يقول علي جاسم (53 عاماً) إن الناس في بغداد "بين نارين" فالأغلبية تدعم التظاهرات، وفي نفس الوقت أثرت على أعمالهم، سواء كانوا عاملين أو أصحاب عمل.
وبملك متجراً في منطقة السنك، لكنه مغلق بسبب التظاهرات المستمرة منذ شهر.
يضيف علي لـ"ارفع صوتك": "من يديرون محلات أو يشغلون وظائف وأعمال بأجور يومية في مناطق اندلاع التظاهرات والاشتباك مع القوات الأمنية كالجسور وبعض الشوارع في المدينة، لم يعد لهم الآن أي مصدر رزق".
أحمد واثق (27 عاماً) أيضاً صاحب متجر، غيرت التظاهرات حياته. يقول "أذهب للعمل يومياً، وبعد الظهر ألتحق بالمتظاهرين في ساحة التحرير، حتى وقت متأخر من الليل".
والذهاب للتحرير أمر أساسي بالنسبة لأحمد، وهو متزوج ولديه طفل، إذ يحرص على المشاركة يوماً بيوم.
وبين محال أغلقت أبوابها، وأخرى يتناوب أصحابها بينها والتظاهر، أنعشت الاحتجاجات عديد المهن والباعة، إذ راجت الملابس المرتبطة بـ"ثورة تشرين"، من خلال شعاراتها أو ألوان العلم العراقي، بالإضافة إلى أضواء الليزر، والكرات الزجاجية الملونة (الدعابل) وخدمات الطباعة للأوراق واللافتات.
مدارس مغلقة
أغلقت الكثير من المدارس أبوابها، وهو ما دفع العديد من الطالبات إلى تفضيل البقاء في المنزل.
وعن أوضاع الطالبات في بغداد، تقول الآء عامر (15 عاماً)، وهي طالبة في مرحلة الثالث متوسط: "أنا أقرأ المنهج الدراسي في المنزل طيلة الوقت. بينما الكثير من الطالبات أعرفهن يشاركن بالتظاهرات ويذهبن مع عوائلهن كل يوم لساحة التحرير.
وتذهب آلاء في كل صباح لمدرستها، لكنها تعود وتعود لعدم وجود طالبات أو مدّرسات بالمدرسة، وهناك تقول لها المشرفة "لا طالبات، لا مدرسة اليوم أيضاً".
ولأن الدوام في المدارس غير منتظم أو شبه معطل في عدة محافظات، بسبب الاعتصامات والتظاهرات المتفرقة، تحرص هدى والي (33 عاماً) وهي معلّمة في مدرسة خاصة، على الذهاب إلى ساحة التحرير بشكل شبه يومي، برفقة مجموعة من النساء..
تقول هدى، المعلّمة منذ ثلاث سنوات، إن "الدوام معطّل في المدارس، لعدم التزام التلاميذ بالحضور".
وخلال شهر التظاهرات، انضم آلاف الطلبة من المدارس والجامعات والكليّات للتظاهرات، ورفعوا شعار "ماكو وطن ماكو دوام".
في ذات السياق، يقول عارف محمود (46 عاماً) إن الأبناء في الماضي "كانوا يمتثلون لأوامر الآباء والأمهات، ولا يفعلون شيئاً دون الحصول على إذنهم، حتى لو كانوا طلبة جامعيين أو موظفين، لكن جيل اليوم لا يمكن السيطرة عليه".
"لو طالبت تلميذاً أو طالباً الآن الدوام بالمدرسة كأنك تقول له (ثورتكم خاسرة)" يضيف عارف لـ"ارفع صوتك".
وعارف يواجه هذا الأمر بالفعل، إذ يرفض أبناؤه الثلاثة الذهاب للمدارس، مساندة للاحتجاجات، ويشاركون فيها يومياً عبر التواجد في ساحة التحرير.
"لا يمكن منعهم من الانضمام إلى التظاهرات، هم يرفضون أي تدخل بحياتهم ومستقبلهم"، يقول عارف.
ويضيف مستدركاً "هذا الجيل يختلف عن سابقيه، سمته الإصرار والعناد حتى تحقيق مراده.. لا أعلم السبب، لكنه يختلف عنّا".
البضائع العراقية
لا ينفك وليد قاسم (34 عاماً) عن الصياح "وينهم إلي يردون التغيير، تعالوا اشتروا البضائع العراقية، بعد مبيع (لا أبيع) السلع الإيرانية".
يعمل قاسم في بيع الجوارب وقفازات اليدين والقبعات، يعرضها على عربة جوالة في سوق شعبي بمنطقة البياع، يقول "أحاول مساندة الشباب في تظاهراتهم وأشاركهم الاحتجاج بالامتناع عن عرض السلع والبضائع الإيرانية وتشجيع العراقية، لعلّني أنقذ البلاد كما يفعلون هم..."
ويضيف لـ"ارفع صوتك": "أنا وابني نتقاسم الوقت صباحاً وليلاً في الوقوف بالساحة، ومورد العربة المالي يذهب للمصروف الشهري وإيجار البيت".
أوقات الترفيه؟
تغير معنى وقت الترفيه والأوقات الجميلة لعديد العائلات البغدادية، وتحوّل الطريق من البيت نحو المطاعم والمولات، إلى ساحة التحرير لقضاء الوقت مع الشباب في التحرير والاطلاع على النشاطات المختلفة التي يقومون بها هناك.
"التحرير مقصدنا الآن أنا وأبنائي وأحفادي" تقول الحاجة أم سلام، مضيفة "نقدم الدعم المالي للمحتجين وأبنائي بينهم. كل أسبوع نجمع مبلغاً مالياً من أقاربنا ومعارفنا وجيراننا ونرسلها للمتظاهرين، كما تحرص النساء منهم على إرسال وجبات الطعام وعبوات المياه".
وأثرت التظاهرات على مفاصل الحياة في الشارع العراقي، إذ أغلقت عديد المناطق ومنافذها، بالإضافة لثلاثة جسور مهمة وحيوية في العاصمة، ما تسبب بزحام يومي في شوارعها، فضلاً عن تشديدات فرضتها الدوائر الحكومية على موظفيها.
"أغلب الذين شاركوا بالاحتجاجات وما زالوا غير قادرين على إيجاد فرصة عمل، وليس لديهم من يتكفل برزقهم لذلك التحقوا بالتظاهرات من أجل التخلص من الحكومة الفاسدة التي تسببت بكل معاناتهم"، تقول آيات جابر، في إشارة إلى أن الذين يشغلون الوظائف الحكومية، هم الذين يتذمرون أو يعانون من استمرارها.
وتضيف آيات (29 عاماً) وهي موظفة حكومية، أن "الموظف يعاني من تسلط مؤسسته أو دائرته وتهديدات وتلميحات بقطع الراتب أو الفصل من العمل في حال المشاركة في الاحتجاجات"، لكن وعلى الرغم من التهديدات والمخاوف يلتحق الكثير من الموظفين بالتظاهرات بعد إنهاء ساعات عملهم.
ومن لم يتظاهر في ساحة التحرير أو خارجها في باقي المحافظات، فهناك العديد من الطرق ليعلن عن موقفه تجاهها، منهم سائقو مركبات الأجرة، إذ يضع بعضهم في مركبته واحداً أو أكثر من رموز الاحتجاج، مثل الخوذ أو الكمامات.
الخوذ، الكمامات، التوك توك، الاعلام العراقية في السيارات والشركات.. جميعها علامات ورموز تضامن مع التظاهرات العراقية في شوارع #بغداد#insm_iq #IraqRevolution#العراق pic.twitter.com/Zf4b0az4kx
— Hamzoz 🇺🇸🇮🇶 حمزوز (@Hamzoz) November 27, 2019
