متظاهر قرب البنك المركزي في بغداد، 7 نوفمبر 2019/ ا ف ب
متظاهر قرب البنك المركزي في بغداد، 7 نوفمبر 2019/ ا ف ب

رغم تأييده لمطالب المتظاهرين المشروعة في بغداد ومحافظات وسط وجنوب العراق، الا أن إقليم كردستان يرفض أي تغييرات قد تطال حقوق الكُرد والمكونات الأخرى في الدستور العراقي وكذلك تغيير النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي.

وشهدت العلاقات بين إقليم كردستان والحكومة العراقية الاتحادية، طيلة السنوات الماضية بعد سقوط النظام البعثي، توتراً ملحوظاً وصل خلال فترتي ترأس الحكومة كل من نوري المالكي وحيدر العبادي، إلى الصدامات المسلحة بين قوات البيشمركة والقوات العراقية ومليشيات الحشد الشعبي.

ومع أن أربيل وبغداد خاضتا بدعم من التحالف الدولي الحرب ضد تنظيم داعش وحررتا الأراضي العراقية من التنظيم، الا أن جملة من المشاكل العالقة مثلت عائقاً أمام تقارب الطرفين، من هذه القضايا: ملفات النفط والغاز وحصة الإقليم من موازنة العراق الاتحادية وميزانية قوات البيشمركة ضمن منظومة الدفاع العراقية والمادة 140 من الدستور الخاصة بالمناطق المتنازع عليها بينهما.

لكن العلاقات بين أربيل وبغداد اتخذت منحى آخر منذ تولي رئيس الوزراء العراقي الحالي عادل عبد المهدي رئاسة الوزراء في 24 تشرين الأول/أكتوبر 2018، إذ تحسنت العلاقات بسبب علاقة عبد المهدي الجيدة مع الأطراف السياسية في الإقليم، وتعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، إذ جمعت بينهما محاربة نظام البعث.

وتؤكد قيادة كردستان العراق على أن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تلتزم بتطبيق بنود الدستور الذي صوت عليه غالبية العراقيين في استفتاء شعبي عام 2005، ورغم ذلك تشدد على تمسكها بالدستور باعتباره ضامناً لحقوق مكونات العراق في مقدمتها الأكراد، في حال تطبيقه بالكامل.

وقال النائب السابق عن الحزب الديمقراطي الكردستاني في مجلس النواب العراقي أردلان نوري لـ"ارفع صوتك" إن "إقليم كردستان يؤيد مطالب المتظاهرين المشروعة التي تتوافق مع الدستور العراقي وليس الهادفة للتخريب وزيادة الفجوة بين الإقليم وبغداد".

وأشار نور الدين إلى أن تدهور الأوضاع وزعزعة الاستقرار في بغداد ومدن العراق الأخرى سيؤثر على الإقليم، مضيفاً "أن تعيش قرب النار يعني أن حرارتها ستصلك حتى لو لم تلسعك ألسنة اللهب".

وقال "ما يحصل في بغداد سيؤثر على إقليم كردستان من الناحيتين السياسية والاقتصادية، ما يؤدي لتأخير رواتب الموظفين في الإقليم، وكذلك من المحتمل أن يأتي رئيس وزراء جديد في بغداد لا يكون على نفس المستوى من العلاقة مقارنة بالحالي".

وأعلن الإقليم عن موقفه الرسمي من التظاهرات في العراق ضمن جلسة رئاسة وزراء الإقليم التي عُقدت نهاية الشهر الماضي، وشدد خلالها رئيس وزراء الإقليم مسرور بارزاني على تأييد الإقليم المطالب المشروعة والسلمية للمتظاهرين.

وقال بارازاني في حينه إن "حكومة كردستان ضد اللجوء للعنف من أي جهة كانت، وتدعم رئيس الوزراء عادل عبد المهدي والحزم الإصلاحية التي أعلن عنها".

وأكد على وقوف الإقليم ضد أي مسعى يهدف لتقليص سلطات وحقوق كردستان الدستورية في العراق، وعدم دعم أي تغيير للنظام خارج الأطر والسياقات الدستورية والقانونية وبما يمس النظام الفيدرالي في العراق، مطالباً الكتل الكردستانية كافة برص الصفوف والاتحاد للدفاع عن الحقوق الدستورية للشعب الكُردي.

وأوضح النائب السابق نورالدين أن "جزءاً من سكان الإقليم لا ينظرون لبعض من مطالب المتظاهرين على أنها مشروعة، مثل تغيير شكل النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي، لأن هذا التغيير سيعيدنا إلى النظام السابق ويعيد الدكتاتورية للعراق، بالإضافة لإجراء تعديلات على المادة 140 من الدستور".

وعلى ما يبدو، هناك اتفاق بين العراقيين في كردستان وقيادتهم، من ناحية عدم مساس أي من التغييرات التي قد تشهدها البلاد بحقوق الكُرد الدستورية، وفي نفس الوقت يرون أن الحكومة الاتحادية لم تتمكن من تقديم أبسط الحقوق للعراقيين منذ سقوط نظام صدام حسين.

يقول ناظم محمد من مدينة أربيل لـ"ارفع صوتك": "نتضامن مع المتظاهرين الموجودين في بغداد، فغالبية مطالبهم مشروعة، لا لبغداد فقط بل للعراق كافة".

ورأى أن عبد المهدي كرئيس وزراء هو "المسؤول الرئيس عن تفاقم الأوضاع واستمرار العنف المفرط  بحق المتظاهرين" مضيفاً "ما يحصل هو نتاج تراكمي لسنوات طويلة  والحل يبدأ بالحوار، وإيقاف العنف والاستجابة لمطالب المتظاهرين".

من جهته، دعا عمر كريم من محافظة السليمانية المتظاهرين إلى "الالتزام بالسلمية وعدم الانجرار إلى المواجهات المسلحة مهما حاولت القوات الأمنية والسلطات تنفيذ ذلك".

وقال إن  "الحكومة تروّج للعالم على أن التظاهرات غير سلمية لتحصل على شرعية إنهائها، بالتالي يجب أن يحافظ المتظاهرون على السلمية دائماً فقد بدأت أصواتهم ومطالبهم المشروعة تصل العالم والمجتمع الدولي بدأ يتحرك لدعمهم".

ووصف كريم رد الحكومة على المتظاهرين بأنه "سيء جداً".

ورغم تأييد سامان إسماعيل من محافظة دهوك للمتظاهرين، إلا أنه يخشى تدهور الأوضاع الأمنية في العراق وتأثيرها على كردستان.

وقال لـ"ارفع صوتك": "أتمنى أن تكون النهاية لصالح الشعب العراقي بشكل عام فقد عانينا ما عانيناه خلال السنوات الماضية قبل عام 2003 وبعده، وأخشى أن نفقد الاستقرار الذي نتمتع به حالياً في ظل القمع الذي تمارسه السلطات في بغداد، خاصة أن غالبية دول الشرق الأوسط تعيش حالة من الغليان الجماهيري والحروب الأهلية".

في غضون ذلك تستبعد الناشطة المدنية تارا سمير تمكن أي جهة أو تيار سياسي من المس بالحقوق الدستورية لكردستان العراق.

وبينت تارا "بحسب المادة 126 من الدستور العراقي لا يجوز إجراء أي تعديل على مواد الدستور، من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلةً ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني أي (برلمان كردستان)، وموافقة أغلبية سكانه باستفتاءٍ عام".

بالتالي هذه الفقرة من الدستور بمثابة "حماية لكل الحقوق التي يتمتع بها الأكراد" وفق تارا. وترى أن الدستور الجديد -في حال تم التعديل- يجب أن يضمن حقوق كافة المكونات العراقية.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.