من تظاهرات 25 أكتوبر، تصوير: زياد متي
من تظاهرات 25 أكتوبر، تصوير: زياد متي

منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري، يشهد الشارع العراقي انتفاضة ضخمة وعنيفة مناهضة للحكومة.

معالجة قضايا الفقر والبطالة وغياب القانون والفساد وسرقة أموال الشعب، عناوين رئيسية لتظاهرات العراقيين التي تعد الأولى من نوعها في البلاد.

وقتل أكثر من 230 شخصاً إجمالا في الاحتجاجات التي تعصف بالعراق هذا الشهر أغلبيتهم من المتظاهرين سقطوا بالرصاص الحي.

استطلع موقع "ارفع صوتك" آراء مجموعة من العراقيين خاصة الشباب حول مدى ثقتهم بالمسؤولين الحكوميين والسياسيين في البلد.

يقول أسعد علي (27 عاماً)، وهو خريج جامعي عاطل عن العمل، إنه لا يثق إطلاقاً بالمسؤولين الحكوميين ولا بالسياسيين العراقيين وقدرتهم في إحداث تغيير إيجابي.

يضيف "أطالب بتغيير المسؤولين الحكوميين والنظام السياسي والدستور. هؤلاء فشلوا في معالجة قضايانا".

وأوضح أن الشارع العراقي يثور اليوم ضد الحكومة "بعدما طفح الكيل وعجزت هي والحكومات المتعاقبة عن حلحلة المشاكل القائمة".

من جانبه يقول محمد عبدالله، وهو شاب عراقي شارك في التظاهرات، "على مدى 16 سنة سئمنا من خطابات التسويف والتأجيل والوعود بأن غدا سيكون الأفضل لكن ما جرى في بلادي قامت الحكومات بذبح رغيف الخبز أمام عين الفقير وجعلته ينزف أملا إلى أن توفيت كل الآمال ولم يعد أمام هذا الجيل إلا أن يدفع الألم بولادة أمل اسمه حكومة جديدة جلها من الشباب".

ويضيف أن "هذه الوجوه الكالحة التي حكمت العراق لم توصله إلى بر الأمان في كل المجالات السياسية والاقتصادية والصحية والتعليمية وحتى الأمنية التي بدت لعبة بيد بعض السياسيين الذين قاموا ببيع مدن ومحافظات بالكامل لحفنة عصابات فعلت ما لم يفعله هولاكو بالبشر عندما طغى".

"الكل متفق على هذا الشعب"

علي طلال، من الشباب العراقيين المشاركين في التظاهرات، يقول "لم أشعر يوما من الأيام بأني مواطن لأن الحكومة لم توفر أبسط مقومات العيش الرغيد لهذا الشعب. نرى الشباب في بغداد والمحافظات الجنوبية فرغ صبرهم ونزلوا للشارع يطالبون بحقوقهم الدستورية فنحن محرومون من حق التعليم والعيش والسكن والعمل وحرية التعبير".

ويقول "حتى التظاهر السلمي يحاولون سلبنا إياه لأننا على حق فقنابل الدخان وقنابل الغاز المسيل للدموع قتلت المئات من الشباب المتظاهر".

"تسألني عن رأيي بهذه الحكومة!"، يقول طلال، مضيفاً "إنهم فاسدون وغير آبهين بما يجري خلف أسوار المنطقة الخضراء التي يحتكمون عليها، همهم جمع الأموال وعندهم الغاية تبرر الوسيلة، أقولها لك من الآخر فاسد لا يأكل لحم فاسد والكل متفق على هذا الشعب".

ويخلص إلى أن "الشعب فقد الثقة بهذه الحكومات منذ سنوات، لأنهم يعدون باستمرار ومن دون فائدة".

"مرهون بانحسار إيران"

ويشير خبراء إلى أن عدم وجود إصلاحات جذرية يطالب بها العراقيون في بلد يحتل المرتبة 12 في لائحة البلدان الأكثر فسادا في العالم، ليس إلا تأجيلا للمشكلة.

وتؤكد أرقام رسمية إلى أن أكثر من 410 مليار دولار نهبت في 16 عاما.

باسل محمد، وهو باحث عراقي، يقول "هناك عدم ثقة بين جزء واسع من المجتمع وبين النخبة السياسية بدليل هذه الاحتجاجات وتوزيعها، يوجد صراع داخلي بين النخب السياسية وبالتحديد بين التيار الصدري وبين ائتلافات تيار هادي العامري ونوري المالكي".

ورغم ذلك يقول "ولكن هذا لا ينفي أن المشكلة الرئيسية هي بين أغلبية المجتمع  وبين النخبة. الصراع السياسي يبدو مفيدا للمجتمع ومطالبه وحركته".

ويعتقد باسل أن مستقبل الوضع "غامض" نتيجة وجود العامل الإيراني الذي يملك حلفاء في العراق ويعتبر البلد جزءاً من عناصر قوة إيران في المنطقة وهيبة إيران في العالم.

ويؤكد أن معالجة الأوضاع في العراق "مرهون بانحسار العامل الإيراني وتبلور نضج سياسي لدى النخب الحالية لتخطي الأزمة وتطوير أساليبها في إدارة الدولة.. هذا احتمال وارد لكنه ضعيف".

تحسين حقيقي للأوضاع

من جانبه قال فالح نغيمش، وهو باحث اقتصادي وأكاديمي بالجامعة المستنصرية في بغداد "لا يمكن للحكومة أن توجد فرص عمل للعاطلين بين ليلة وضحاها وما الإجراءات التي اتخذتها إلا لتهدئة الأوضاع  وهي حلول ترقيعيه لا ترقى إلى ما يصبو إليه المواطن من مكافحة الفساد وإيجاد فرص عمل ومحاسبة الفاسدين وغيرها".

ويرى أن ما وعدت به الحكومة كان "مجرد ردة فعل، ولا توجد إصلاحات حقيقية كي يتم رفضها من الشارع، بالتالي فإن الوضع يتجه إلى ما لا تحمد عقباه".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "من بين الإشكاليات التي أدت إلى موجة الغضب الأخيرة هيمنة مختلف البضائع الأجنبية المستوردة على السوق العراقي مقابل قتل ومحاربة الصناعات الصغيرة والمتوسطة العراقية، وكذلك القطاع الزراعي. توقفت عجلة الإنتاج المحلي وبذلك ازداد عدد العاطلين وبلغت نسبة البطالة 40% والمشكلة تتفاقم".

ويضيف نغميش أن "الحكومات المتعاقبة منذ 2003 وحتى الآن لم تنجز مشاريعا حقيقة تسهم في حل المشاكل الاقتصادية بل تفاقم سوء الوضع الاقتصادي وكذلك الاجتماعي كما تفشت ظواهر خطيرة لم تكن موجودة بينها انتشار المخدرات".

أما الحل برأيه، فهو "تحسين حقيقي للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي كانت سبباً في هذا الغضب وعدم الثقة بالمسؤولين والسياسيين".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.