من خيم المفارز الطبية
من خيم المفارز الطبية

يواصل الطبيب العراقي الدكتور أياد التميمي وفريقه الطبي الذي أطلق عليه اسم "مفرزة نريد وطن" المكون من أطباء متطوعين وطلبة كليات الطب وتمريضيين، تقديم خدماتهم للمتظاهرين ليل نهار منذ انطلاقة المرحلة الثانية من الاحتجاجات المطلبية في العراق.

وتستقبل مفرزة "نريد وطن" الطبية يومياً أكثر من 20 مصاباً بحالات مختلفة منها الاختناق بسبب التعرض للغاز المسيل للدموع أو الإصابة بالرصاص الحي والرصاص المطاطي، إلى جانب الحالات المرضية.

وقال الدكتور التميمي لـ"ارفع صوتك": "رغم أن جهود وزارة الصحة معروفة عن طريق سيارات الإسعاف المتواجدة في محيط ساحة التحرير وتقوم بنقل الجرحى للمستشفيات، إلا أن صعوبة نقلهم وعدم وجود مفارز داخل الساحة، دفعتنا كأطباء وممرضين وصيادلة للقيام بواجبنا تجاه المتظاهرين، عبر نصب مفارز طبية ميدانية في مواقع قريبة من الحدث، كي تتمكن عربة التك تك من إخلاء الجريح بسرعة وجلبه إلينا لتقديم الإسعافات اللازمة إلى حين نقله للمستشفى إذا كانت إصابته بالغة".

ومفرزة "نريد وطن" في شارع السعدون بين ساحة النصر وساحة التحرير، ليست الوحيدة، إذ يوجد داخل التحرير نفسها 10 مفارز، بالإضافة للمستشفى الميداني الذي أقامته لجنة من المتظاهرين، ويتألف من 22 خيمة فيها 15 طبيباً وطبيبة طبيبا وطبيبة و22 ممرضًا وممرضة ومعاون طبيب.

ويقدم المستشفى الميداني العلاج لكافة الحالات المرضية وأنواع الإصابات، كما يوفر كلاهما (المستشفى والمفارز) الأدوية والمستلزمات الطبية مجاناً للمتظاهرين.

وتعتمد المفارز الطبية على الجهود الذاتية في الحصول على الأدوية والمستلزمات الطبية من تبرعات الناس وشركات المستلزمات الطبية والأدوية، وفق التميمي.

وقال إن المتوفر "غير كاف، فساحة التحرير بحاجة للمزيد من خدمات الأطباء والتمريضيين العراقيين" داعياً زملاء المهنة إلى الالتحاق بالكواد الموجود في ساحة التحرير بعد الانتهاء من العمل الرسمي.

ولا تفارق مخيلة التميمي الصور اليومية للمواطنين البسطاء وهم يقدمون التبرعات للمتظاهرين كل حسب إمكانياته. 

وتابع القول "في إحدى المرات، استفسر سألني أحد المسعفين الشباب ممن يساعدنا في نقل اللوازم الطبية للخط الأمامي: إلى متى ستبقون معنا؟ فأجبته: معكم حتى تحقيق أهدافكم لأن مظاهراتكم سلمية ومطالبكم مشروعة. فعانقني بقوة وقال لي إن (بقاؤكم يرفع معنوياتنا فأنتم تنقذون حياة أصدقائنا يومياً".

وتشهد المفارز الطبية في ساحة التحرير زخماً كبيراً في استقبال عدد الجرحى خلال فترات المساء، لأن الاصطدامات بين المتظاهرين والقوات الأمنية تزيد هذا الوقت، كما يزداد عدد المتظاهرين.

الدكتورة سمر مسلم، طبيبة شابة تعمل يوميا لعدة ساعات في ساحة التحرير، تقول لـ"ارفع صوتك": "رغم اعتراض عائلتي على تواجدي بين المتظاهرين خوفاً من القمع الذي تمارسه الأجهزة الأمنية إلا أنني لم أستطع مقاومة شعور حب الوطن وخدمة المتظاهرين فخرجت لخدمتهم... يجب أن نشارك جميعاً لاستعادة الوطن ونرفع صوتنا ضد الظلم".

والتحقت سمر بالكوادر في التحرير قبل أسبوع، تأتي يومياً بعد انتهاء ساعات دوامها الرسمي. تقول "لدي شعور غامر بالمشاركة والتواجد في التحرير التي تحتضن جميع العراقيين بمختلف ألوانهم ومكوناتهم".

وحسب إحصائيات المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، أسفر استخدام القوات الأمنية العراقية للعنف المفرط ضد المتظاهرين منذ الأول من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي حتى يوم 31 نفس الشهر، عن مقتل أكثر من 265 متظاهراً وإصابة أكثر من 10 آلاف و207 متظاهرين.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية

"جهز نفسك، سنأتي الآن لاصطحابك للمستشفى بسيارة أجرة تاكسي".

كانت هذه بعض كلمات العاملين في خلية أزمة كورونا من أطباء وممرضين في إطار مساعيهم لنقل المصابين بالفيروس للحجر الصحي بدلاً من سيارة إسعاف في ظل القيود التي تفرضها نظرة المجتمع السلبية تجاه المصاب. 

وتفادياً من نظرة المجتمع والإحراجات التي تتعرض لها عائلة المصاب بالوباء يقترح الأطباء الآن زيارة منازلهم ليلاً لأجراء اختبارات الفحص الطبي والتأكد من إصابتهم أو خلوهم من العدوى.

نقل المشتبه بإصابتهم

يتصل الممرض محمد نعمة هاتفيا بالحاجة أم علي (٧٠ عاماً) ليطلب منها تجهيز حالها لأن سيارة الإسعاف ستصل منزلها بعد قليل لتأكد الفحوصات المختبرية من إصابتها بعدوى الفيروس.

ولكن الحاجة تغلق هاتفها قبل أن ينتهي من حديثه، يحاول الممرض الاتصال إلاّ أنه من جديد، لم يكن ثمة رد، ولا جواب غير الصراخ والبكاء. وهنا ركب بصحبة طبيب متخصص سيارة إسعاف قادتهم إلى منزل المصابة، وهو ما يفرضه الحال لنقلها إلى لحجر الصحي.

يرى محمد أن دخول سيارة إسعاف لحي سكني في هذه المرحلة يدفع الناس للقلق والهرب مهما حاولنا تصحيح سوء الفهم. 

ويقول لـ" ارفع صوتك": "عندما وصلنا، وجدنا باب المنزل مقفلاً. وأخبرنا الجيران الذين كانوا يتجمعون أمامه بأن الحاجة وأسرتها استقلوا سيارة وذهبوا لمنزل ابنها الكبير في منطقة أخرى".

بعد ساعتين من الوقت عُثر عليها، وهي تقف بزقاق ضيق من حي شعبي ويتجمع حولها أفراد أسرتها من كبار وصغار وكذلك الجيران الذين كانوا يحاولون توديعها عبرالإمساك بيديها واحتضانها لمرة أخيرة، حسب محمد.

ويوضح أيضا أنه أتصل بالمستشفى لحظتها لأرسال أكثر من سيارة إسعاف دعماً لهم في نقل كل الموجودين، لأن تجمعهم يمكن أن ساهم بنقل عدوى الفيروس. 

وتعد الأحياء الشعبية "مثالية" لانتقال عدوى الوباء، إذ لا يواظب سكانها على التعليمات الوقائية أو حظر التجوال، فضلا عن تعاملهم مع المُصاب بهذا الفيروس كما لو كان بمحنة اجتماعية وليست صحية، مما يعني التقرب منه وزيارته للتقليل من معاناته أيضا باتباع أساليب تعتمد الاتصال المباشر معه.

ورغم تعرض الملاكات الطبية لانتقادات كثيرة وتحديات نقل المشتبه بإصابتهم أو هروبهم، كانت أسرة أم علي، المكونة من ثلاث أبناء وتسعة أحفاد مصابة كلها بالفيروس.

ويشير إلى أن أم علي تمكنت من الشفاء الآن، ولكن ابنها الذي لم يتجاوز (٥٠) عاماً فقد حياته بسبب عدوى الفيروس. 

الحبس بغرفة البيت

في المقابل، يتحدث عادل جمال، الذي يعمل في واحدة من المستوصفات الصحية في البلاد عن إصابة الناس بالهلع بسبب كورونا، وكيف تقوم بعض العوائل بحجر أفرادها في منازلهم ويمتنعون عن إعلام الجهات الصحية على الرغم من عدم التأكد من وجود خطر الفيروس.

 ويقول لـ" ارفع صوتك": "صحيح أن الحجر يجعل العدوى بالفيروس أقل انتشاراً، إلاّ أن الخطر يكمن من ارتياد الأسواق والاختلاط بآخرين من بقية أفراد العوائل نفسها". 

لذا فقد لجأ أحدهم إلى الاتصال بعادل والتبليغ عن وجود عائلة تحبس ابنتهم المشتبه بإصابتها بالفيروس في غرفة بالبيت بينما لا يكف بقية أفرادها من التردد على المتاجر بالحي والاختلاط بالجيران. 

وبعد قليل، وصلت سيارة أجرة تاكسي يركبها طبيب وممرض وممرضة لمنزلهم، حسب عادل.

بداية رفضت العائلة استقبالهم، ولكن بعد محاولات، اقتنع الأب وسمح للممرضة بإجراء الفحوصات لابنته.

ويشير إلى أن الفتاة كانت مصابة بحساسية موسمية فقط، بينما والدها الذي كان يحجر عليها خشية أصابتها بالفيروس كان مصاباً بالوباء حيث لم يكتشف ذلك منذ عودته من إيران الشهر الماضي، وتوقع أن ما بدا عليه من أعراض هي "انفلونزا" بسيطة.

الهروب من منازلهم

كما وتلجأ الكثير من العوائل التي يُشخص اصابة أحد أفردها بالفيروس إلى إقفال هواتفهم النقالة والهروب من منازلهم والامتناع عن إعلام غيرهم.

فبينما كانت مها كريم (٤١عاماً) ترقب من نافذة منزلها توقفت سيارة الإسعاف وهي تنقل جثمان صبي لم يتجاوز عمره (١٥عاماً) مصاباً بالسرطان في زقاق حي لا يخلو من حركة المارة. 

تقول لـ" ارفع صوتك": "الصبي لم يمت لكونه مصاباً بالسرطان، بل بعدوى وباء كورونا، كما وصف الأطباء وضعه بأنه بدون مناعة أو وقاية".

وعقب ذلك طالب الأطباء أسرة الصبي بأجراء الفحوصات المختبرية اللازمة ولكنهم خرجوا من منزلهم، وانقطعت أخبارهم بعد ذلك. 

وتضيف مها التي تعيش في حي شعبي بالعاصمة بغداد "كان ذلك قبل فرض حظر التجوال بيوم في عموم البلاد".