كتبت الشاعرة العراقية نورس الجابري، صاحبة ديوان "في حنجرتي طائر منسي" بداية الموجة الثانية من التظاهرات العراقية، التي أطلق عليها "ثورة تشرين" هذه القصيدة:
حين ينطق الدم
تبدأ الثورة،
سباق رصاص و عناق الموت
الرصاص أعمى
لا يفتش إلا في جسد الضحية
ولا ينبت في حديقة الوطن
غير أسلاك شائكة
و أفاع تنزع جلدها لتتلون كل يوم
بينما الأشجار تجهض أوراقها
بدافع العزلة
والتحرر
يكبر ظل الأمهات
وهو يحتضن الجثث الذابلة
ومنذ بداية هذه التظاهرات في 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تشارك نورس (26 عاماً) كمسعفة في مستشفى الشيخ زايد ضمن المناوبة الليلية، وبعد انتهائها في الصباح الباكر تنطلق نحو مهمة أخرى كمتطوعة في المفارز الطبية داخل ساحات التظاهر.
وتعمل نورس في المستشفى التابعة لوزارة الصحة كأخصائية بصريات. تقول لـ"ارفع صوتك": "ذهبت للتحرير بشكل مدني أول مرة لكن مع الوقت عرفت أن باستطاعتي تقديم المساعدة، خصوصاً بعد سحبنا من المستشفيات كمتطوعين في إسعاف المتظاهرين والطوارئ".
وعن هذه التجربة اليومية تقول الشاعرة "كنت على احتكاك مع الموت والعنف بشكل مباشر، كنت ألمسه بيدي وأبعده عن الآخرين لو استطعت وكنت أفشل في ذلك إذ تكون يده أقوى.. للأسف".
وأكدت يوم السبت الماضي، على تعرّض المفارز الطبية للقمع، بقولها "اليوم تم ضرب مفرزتنا الطبية (مفرزة مستشفى الشيخ زايد) من قبل قوات الشغب في ساحة الخلاني".
وكانت نورس متواجدة في ساحة الخلاني آنذاك، حيث شهد المكان الوقائع الأعنف خلال اليومين الماضيين بالتزامن مع حجب خدمة الإنترنت عن البلاد.
وعن ذلك توضح لـ"ارفع صوتك": "ما شاهدته في ساحة الخلاني كان مرعباً ووحشياً لدرجة كبيرة.. كيف أنقذ الآخرين وأنا عاجزة عن إنقاذ نفسي!".
وقام عناصر من قوات مكافحة الشغب بالدخول للمفرزة الطبية التي تعمل بها نورس وضربوا المكان وسيارة الإسعاف بالقنابل الصوتية، كما حاولوا إحراق المفرزة، واختطفوا اثنين من المسعفين ثم أطلقو سراحهما، فيما نجت هي والبقيّة بعد ملاحقة طويلة ورمي بالرصاص الحي، وفق قولها.
ونقلت شهادتها العينية من خلال مشاعرها الشخصية بالرعب والهرب من الموت وفقدان الثقة بأي مساعدة حتى الوصول إلى تجمع بعض سائقي التكتك لتصل عبر إحدى المركبات لساحة التحرير.
ورغم كل ذلك، ونجاتها بالكاد من الموت مرتين، كما قالت نورس، إلا أنها عادت مجدداً لعملها اليومي بين المستشفى ومفرزة طبية أخرى، حيث المذكورة في ساحة الخلاني صارت بيد مكافحة الشغب.
وعن مشاهداتها يوم أمس الاثنين، تقول نورس إن أعداد المتظاهرين في ازدياد خصوصاً بعد نداءات المتظاهرين للناس في بيوتهم من أجل الانضمام كي لا يتم إخماد ثورتهم، ولكن هذه المرة تشدد الأغلبية على التحشيد داخل ساحة التحرير والابتعاد عن الجسور من أجل تفادي خسارة المزيد من الأرواح.
وتضيف نورس "بعد إسعاف المصابين والجرحى، يبقون في ساحة التحرير ويرفضون العودة لبيوتهم" متابعة "تسألين الواحد منهم (هل سترجع؟) فيجيبك (لماذا؟ هل استقالت الحكومة لأعود؟..هذا الإصرار والوعي عندهم عجيب".
وتخبرنا عن طفل عمره 9 أعوام، عالجته، أمس الاثنين، عند جرف دجلة "قلت له لا تذهب لناحية قوات الشغب فقال لي (سأذهب) سألته (لا تخاف الموت؟) قال "لا أخاف).. تخيلي!".
وعبر منشوراتها العامة في فيسبوك، تنقل نورس بين الحين والآخر يومياتها وآمالها في ما يمكن تحقيقه عبر "ثورة تشرين"، منها ما كتبته عن مشاركة النساء من داخل بيوتهن في إعداد الطعام، ودعم المشاركة الطلابية، والتحذير من ترك مبنى المطعم التركي ورفض محاولة الدخول للمنطقة الخضراء وحث المتظاهرين على البقاء في الاعتصام السلمي داخل ساحة التحرير وتزويد المتظاهرين بالأقنعة الواقية من مسيل الدموع والطعام، كتبت نورس ونشرت الصور.
ومن يومياتها في إسعاف المصابين كتبت نورس عن شابة عراقية تنكرت بثياب الشبّان، قائلة "أمس (31 تشرين الأول) في المستشفى وصلتنا حالات اختناق وإصابات بالرصاص وغيرها، من بينها حالة دخلت الطوارئ وكانت تحتاج تخطيطاً للقلب، وحين اقتربت منها وجدت أنها فتاة لكن ترتدي ثياب رجال، وتخبئ شعرها، وحين استعادت وعيها سألتها لم فعلت ذلك، فقالت لي (أخي استشهد واليوم أنا مكانه".
وتحدثت عن التبرعات من مغتربين عراقيين وأصدقاء مقيمين في الخارج لصالح المتظاهرين، مثل "صديقة سعودية جمعت وأرسلت 5 آلاف دولار، وعراقية مهاجرة بعثت 1500 دولار هي كل ما تملك، وأخرى في بغداد ترسل النقود عن طريق أحد المتظاهرين".
كما كتبت نورس عن تعامل الرجال مع النساء في ساحات التظاهر من خلال تجربتها الشخصية، قائلة "ممتنة منك يدي التي لا تقوى على فتح قنينة الماء فتطلب أن تساعدني بهذا وأنت تستشنق الهواء بصعوبة تحت الأوكسجين !! ممتنة منك وأنت تحمل الأدوية لأنك تجدها ثقيلة علي.. ممتنة منك وانت تغسل وجهي من تأثير الغاز وتخبرني بأنني اشجع من ألف رجل، تمسك بيدي وتقول يمكنك إنقاذ المزيد".
ووصفت نورس حال الشابات المتطوعات في إسعاف الجرحى والمصابين، ونشرت صوراً لها معهن، قائلة "هؤلاء الفتيات لسن شجاعات فقط، بل عظيمات وعراقيات جدا. أخجل من خوفي أمامهن، فهنّ مستعدات للموت لإنقاذ حياة الآخرين".
ومن بين الشابات كانت واحدة بعمر العشرين، أعربت لنورس عن خوفها في أحلك اللحظات التي عشنها يوم الأحد الماضي.
ونشرت هذا الفيديو، وتظهر فيه مسعفة شابة تقف في مقدمة سيارة إسعاف مسرعة جداً باتجاه المتظاهرين.
نورس، عندك أمل؟ تقول "جداً... الأمل ينبعث من أصغر طفل بيننا، نحن مهددون، في حال انتهى كل شيء دون تحقيق مطالبنا، سيتم سجننا لمدة تصل 20 عاماً هذا إذا ما لم يتم إعدامنا أو اغتيالنا".
وتتابع الشاعرة التي حصلت على جائزة الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين في مسابقة نتاجات الأدباء الشباب 2018 "هي حياة واحدة، نعيشها بكرامة أو نموت".
