الشاعرة نورس الجابري/ الصورة من صفحتها في فيسبوك
الشاعرة نورس الجابري/ الصورة من صفحتها في فيسبوك

كتبت الشاعرة العراقية نورس الجابري، صاحبة ديوان "في حنجرتي طائر منسي" بداية الموجة الثانية من التظاهرات العراقية، التي أطلق عليها "ثورة تشرين" هذه القصيدة:

حين ينطق الدم
تبدأ الثورة،
سباق رصاص و عناق الموت
الرصاص أعمى
لا يفتش إلا في جسد الضحية
ولا ينبت في حديقة الوطن
غير أسلاك شائكة
و أفاع تنزع جلدها لتتلون كل يوم
بينما الأشجار تجهض أوراقها
بدافع العزلة
والتحرر
يكبر ظل الأمهات
وهو يحتضن الجثث الذابلة

ومنذ بداية هذه التظاهرات في 25 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تشارك نورس (26 عاماً) كمسعفة في مستشفى الشيخ زايد ضمن المناوبة الليلية، وبعد انتهائها في الصباح الباكر تنطلق نحو مهمة أخرى كمتطوعة في المفارز الطبية داخل ساحات التظاهر.

وتعمل نورس في المستشفى التابعة لوزارة الصحة كأخصائية بصريات. تقول لـ"ارفع صوتك": "ذهبت للتحرير بشكل مدني أول مرة لكن مع الوقت عرفت أن باستطاعتي تقديم المساعدة، خصوصاً بعد سحبنا من المستشفيات كمتطوعين في إسعاف المتظاهرين والطوارئ".

وعن هذه التجربة اليومية تقول الشاعرة "كنت على احتكاك مع الموت والعنف بشكل مباشر، كنت ألمسه بيدي وأبعده عن الآخرين لو استطعت وكنت أفشل في ذلك إذ تكون يده أقوى.. للأسف". 

وأكدت يوم السبت الماضي، على تعرّض المفارز الطبية للقمع، بقولها "اليوم تم ضرب مفرزتنا الطبية (مفرزة مستشفى الشيخ زايد) من قبل قوات الشغب في ساحة الخلاني".

وكانت نورس متواجدة في ساحة الخلاني آنذاك، حيث شهد المكان الوقائع الأعنف خلال اليومين الماضيين بالتزامن مع حجب خدمة الإنترنت عن البلاد.

وعن ذلك توضح لـ"ارفع صوتك": "ما شاهدته في ساحة الخلاني كان مرعباً ووحشياً لدرجة كبيرة.. كيف أنقذ الآخرين وأنا عاجزة عن إنقاذ نفسي!".

وقام عناصر من قوات مكافحة الشغب بالدخول للمفرزة الطبية التي تعمل بها نورس وضربوا المكان وسيارة الإسعاف بالقنابل الصوتية، كما حاولوا إحراق المفرزة، واختطفوا اثنين من المسعفين ثم أطلقو سراحهما، فيما نجت هي والبقيّة بعد ملاحقة طويلة ورمي بالرصاص الحي، وفق قولها.

ونقلت شهادتها العينية من خلال مشاعرها الشخصية بالرعب والهرب من الموت وفقدان الثقة بأي مساعدة حتى الوصول إلى تجمع بعض سائقي التكتك لتصل عبر إحدى المركبات لساحة التحرير.

ورغم كل ذلك، ونجاتها بالكاد من الموت مرتين، كما قالت نورس، إلا أنها عادت مجدداً لعملها اليومي بين المستشفى ومفرزة طبية أخرى، حيث المذكورة في ساحة الخلاني صارت بيد مكافحة الشغب. 

وعن مشاهداتها يوم أمس الاثنين، تقول نورس إن أعداد المتظاهرين في ازدياد خصوصاً بعد نداءات المتظاهرين للناس في بيوتهم من أجل الانضمام كي لا يتم إخماد ثورتهم، ولكن هذه المرة تشدد الأغلبية على التحشيد داخل ساحة التحرير والابتعاد عن الجسور من أجل تفادي خسارة المزيد من الأرواح. 

وتضيف نورس "بعد إسعاف المصابين والجرحى، يبقون في ساحة التحرير ويرفضون العودة لبيوتهم" متابعة "تسألين الواحد منهم (هل سترجع؟) فيجيبك (لماذا؟ هل استقالت الحكومة لأعود؟..هذا الإصرار والوعي عندهم عجيب".

وتخبرنا عن طفل عمره 9 أعوام، عالجته، أمس الاثنين، عند جرف دجلة "قلت له لا تذهب لناحية قوات الشغب فقال لي (سأذهب) سألته (لا تخاف الموت؟) قال "لا أخاف).. تخيلي!".

وعبر منشوراتها العامة في فيسبوك، تنقل نورس بين الحين والآخر يومياتها وآمالها في ما يمكن تحقيقه عبر "ثورة تشرين"، منها ما كتبته عن مشاركة النساء من داخل بيوتهن في إعداد الطعام، ودعم المشاركة الطلابية، والتحذير من ترك مبنى المطعم التركي ورفض محاولة الدخول للمنطقة الخضراء وحث المتظاهرين على البقاء في الاعتصام السلمي داخل ساحة التحرير وتزويد المتظاهرين بالأقنعة الواقية من مسيل الدموع والطعام، كتبت نورس ونشرت الصور. 

ومن يومياتها في إسعاف المصابين كتبت نورس عن شابة عراقية تنكرت بثياب الشبّان، قائلة "أمس (31 تشرين الأول) في المستشفى وصلتنا حالات اختناق وإصابات بالرصاص وغيرها، من بينها حالة دخلت الطوارئ وكانت تحتاج تخطيطاً للقلب، وحين اقتربت منها وجدت أنها فتاة لكن ترتدي ثياب رجال، وتخبئ شعرها، وحين استعادت وعيها سألتها لم فعلت ذلك، فقالت لي (أخي استشهد واليوم أنا مكانه".

 

وتحدثت عن التبرعات من مغتربين عراقيين وأصدقاء مقيمين في الخارج لصالح المتظاهرين، مثل "صديقة سعودية جمعت وأرسلت 5 آلاف دولار، وعراقية مهاجرة بعثت 1500 دولار هي كل ما تملك، وأخرى في بغداد ترسل النقود عن طريق أحد المتظاهرين".

 

 

كما كتبت نورس عن تعامل الرجال مع النساء في ساحات التظاهر من خلال تجربتها الشخصية، قائلة "ممتنة منك يدي التي لا تقوى على فتح قنينة الماء فتطلب أن تساعدني بهذا وأنت تستشنق الهواء بصعوبة تحت الأوكسجين !! ممتنة منك وأنت تحمل الأدوية لأنك تجدها ثقيلة علي.. ممتنة منك وانت تغسل وجهي من تأثير الغاز وتخبرني بأنني اشجع من ألف رجل، تمسك بيدي وتقول يمكنك إنقاذ المزيد".

ووصفت نورس حال الشابات المتطوعات في إسعاف الجرحى والمصابين، ونشرت صوراً لها معهن، قائلة "هؤلاء الفتيات لسن شجاعات فقط، بل عظيمات وعراقيات جدا. أخجل من خوفي أمامهن، فهنّ مستعدات للموت لإنقاذ حياة الآخرين".

ومن بين الشابات كانت واحدة بعمر العشرين، أعربت لنورس عن خوفها في أحلك اللحظات التي عشنها يوم الأحد الماضي.

ونشرت هذا الفيديو، وتظهر فيه مسعفة شابة تقف في مقدمة سيارة إسعاف مسرعة جداً باتجاه المتظاهرين.

نورس، عندك أمل؟ تقول "جداً... الأمل ينبعث من أصغر طفل بيننا، نحن مهددون، في حال انتهى كل شيء دون تحقيق مطالبنا، سيتم سجننا لمدة تصل 20 عاماً هذا إذا ما لم يتم إعدامنا أو اغتيالنا".

وتتابع الشاعرة التي حصلت على جائزة الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين في مسابقة نتاجات الأدباء الشباب 2018  "هي حياة واحدة، نعيشها بكرامة أو نموت".

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.