ساحة التحرير في بغداد حيث مركز الاحتجاجات ضد الحكومة
ساحة التحرير في بغداد حيث مركز الاحتجاجات ضد الحكومة

في ساحة التحرير وسط العاصمة العراقية بغداد، حيث نصبت خيام المتظاهرين، يتجول شبان وكبار سن من الرجال والنساء لبيع ما اعتادوا على بيعه في الشوارع والجولات.

وباتت ساحات الاعتصامات في العراق والتي تشهد حركة نشطة مصدر دخل للباعة المتجولين.

العلم العراقي والقبعات والتيشرتات والسكائر والمياه وبعض الأطعمة والحلويات وغيرها يبيعها للمتظاهرين باعة يفترشون الساحة وآخرون يتجولون بعرباتهم، كما يتجول بعض الباعة بين المتظاهرين حاملين فناجين القهوة.

وفي وقت تحولت فيه ميادين الاعتصامات إلى أحياء عملاقة من الخيام، يواصل الباعة المتجولون نشاطهم بهدوء. هنا لا تضايقهم البلدية على الأقل وفق ما يقولون. 

كانت مجرد حلم

تقول فيكتوريا (40 عاما)، التي تنحدر في الأصل من منطقة قرقوش حيث تعيش جالية مسيحية مهمة قرب الموصل، لـ"ارفع صوتك" إنها تستغل الثورة لكسب الرزق.

تضيف السيدة التي تبيع قناني المياه للمتظاهرين أن ابن شقيقتها شاب في مقتبل العمر قتل في التظاهرات الحالية برصاص قناص، لذلك هي تتمنى أن ينتصر الشباب في الثورة.

"هنا لا أحد يضايقنا لا البلدية ولا غيرها"، تؤكد.

وعلى بعد أمتار، اتخذ محمد سعد مساحة صغيرة لبسطته التي يبيع فيها اللبلبي (حمص) وهي الأكلة المفضلة لدى كثير من العراقيين.

وعمل سعد قبيل التظاهرات بائعا متجولا في شارع السعدون لينتقل خلال التظاهرات الحالية إلى ساحة التحرير.

يقول سعد إن الإقبال على شراء الحمص ازداد بشكل ملحوظ وأنه يقضي ساعات في الساحة ليكسب في اليوم ما بين 25 إلى 30 ألف دينار عراقي.

"قبل التظاهرات كانت هذه المكاسب مجرد حلم، الحمد لله على الثورة"، قال محمد سعد لـ"ارفع صوتك".

أضاف الرجل الثلاثيني: "المظاهرات طلعت بروح شبابية مكبوتة... أقول للحكومة كافي قتل ارحلوا. أتمنى أن يعيش العراقيون في أمن واستقرار وأمان وحرية وحياة معيشية جيدة".

بشارة خير

من جانبه، قال قحطان القاسمي (22 عاما) إنه يعمل في الساحة ذاتها بائعا متجولا منذ عام 2014 وحتى اليوم.

يمتلك قحطان عربية صغيرة يبيع من خلالها "قماصل" (جاكيتات وملابس شتوية) ليعيل أسرته المكونة من 9 أفراد.

يقول لـ"ارفع صوتك": "المظاهرات وفرت فرص عمل لكثير من الشباب، ومثلما هي (المظاهرات) بشارة خير لنا نتمنى أن تكون بشارة خير للعراق. نحن كنا نتمناها منذ سنوات، أنا واحد من الذين شاركوا في المظاهرات".

ويضيف قحطان: "نبيع للمتظاهرين بأسعار زهيدة ومناسبة ومع ذلك مكاسبنا ارتفعت 100% لأن الإقبال على الشراء مرتفع".

"خرجنا كشباب نطالب بأبسط حقوقنا من ماء وكهرباء وفرص عمل ومحاربة الفساد ولن نعود إلا بالنصر أو الشهادة"، على حد تعبير قحطان القاسمي.

ويتمنى الشاب العراقي أن تتوقف الحكومة عن قمع المتظاهرين. "كافي قتل الشباب. نحن نريد أن نعيش باستقرار ورخاء مثل المواطنين في الدول المتقدمة باعتبارنا دولة نفطية"، يقول.

هدفنا إنساني

وبالتزامن مع صرخات الرفض لما آلت إليه الأوضاع المعيشية في العراق، ووسط مطالبة المتظاهرين بإقالة الحكومة وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، استغلت محلات الحلوى والمأكولات المظاهرات للترويج لنفسها كداعم للثورة، وقام بعضها بتوزيع منتجاته مجانا على المتظاهرين.

وفي الوقت الذي تكررت فيه تهم التمويل للمظاهرات، ينفي مالك أحد محلات الحلوى أن تكون مبادرته في توزيع الحلوى مجانا على المتظاهرين تندرج ضمن إطار سياسي أو حزبي.

وقال الرجل الذي فضل عدم ذكر اسمه: "هدفنا إنساني بحت، ولا مصلحة شخصية أو سياسية أو حزبية لدينا سوى تشجيع ودعم المتظاهرين الذين خرجوا بمطالب مستحقه".

وينفي متظاهرون ما يحكى عن وجود أي تمويل سياسي للمظاهرات، ويؤكدون أن ما يقدم هي مبادرات تطوعية وفردية.

وقال متظاهر في ساحة التحرير ببغداد: "بوجود الباعة المتجولين يمكننا القول إن الساحة فعلا باتت وطنا صغيرا، كل شيء متواجد فيها".

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.