صورة تعبيرية/ البصرة 17 نوفمبر/ ا ف ب
صورة تعبيرية/ البصرة 17 نوفمبر/ ا ف ب

يقول علي جاسم (53 عاماً) إن الناس في بغداد "بين نارين" فالأغلبية تدعم التظاهرات، وفي نفس الوقت أثرت على أعمالهم، سواء كانوا عاملين أو أصحاب عمل.

وبملك متجراً في منطقة السنك، لكنه مغلق بسبب التظاهرات المستمرة منذ شهر. 

يضيف علي لـ"ارفع صوتك": "من يديرون محلات أو يشغلون وظائف وأعمال بأجور يومية في مناطق اندلاع التظاهرات والاشتباك مع القوات الأمنية كالجسور وبعض الشوارع في المدينة، لم يعد لهم الآن أي مصدر رزق".

أحمد واثق (27 عاماً) أيضاً صاحب متجر، غيرت التظاهرات حياته. يقول "أذهب للعمل يومياً، وبعد الظهر ألتحق بالمتظاهرين في ساحة التحرير، حتى وقت متأخر من الليل".

والذهاب للتحرير أمر أساسي بالنسبة لأحمد، وهو متزوج ولديه طفل، إذ يحرص على المشاركة يوماً بيوم.

وبين محال أغلقت أبوابها، وأخرى يتناوب أصحابها بينها والتظاهر، أنعشت الاحتجاجات عديد المهن والباعة، إذ راجت الملابس المرتبطة بـ"ثورة تشرين"، من خلال شعاراتها أو ألوان العلم العراقي، بالإضافة إلى أضواء الليزر، والكرات الزجاجية الملونة (الدعابل) وخدمات الطباعة للأوراق واللافتات.

 

مدارس مغلقة

أغلقت الكثير من المدارس أبوابها، وهو ما دفع العديد من الطالبات إلى تفضيل البقاء في المنزل.

وعن أوضاع الطالبات في بغداد، تقول الآء عامر (15 عاماً)، وهي طالبة في مرحلة الثالث متوسط: "أنا أقرأ المنهج الدراسي في المنزل طيلة الوقت. بينما الكثير من الطالبات أعرفهن يشاركن بالتظاهرات ويذهبن مع عوائلهن كل يوم لساحة التحرير.

وتذهب آلاء في كل صباح لمدرستها، لكنها تعود وتعود لعدم وجود طالبات أو مدّرسات بالمدرسة، وهناك تقول لها المشرفة "لا طالبات، لا مدرسة اليوم أيضاً".

ولأن الدوام في المدارس غير منتظم أو شبه معطل في عدة محافظات، بسبب الاعتصامات والتظاهرات المتفرقة، تحرص هدى والي (33 عاماً) وهي معلّمة في مدرسة خاصة، على الذهاب إلى ساحة التحرير بشكل شبه يومي، برفقة مجموعة من النساء..

تقول هدى، المعلّمة منذ ثلاث سنوات، إن "الدوام معطّل في المدارس، لعدم التزام التلاميذ بالحضور".

وخلال شهر التظاهرات، انضم آلاف الطلبة من المدارس والجامعات والكليّات للتظاهرات، ورفعوا شعار "ماكو وطن ماكو دوام".

 

 

في ذات السياق، يقول عارف محمود (46 عاماً) إن الأبناء في الماضي "كانوا يمتثلون لأوامر الآباء والأمهات، ولا يفعلون شيئاً دون الحصول على إذنهم، حتى لو كانوا طلبة جامعيين أو موظفين، لكن جيل اليوم لا يمكن السيطرة عليه".

"لو طالبت تلميذاً أو طالباً الآن الدوام بالمدرسة كأنك تقول له (ثورتكم خاسرة)" يضيف عارف لـ"ارفع صوتك".

وعارف يواجه هذا الأمر بالفعل، إذ يرفض أبناؤه الثلاثة الذهاب للمدارس، مساندة للاحتجاجات، ويشاركون فيها يومياً عبر التواجد في ساحة التحرير.

 

"لا يمكن منعهم من الانضمام إلى التظاهرات، هم يرفضون أي تدخل بحياتهم ومستقبلهم"، يقول عارف.

ويضيف مستدركاً "هذا الجيل يختلف عن سابقيه، سمته الإصرار والعناد حتى تحقيق مراده.. لا أعلم السبب، لكنه يختلف عنّا".

البضائع العراقية

لا ينفك وليد قاسم (34 عاماً) عن الصياح "وينهم إلي يردون التغيير، تعالوا اشتروا البضائع العراقية، بعد مبيع (لا أبيع) السلع الإيرانية".

يعمل قاسم في بيع الجوارب وقفازات اليدين والقبعات، يعرضها على عربة جوالة في سوق شعبي بمنطقة البياع، يقول "أحاول مساندة الشباب في تظاهراتهم وأشاركهم الاحتجاج بالامتناع عن عرض السلع والبضائع الإيرانية وتشجيع العراقية، لعلّني أنقذ البلاد كما يفعلون هم..."

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "أنا وابني نتقاسم الوقت صباحاً وليلاً في الوقوف بالساحة، ومورد العربة المالي يذهب للمصروف الشهري وإيجار البيت".

 

أوقات الترفيه؟

تغير معنى وقت الترفيه والأوقات الجميلة لعديد العائلات البغدادية، وتحوّل الطريق من البيت نحو المطاعم والمولات، إلى ساحة التحرير لقضاء الوقت مع الشباب في التحرير والاطلاع على النشاطات المختلفة التي يقومون بها هناك.

"التحرير مقصدنا الآن أنا وأبنائي وأحفادي" تقول الحاجة أم سلام، مضيفة "نقدم الدعم المالي للمحتجين وأبنائي بينهم. كل أسبوع نجمع مبلغاً مالياً من أقاربنا ومعارفنا وجيراننا ونرسلها للمتظاهرين، كما تحرص النساء منهم على إرسال وجبات الطعام وعبوات المياه".

وأثرت التظاهرات على مفاصل الحياة في الشارع العراقي، إذ أغلقت عديد المناطق ومنافذها، بالإضافة لثلاثة جسور مهمة وحيوية في العاصمة، ما تسبب بزحام يومي في شوارعها، فضلاً عن تشديدات فرضتها الدوائر الحكومية على موظفيها. 

"أغلب الذين شاركوا بالاحتجاجات وما زالوا غير قادرين على إيجاد فرصة عمل، وليس لديهم من يتكفل برزقهم لذلك التحقوا بالتظاهرات من أجل التخلص من الحكومة الفاسدة التي تسببت بكل معاناتهم"، تقول آيات جابر، في إشارة إلى أن الذين يشغلون الوظائف الحكومية، هم الذين يتذمرون أو يعانون من استمرارها.

وتضيف آيات (29 عاماً) وهي موظفة حكومية، أن "الموظف يعاني من تسلط مؤسسته أو دائرته وتهديدات وتلميحات بقطع الراتب أو الفصل من العمل في حال المشاركة في الاحتجاجات"، لكن وعلى الرغم من التهديدات والمخاوف يلتحق الكثير من الموظفين بالتظاهرات بعد إنهاء ساعات عملهم.

ومن لم يتظاهر في ساحة التحرير أو خارجها في باقي المحافظات، فهناك العديد من الطرق ليعلن عن موقفه تجاهها، منهم سائقو مركبات الأجرة، إذ يضع بعضهم في مركبته واحداً أو أكثر من رموز الاحتجاج، مثل الخوذ أو الكمامات.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.