كانت الثورة ولا تزال مفردة مُلهمة، وصاحبة كاريزما، وكل فعل مدفوع بالإيثار والقوة والشجاعة فيها يصبح رمزاً، وقادرة على منح القداسة والهيبة لقائدها أو المشاركين المتفانين فيها.
للثورة أغانيها وأشعارها ومنظرّوها وألوانها وتفاصيل أخرى قد تعيش زمناً طويلاً بعدها، حتى إذا فشل حُكم الثوار بعدها أو ارتكبوا المجازر (البلشفية نموذجاً).
وبمراقبة ثورات اليوم في لبنان والعراق، وأسميها كذلك لأن أصحابها اختاروا هذا الاسم بعد نعتها بالانتفاضات في بدايتها، نقرأ الكثير من النقد بجانب التأييد، وأبرز الانتقادات تتعلق في ماهيتها والتشكيك في ثوريتها، بحكم أن ما يجري فيها لا يشبه الثورات أو لا يسير باتجاه ثوري ممنهج.
نيابة عن الثورة العراقية أقول: هي لا ولن تفشل بحوله تعالى، فهي منذ الان قد نجحت لانها أربكت كل النوايا الحقودة التي لطالما سعت لتفريق الشعب وصعقت كل العملاء بتفانيها وتضحياتها المستمرة، وأعلم أن أعظم الثورات من لم يكن لها قائد منحاز لحزب بل من كان يقودها الشعب بالكامل
— Rand Ali (@WitteTulp89) November 10, 2019
وهذا ليس جديداً، فثورة "25 يناير" 2011 في مصر تعرضت للنقد الشديد من كتاب ومن مثقفين ومناضلين سابقين في أحزاب سياسية، حتى ظهر مسمّى "الشباب الطاهر" على المشاركين في الثورة الذين "التزموا" وفق جماعة ما، بمعايير الثورة الصحيحة واعتبر ضمنياً أن البقية "غير طاهر" أو "شوّه الثورة" معتمدين في ذلك على عدة حوادث ومشاهدات باعتبارها لا تمثل "الثورة الحقيقية".
ثوره يناير طبعا ثوره لمدة 24 ساعه ..الشباب الطاهر نزل وهتف وعمل اللى عليه فى كتاب الثورات..وفجأه ظهر النشطاء والاخوان ..واخيرا اوباما ناووو
— Iman Elnahas (@imanahas) August 14, 2014
وإذ يرى البعض أن الثورات التي اندلعت في عدة دول عربية عام 2011 "فشلت"، فإنه دليله اليوم ليتوقع "فشل" الحالية.
لقد رأينا ما نتيجة أن تقود الجماهير الثورة و ليس النخب و ما حدث في بلدان الربيع العربي دليل كافي .هذه مؤامرة و ليست ثورة
— وهب النقيب (@mDYEqoxWgLolaWk) November 11, 2019
وما حصل في ثورات "الربيع العربي" يتكرر اليوم أيضاً، وهو ادّعاء بعض السياسيين والمتنفذين في السلطة الوقوف بجانب الفئات الشعبية المتظاهرة وودعموا مطالبهم، وسمحوا لأنفسهم بالقول إنهم يحمون مطالب المتظاهرين وحق التظاهر السلمي لقرّوا بالضرورة ببطلان حق متظاهرين آخرين رأوا أن أفعالهم لا تتلاءم والثورة.
وربما أحدث ما نقتبسه في هذا السياق، موقف الناطق باسم القوات المسلحة العراقية، اللواء عبدالكريم خلف، سواء عبر تصريحاته ومؤتمره الصحافي الأخير، أو من خلال تغريداته في تويتر:
الحريص على شعبة لا يترك الميدان ويبقى سيفا ضد الجريمة والمجرمين،اما المتظاهر السلمي فهو ابن العراق الذي يسعى لحياة افضل ولديه خلق في الحديث،وكما يقال الكلام صفة المتكلم،البيت والاسرة هي المنبع والديث يعكس تربية الاسرة ومكانتها الاجتماعية،والقذاره لا تنتج الا القذارة.للمحترمين فقط
— عبدالكريم خلف (@akklaph) October 31, 2019
وفي لبنان، يظهر الوزير الأكثر تعرضاً للنقد من قبل المتظاهرين، مدافعاً عن مطالبهم. والمتابع لتغريدات جبران باسيل في تويتر يشعر أنه يتحدث من داخل ساحة "رياض الصلح" في بيروت.
كما يستخدم مصطلح "الشباب الطيبين" ليصف المتظاهرين الذين تتواءم ثورتهم ومفاهيمه، وهو في ذلك يعيدنا إلى "الشباب الطاهر" المذكور آنفاً في مصر.
واثق ان الناس الطيبين يريدون الاستقرار والاصلاح معاً في حمى الدولة والحرية، حرية التظاهر والتنقل معاً.كل نقطة دم تسقط تدمينا وتنبّهنا بأن لا يجرّنا أحد الى الفوضى والفتنة.اللحظة الآن لتشكيل حكومة تستجيب للناس وتكسب ثقة البرلمان، والاتصالات تبلورت ايجابياً.لا يجب ان تضيع الفرصة!GB
— Gebran Bassil (@Gebran_Bassil) November 13, 2019
نتعرّض لحملات بدأها الناس الطيبون "بكلّن" وانهاها المحرّكون الأساسيون فينا، وانتقلنا من "كلّن" الى "لوحدن" لأن الهدف من الأساس هو اسقاط العهد والحذف السياسي "بس أنا بقلّكن أنّو ما حدا بيقدر يلغينا لأنّو نحنا شعب.. واكثر شي بيحذفونا جسدياً والشعب بيكمّل وما في شي بيوقّفنا"
— Gebran Bassil (@Gebran_Bassil) November 3, 2019
وبين جلد الثورات إما بالتقليل من شأنها وفردانتيها أو باتهام أصحابها بتلقي أموال لخدمة أجندات خارجية، ومحاولة احتوائها من قبل الطبقة الحاكمة التي تواجهها باقتراحات إصلاحية أو بثورة مضادة، يكون المرجع عادة نماذج ثورية منذ عقود وسنوات بعيدة، أبرزها الثورة الروسية (البلشفية) عام 1917، والفرنسية (14 تموز) عام 1789.
وإذا كانت المقارنة تظلم أحياناً وربما تحد من استشرافنا للآفاق التي ما زالت تتسع، فإن تلك النماذج مهمة للاستفادة ربما، وللاعبين في الميادين الحق في تحديد ما يريدون منه، وإدراك الفروقات في الثقافات والظروف والعناصر التي تؤدي دوراً في تجييش المتظاهرين ومحاولة توحيدهم في إطار المصلحة العامة.
وفي منشورات من مواقع التواصل، في لبنان، نقرأ بعض الجدل بين منتقدي الثورة وحتى من يرفض تسميتها كذلك، وبين مؤيديها والساخرين من قراءة أحداثها بعين الماضي.
"الثورة مش رقص وهز كتاف.. الثورة إيمان ومبدأ"
الثورة مش رقص وهز كتاف.. الثورة مش بسط وفرح شخصي وتغيير جو..الثورة ايمان ومبدأ وموقف ومطلب ورأي واحد ما بيتجزأ.. الثورة عنوان كبير بينقرأ بس بلغة واحدة..❤️أصغرهم يطالب بالثوره#_Aynour pic.twitter.com/q0tm0i36w5
— cedra lhaj &Aynour (@CedraLhaj) October 27, 2019
مسموح ومبرر لقطاع الطرق إذلال الناس وإهانتهم والتعرض لهم تحت عناوين خاوية تسمى ثورة وتحت مرأى ومسمع الأجهزة الأمنية..."
مسموح ومبرر ل #قطاع_الطرق إذلال الناس وإهانتهم والتعرض لهم تحت عناوين خاوية تسمى ثورة وتحت مرأى ومسمع الأجهزة الأمنية،أما أن يدافع الناس عن أنفسهم وحقهم بالمرور ورفضهم لسلطة الأمر الواقع يعني إجهاضا للثورة ودعما للفاسدين.بينكم وبين الثورة سنين ضوئية. #مش_هيك_الثورة
— ڣــٰا̍ٹــمۘــۃ (@lovehayeti) November 4, 2019
"جماعة مش هيك الثورة"
جماعة "مش هيك بتكون الثورة" في مجال تبعتولنا كتالوج الثورات لنفهم ع سماكن؟
— Bassel Nehme ونص (@NehmeBassel) November 10, 2019
"قائد الثورة في هذا العصر هو وجع الناس والـ Social media"
لأصحاب مرض الكرسي. اسمها ثورة شعب و ليس قائد ثورة. و المفروض عايشن بالقرن ٢١ انتهى عصر طانيوس شاهين. ولا ثورة في هذا العصر و كان لها قائد. قائد الثورة في هذا العصر هو وجع الناس و الsocial media. و لي عمرو ما بيسمحلو يفهم شو social media يسال احفاده. #لبنان_ينتقض #لبنان_يثور
— Rony Sawan (@RonySawan) November 14, 2019
وفي العراق نقرأ ما يشبه السابق، عبر هذه المنشورات:
"ما يحدث في العراق ليس ثورة إنما انتفاضة شعبية متاخرة! سيطمسها الحاكم الفعلي".
ما يحدث في #العراق ليس ثورة إنما انتفاضة شعبية متاخرة! سيطمسها الحاكم الفعلي! وكأنني اسمع العراقيين يقولون #الشعب_يريد_إسقاط_إيران فهل يوجد نظام أصلا؟ منذ سقوط بغداد 2003 لليوم؟ لما لم يستغل الساسة الديمقراطية التي جلبتها #واشنطن لبناءه؟ فبعد اسقاط صدام الجيش اصبح طوائف توابع..
— ABEER KAYED Pد.عبير كايد (@p_kayed) October 3, 2019
"ما يحدث في العراق هو حراك(يفترض أن يكون سلمياً)و ليس ثورة فالثورة لها مفهوم آخر..."
ما يحدث في العراق هو حراك(يفترض أن يكون سلمياً)و ليس ثورة فالثورة لها مفهوم آخر،ومع ذلك جميع ثورات الربيع العربي إنتهت أما بإرهاب أو ديكتاتورية و من لديه غير هذا الكلام يا ريت ينورنا !!!
— Zahraa Jamal (@zahraa_jamal96) November 12, 2019
"أعظم ما في ثورة تشرين أنها ليست ابنة لأحد، خرج الشباب لوحدهم بصدورهم العارية يواجهون الموت بالقنابل والرصاص..."
"سبب نجاح ثورة العراق هو أنة لا يوجد لها قائد او معمم او سياسي او مأجور أو رخيص ليبيع القضية..."
في كتابه "في الثورة والقابلية للثورة 2011" وهو مجموعة من عدة دراسات وأوراق بحثية، يحلل المفكر عزمي بشارة هذه المفاهيم ويعود لجذورها التاريخية، معايناً الواقع بعين الواقع، بعيداً عن النظرة المقدسّة لنماذج الماضي في الثورة.
ويصف الثورة بأنها "تحرك شعبي واسع خارج البنية الدستورية القائمة أو خارج الشرعية، يتثمل هدفه في تغيير النظام الحاكم القائم في الدولة. وحركة تغيير لشرعية سياسية قائمة لا تعترف بها وتستبدلها بشرعية جديدة".
وفي مطلبها الأساس، لا تقنع الثوريين الوعود ولا حتى المباشرة في الإصلاح، لقد وصلوا إلى الحد الذي يطالبون بالتغيير الكامل لهذا النظام، وهو ما شهدناه في لبنان والعراق معاً، وكان أن استمرت الاعتصامات والتظاهرات بعد استقالة رئيس الحكومة في الأولى وبعد الخطابات المتتالية التي تحمل وعوداً بالتغيير ضمن النظام القائم سواء من قبل رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة وحتى بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي).
يقول بشارة إن كلمة الإصلاح انتقلت بالكامل من عالم الدين إلى عالم السياسة مع الحركة الاشتراكية الديمقراطية والحركة العمالية في أوروبا وظهور خياراتها بين الإصلاح والثورة.
ويؤكد في نفس الكتاب أن "الثوري يجب أن يكون إصلاحياً يقود إصلاحاً في النهاية، والإصلاحي يمكن أن يقود تحولاً ثورياً أما الثوري الذي ينفي كل ما هو قائم ويرفض الإصلاح فغالباً ما ينتهي إلى أيديولوجية شمولية وإلى استبداد من نوع جديد أو ينتهي إلى موقف محافظ مضاد للثورة وهو الوجه الآخر للعدمية".
كما يقرأ الثورات العربية (الربيع العربي 2011) وقدرتها على تحقيق أهدافها بالقول "ثبت أنه من الصعب الاستيلاء على الحكم دون انشقاق الطبقة الحاكمة وانضمام الجيش أو قسم منه على الأقل إلى الثوار وحيث لم يحصل ذلك ظلت السلطة قلعة حصينة عصيّة على الاختراق".
وفي متابعة ما ينشره النشطاء أو المناصرون عن بعد للثورتين اللبنانية والعراقية، نجد هذا الاحتفاء الكبير بما يرونه وحدة وتوحيداً للجموع، بغض النظر عن الطائفة والدين والقومية أو العرق، إذ تُشكل الفرقة والخلافات والمعارك الدموية في هذين البلدين، جزءاً من تاريخهما الطويل.
وهذه الوحدة تجاوزت العاطفة والتعبير عن التآخي والحب والإيثار وتقديم المساعدة دون مقابل، إذ صارت أيضاً في كلام المتظاهرين، ودوافعهم، وأحلامهم، وحين تسأل فتى عراقياً أو امرأة أو شيخاً مسناً عن مطالبه، أو إذا كان سيعود لبيته في حال كذا وكذا، ستجدهم يقولون نفس الشيء أو إجابات متقاربة.
وهو ما اتضح جلياً في حمل الأعلام العراقية واللبناينة فقط، بعيداً عن الرايات الحزبية والفردية شعارها في لبنان "كلن بعني كلن" وفي العراق "نريد وطن"، وبين هذا وذاك لافتات وصحف وصور وجداريات تعبر عن المطالب الشعبية.
يلخص المؤرخ غوستاف لوبون في كتابه "روح الثورة والثورة الفرنسية" المترجم للعربية بواسطة عادل زعيتر، تلك الحيثيات بمصطلح "روح الجماعة الثورية"، ويرى عبرها صفات تجمع المشاركين في الثورة، وهي مهمة لزيادة فرص نجاحهم.
يقول لوبون إن الثورات لا تأتي -مهما كان مصدرها — بشتى النتائج إلا بعد دخولها في نفوس الجماعات، وهي لهذا السبب تعتبر نتيجة روح الجماعات".
ويضيف "المرء — وهو جزء من الجماعة — يختلف جداً عنه وهو منفرد، فشخصيته تفنى في شخصية الجماعة"
ومن أهم النتائج التي تنشأ عن تأثير الجماعة في أفرادها، حسب لوبون "توحيد مشاعرهم وعزائمهم، ومن هذه الوحدة النفسية تكتسب الجماعات قوة عظيمة، والباعث على تكوين هذه الوحدة النفسية هو انتشار المشاعر والحركات والأعمال بين أفرادها بالعدوى".
