من تظاهرات "25 أكتوبر" العراقية- تصوير: زياد متي
من تظاهرات "25 أكتوبر" العراقية- تصوير: زياد متي

حملت إحدى المتظاهرات العراقيات، وترتدي عباءة سوداء وشالاً أسود، ورقة كتبت عليها "وجود النساء ثورة فكرية"، كأنها لخصّت كل ما يمكن قوله إزاء المنع أو السخرية أو التقليل من شأن النساء، اللواتي قررن الخروج لميادين التظاهر إلى جانب الرجال.

 

 

وفي هذه اللحظة "التاريخية" كما وصفها عديد العراقيين في البلاد، يبدو كأن الزمن انتقل لمرحلة جديدة، تقدم فيها المرأة نفسها كما تريد، لتؤكد أنها شريكة للرجل في كل شيء وبكل الطرق الممكنة.

 

 

وأثناء مطالعة صور العراقيات في الاحتجاجات، مطالبات بوطن أفضل للجميع، أحاول نسيان التقارير والقصص ومقاطع الفيديو التي نشرناها في "ارفع صوتك" ونقلت لنا تفاصيل الحياة اليومية لعراقيات داست عليهن القوانين والعادات والتقاليد وأعراف العشائر والتيارات الدينية المتشددة، وأيضاً الإرهاب. 

أحاول لخمس دقائق فقط، أن أتأمل المرحلة المقبلة، دون زواج القاصرات، ودون صفقات "المتعة" التي تقوم بها بعض العائلات لبناتها الصغيرات أو تضطر إلى فعلها بعض النساء لتأمين عيش أطفالهن، ودون حرمان الأخريات من التجربة الجامعية، أو اختيار المجال المهني الذي يشغفها.

هل يمكن ألا نرى في المستقبل شتائم بذيئة وتنمراً وجرائم قتل بحق النساء، فقط بسبب ملابسهن؟

 

 

أستجمع صور وفيديوهات التظاهرات في عقلي، وأبحث فيها عن النساء، لأرى أكثر مما أردت. لسن منفصلات وحيدات بل جنباً إلى جنب، فرادى ومجموعات، مع الرجال، وينكسر بينهم الجليد، بتقديم المساعدة بعضهم/ن لبعض، بمجرد ابتسامة أو عبارة "عاشت إيدك" وربما بنظرة واحدة أمام عدسة الكاميرا.

 

 

 

في مقال يجمع قصائد لشاعرات عراقيات شابّات، كتب الشاعر كاظم خنجر "أن تولد امرأة في مجتمع مغلق كالمجتمع العراقي، القائم على الحرام والحلال والشرف وغيرها... فهذه كارثة، أما أن تمارس الكتابة، وتحديداً الشعر هذا يعني أنّك تتحدّى الكارثة"، يلهمني هذا لاعتبار التظاهرات وكل تعبير تختاره المرأة لنفسها، بأنه أيضاً تحدٍ للكارثة.

 

ويمكنني أن أدعوه "سمواً على الكارثة"، نراه في ضحكة هذه الشابة والطاقة التي تنبعث من وجهها وشد ذراعيها اللتين تحملان العلم العراقي، هذه البهجة بعينها.

حتى العمل الذي يعتبره الكثيرون "بديهياً"  وهو من "أدوار المرأة النمطية" مثل تحضير الطعام وعلاج الجرحى، رأيته في العراق تحدياً وشراكة، حيث قامت به النساء وقام به الرجال أيضاً، الذين تعاونوا في تحضير الطعام أو شرائه للمتظاهرين، وتوزيع الخبز والماء والشطائر والعصير.

وعلى قدر ما كانت ليلة أمس، الاثنين، حافلة بصور وفيديو مقتل وتشييع الشاب الرسام صفاء السراي، على قدر ما بحثت عن شعر مظفر النواب صاحب أشهر عبارة شعرية عن العراق "أن يرجع اللحن عراقياً.. وإن كان حزين"، حيث يعجّ حساب السراي في تويتر بأشعاره. لأصل إلى هذا المقطع من قصيدة "وتريّات ليلية"

قد أعشق ألف امرأة ذات اللحظة

لكنّي أعشق وجه امرأة واحدة

في تلك اللحظة

امرأةً تحملُ خبزاً ودموعاً من بلدي

يرتفع في هذا المقطع الصوت الذكوري عند العاشق، مشابهاً لما نقرأه في قصيدة الشاعر السوري نزار قباني "الرسم بالكلمات"، فعلياً ليس هذا مقصدي الأساس، بل جمالية أن تتحوّل هذه الثنائية لثورة، أن تثور النساء من داخل بيوتهن، ثم يتخطين العتبات، ويقابلن غيرهن من النساء من أمهات وجدّات وشابات وطفلات، وتقتدي الواحدة بالأخرى، ويتصدّر وجه العطاء في مختلف المشاهد.

 

 

وكانت زميلتنا دعاء يوسف، التقت بعدد من النساء العراقيات المتضامنات مع مطالب المتظاهرين لكنهن غير قادرات على المشاركة في الباحات والشوارع العامة، قالت إحداهن "نحن جزء من الشعب العراقي، ولا يوجد شعب في العالم يسمح باستمرار الفساد والبطالة والفقر وتردّي الخدمات دون القيام بثورة أو الانتفاض.." وتقرر بعضهن إمداد المتظاهرين بالطعام.

 

 


 

 

إلى ذلك، كتبت الناشطة العراقية إيناس كريم عبر "فيسبوك"، أن المألوف والمعتاد هو حدوث تحرّش في التجمعات المختلطة، خصوصاً بغداد، لكنه لم يحصل في ساحة التحرير، مضيفة "ذهبت لساحة التحرير مرات عدة، لم أر أو أسمع بحالة تحرّش، على العكس، رأيتُ في سلوك الشباب وعيونهم حرصاً وغيرة، وبمجرد أن تصلنا قنابل الغاز المدمع، يركضون نحونا للمساعدة بتقديم البيبسي والخميرة".

وتضيف "حتى ضحكتهم بوجهنا ضحكة تحسها مليانة احترام وتقدير، بالنسبة الي حسيتها ضحكة فخر وفرح بينا لانه وياهم احنا ودنساندهم".

ربما تلك الضحكات والبساطة والحريّة التي تعيشها بعض النساء داخل مساحات تهددها النيران هي البشارة، ربما يتبعها انتصار للحقوق والمظلومين وأيضاً تفاهم أكبر بين الذكور والإناث، لبناء مجتمع أكثر أمناً واحتواءً للجميع. 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.