أعضاء البرلمان العراقي يصوتون بالموافقة على أحد القرارات/وكالة الصحافة الفرنسية
أعضاء البرلمان العراقي يصوتون بالموافقة على أحد القرارات/وكالة الصحافة الفرنسية

اتفق أكاديميون وصحفيون وباحثون عراقيون على أن النظام الحالي في العراق، الذي تشكل منذ دستور 2005، لم ينتج سوى "دولة فاشلة". وهو السبب الرئيس للاحتجاجات المستمرة منذ مطلع أكتوبر الماضي.

ودعوا إلى تغيير شكل نظام المحاصصة الطائفية الحالي والاستجابة لمطالب المتظاهرين.

وتتواصل التظاهرات الشعبية الضخمة التي تطالب بـ"اسقاط النظام" على خلفية تردي الأوضاع المعيشية، رغم اتفاق كتل سياسية عراقية كبرى على وضع حد للاحتجاجات، في وقت يتهم المحتجون السلطات وجماعات مسلحة بالولاء لإيران التي يعتبرونها مهندس النظام السياسي في البلد.

وبموازاة ذلك، صعدت السلطات من عمليات قمع المتظاهرين وفرضت مطلع الأسبوع إجراءات مشددة في ظل انقطاع الإنترنت وحجب شبكات التواصل الاجتماعي.

ونظام الحكم القائم في العراق برلماني جاء به دستور البلاد لعام 2005.

وفي أكتوبر الماضي صوت مجلس النواب العراقي على تشكيل لجنة لتعديل الدستور على أن تقدم توصياتها خلال أربعة أشهر.

وقالت اللجنة في بيان لها مطلع نوفمبر الجاري إن أهم مقترحات تعديل الدستور التي ستكون محل نقاش هي "تحديد النظام (برلماني أم رئاسي)، والمادة 76 المتعلقة بالكتلة الأكبر، وكذلك بالنسبة للمحافظين ومجالس المحافظات وانتخابهم. هل المحافظ ينتخب مباشرة من الشعب أم من مجلس المحافظة، وتحديد مصير مجالس المحافظات واعدادهم في حال تم الاتفاق على إبقائها".

وستتم أيضا مناقشة قانون الانتخابات، وقانون النفط والغاز المملوك للشعب العراقي وما إذا كان يحتاج تفصيل أكثر أم لا.

وتتشابه هذه النقاط مع بنود الورقة التي دعت الامم المتحدة إلى تطبيقها خلال الفترة القصيرة المقبلة، خاصة فيما يتعلق بتعديل الدستور وقانون الانتخابات وقانون النفط والغاز.

غير صديق للمجتمع

يقول صلاح العرباوي، وهو معارض سياسي عراقي وأكاديمي في فلسفة القانون العام إن النظام الحالي لم ينتج دولة حقيقية. "الوصف الحقيقي للدولة الآن دولة فاشلة لأنها عاجزة عن القيام بوظائفها".

ويضيف في تصريح لـ(ارفع صوتك): "هذا النظام غير صديق للمجتمع. هو تقليد ومحاكاة لأنظمة أخرى وبعيد عن البيئة العراقية ولم يأخذ بنظر الاعتبار سيكولوجية المجتمع العراقي. وقد كتب هذا النظام بقلق شيعي من عودة الدكتاتورية وبحلم كردي بالدولة القومية وأمل سني بالعودة للحاكمية".

ويعتقد العرباوي أن النظام الأنسب للبلاد هو البرلمانية المتطورة، "بمعنى لا بد من عقلنة وعرقنة (من العراق) البرلمانية وهذا الحل يأخذ بنظر الاعتبار التاريخ السياسي والدستوري للعراق".

ومن أجل ذلك، يطالب بتعديل الدستور وجعل الرئيس منتخبا من الشعب مباشرة (دور القائد)، وجعل الحكومة معينة من قبل الرئيس.

موقف صعب

من جانبه، قال الأكاديمي العراقي قصي الحياتي، وهو أخصائي في علم الاجتماع، إن النظام الحالي قام بدور معين في أوقات محددة لكنه يحتاج إلى تعديل وتطوير كي يتلاءم مع حاجات الدولة والمجتمع.

وأكد لـ(ارفع صوتك): "النظام الحالي ينقصه جوانب متعددة في رسم السياسات الاقتصادية طويلة المدى...النظام مخترق بصفقات فساد كبيرة تنهش مؤسسات الدولة وتنخرها".

ويرى الحياتي أن الموضوع لا يتعلق بـ"حكم شيعي" أو "حكم سني". "الموضوع متعلق بشعور السياسي تجاه الوطن وولائه وهويته... من المقدم لديه الدولة والمواطن أم مصالحه الشخصية ومصالح حزبه".

وقال الحياتي إن العراق "في موقف صعب جدا حاليا". لان "الحكومة بسلطاتها الثلاث غير قادرة على تنظيف نفسها، فكيف تفكر في تنظيف النظام بما يخدم المواطن".

العلمانية هي الحل!

وتعتقد نور علي، وهي باحثة عراقية، أن النظام العلماني وفصل الدين عن السياسة وعدم تدخل رجال الدين في سياسة البلد هو المخرج المناسب للعراق.

وتقول لـ(ارفع صوتك): "لدينا طاقات شبابية عظيمة نحتاج إيصالها إلى أماكن صنع القرار. لا نريد دولة المحاصصة، نريد أن يحكمنا شخص ولد من رحم المعاناة والفقر".

وفوق ذلك تطالب بتقديم كل من تسبب بقتل المتظاهرين للعدالة ومحاكمتهم دوليا.

بدوره، قال علي عبد القادر وهو ناشط عراقي إن المطلوب هو "دولة مدنية حديثة للخروج من المأزق الراهن".

الخلل في الطبقة السياسية

"جميع الحكومات السابقة وحتى الحالية خضعت للمحاصصة الطائفية والحزبية ولَم يكن هناك أي دور حقيقي للبرلمان. حكومات توافقية ضعيفة بنيت على تقاسم المناصب والمغانم، وتم تغييب دور المعارضة تماما، وهذا أحد أهم أسباب فشل النظام"، قال الصحافي العراقي عمر الجنابي.

ويؤكد الجنابي أن النظام الحالي عاجز عن تشكيل حكومة قوية وأن حكومة عادل عبد المهدي "غير الشرعية" مثال للفوضى التي يشهدها النظام في العراق.

ويوضح عمر الجنابي لـ(ارفع صوتك) أن النظام الحالي "كان ومازال في عزلة تامة عن الشعب والمجتمع العراقي. هناك فجوة كبيرة بين المنطقة الخضراء وباقي أجزاء ومناطق العراق...".

وأيا كان النظام الذي سيذهب إليه العراق في الفترة المقبلة، يرى عمر الجنابي ضرورة توفر ضمانات ودعم دولي لأي مرحلة قادمة إذا أريد لها النجاح.

"الخلل ليس في شكل النظام وإنما في الطبقة السياسية داخل النظام التي تسير بالبلاد نحو الهاوية" على حد تعبير عمر الجنابي.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.