

وفي نهاية اليوم، وبدوره مديراً للاتحاد، يقوم علي بالاطمئنان على السائقين الآخرين سواء من بقي للعمل أو من غادر، ويتفقد إذا كانوا يحتاجون شيئا.

عن وصوله لعائلته المؤلفة من طفليه وزوجته، يقول علي "البيت كله ألكاه قلق علي وينتظرني".

علي الدراجي، تنشر بإذنه

وكمقارنة بين تجربته في موجة التظاهرات الأولى والحالية، يقول علي "شاركت في التظاهرات منذ 1/10، لم يكن حجم التواجد والتعاطف مع المتظاهرين مثل الآن، لكن منذ يوم 25/10 رأيت شعباً شعب يبحث عن وطن، لا يهمه إن مات أو جرح، شعباً ملّ من الجوع والحرمان هواي (جداً)".

هل من مواقف مؤثرة لا تنساها؟ يقول علي "تواجد كبار السن وتواجد النساء لكن أكثر من ذلك، مناظر الشهداء والجرحى، شباب بعمر الورد يُقتلون بدم بارد".

ويتم التنسيق بين سائقي التكتك عبر المجموعة في "فيسبوك" التي يديرها علي. يقول "عملنا مستمر وهو خدمة نقدمها متطوعين، تبدأ بنقل المتظاهرين ونقل الطعام والمشروبات وإخلاء الشهداء والجرحى والتنظيف".

أما محمد (24 عاماً)، وهو من مدينة الصدر أيضاً، استجاب لدعوة أصحاب التكاتك دون تفكير، وهو الولد الوحيد بين خمسة أخوات، لأسرته التي يساعد في إعانتها مادياً.

يقول لـ"ارفع صوتك": "لم أكمل الثالث المتوسط، خرجت من المدرسة بسبب صعوبة الأوضاع. أكثر ما أحصله من أجرة لتوصيلة 3 آلاف دينار (دولاران ونصف) وأقلها 1000 دينار".

صورة محمد من ساحات التظاهر، تُنشر بإذنه

 

وحسب تجربته في موجة التظاهرات الحالية فقط، رأى أن الشرطة بدت "مسالمة" بينما "قوات مكافحة الشغب هي من أطلق الرصاص والغاز المسيل للدموع".

ويحمي نفسه من الغاز عن طريق غسل وجهه بـ"البيبسي" أو استخدام الخميرة.

ومن الرصاص؟ يقول محمد "الله الحافظ".

وفي الوقت الذي لم ينقل فيه متظاهرين، قام محمد بنقل الماء مواد الإسعاف الأولي لهم. وقال "نقلت جرحى أيضاً".

وعن ابن عمّه، وهو سائق تكتك أيضاً، يقول محمد "أحد الجرحى الذين نقلهم توفي داخل التكتك.. ملحكو عليه".

موقف صعب جداً.. يقول محمد "كلش صعبة حال العراقيين.. حالة تبجي (مبكية) وتقهر".

ويضيف محمد من خلال مراسلة معه على "فيسبوك": "ليتكم توصلون صوتنا نحن أصحاب التكاتك، احنه ناس على باب الله، وتتعرض مركباتنا للمصادرة، ولكي نسترجعها، يجب أن ندفع مبالغ كبيرة، أحياناً تصل الغرامة لـ900 ألف دينار".

لماذا يصادرونها؟ يقول محمد "لأن التكتك ممنوع في العراق". وفعلياً تفرض شرطة المرور على جميع أنواع المركبات بما فيها التكاتك، الترخيص والحصول على رقم، ومن لم يقم بذلك يُمنع من العمل أو تُصادر مركبته.

وفي شهر أيار/ مايو 2019، نشرت قناة الغدير هذا التقرير، الذي يُظهر طرفي المعادلة، من الشرطة وسائقي تكتك، علل فيها السائقون عدم ترخيص مركباتهم وتسجيلها في دائرة المرور بأن المسألة "مكلفة جداً وهم لا يملكون المال الكافي لذلك".

وأنهى محمد رسالته بالقول "غداً (الاثنين) إن شاء الله سأعود لنقل متظاهرين، وإذا تمكنت من الدخول سأنقل الجرحى".

وشهدت التظاهرات إصابة عدد من سائقي التكتك، ونقلهم للمستشفيات، حيث تبادل المشاركون في "التشات الجماعي" صور بعض المصابين.

ولاقى سائقو التكتك تعاطفاً شعبياً كبيراً، من خلال كلمات الفخر والمحبة وتبادل الصور والمواقف التي أسرت قلوب العراقيين، منهم الفنان حسام الرسام، الذي أطلق أغنية يحييهم فيها اسمها "أبو التكتك".

 

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

ناقلات نفط تسير في قافلة على طول الطريق السريع بالقرب من مصفاة الدورة للنفط جنوبي بغداد في 2 نوفمبر 2008.
يشمل القرار أيضا تقليص الاستهلاك المحلي للنفط

كشفت وزارة النفط العراقية، الخميس، أنها قامت بتخفيض صادرات البلاد النفطية إلى 3.3 مليون برميل يومياً، بدءاً من 27 أغسطس عام 2024. 

وكشف بيانٌ للوزارة، أن القرار جاء في إطار التزام العراق بقرارات مجموعة "أوبك بلس"، "وتماشياً مع ما تم الاتفاق عليه خلال زيارة الأمين العام لمنظمة أوبك الأخيرة إلى بغداد". 

ويشمل القرار أيضا تقليص الاستهلاك المحلي للنفط.

وفي خطوة إضافية، وافق العراق على تمديد تخفيض الإنتاج الإضافي البالغ 2.2 مليون برميل يومياً حتى نهاية نوفمبر 2024، بالتعاون مع الدول السبع الأخرى الأعضاء في مجموعة أوبك بلس.  

ووفقاً للاتفاق، ستبدأ العودة التدريجية للإنتاج من 1 ديسمبر 2024، وستستمر حتى نوفمبر 2025، مع إمكانية تعديل هذه التعديلات حسب الضرورة.

يهدف هذا الإجراء إلى تحقيق التوازن والاستقرار في سوق النفط العالمية.