تشييع الناشط علي اللامي في منطقة الشعب/ الصورة من مواقع التواصل الاجتماعي
تشييع الناشط علي اللامي في منطقة الشعب/ الصورة من مواقع التواصل الاجتماعي

كان يوم الثلاثاء الماضي هو الأكثر حذرا في ساحة التحرير وسط بغداد.

تصاعدت قبل هذا اليوم دعوات من جهات مجهولة لعبور جسر الجمهورية واقتحام المنطقة الخضراء.

لكن المتظاهرين تمكنوا من تجاوز ذلك اليوم دون أي تحرك نحو المنطقة الحكومية المحصنة.

ورغم إسدال الليل لظلامه بهدوء على الساحة دون حوادث أمنية تذكر، لكن حالات أخرى حصلت بعيدا عن الساحة.

في منطقة الشعب، كان هناك حادثة اغتيال للناشط المدني علي اللامي الذي لقي حتفه على يد مسلحين مجهولين بعد ساعات من اختطافه في المنطقة الواقعة شمال العاصمة، بعد عودته من ساحة التحرير.

 

من هو اللامي؟

اللامي شاعر وناشط مدني من مدينة الكوت جنوب بغداد، كان يسكن في أيامه الأخيرة بمنزل شقيقته لبضعة أيام للمشاركة في تظاهرات ساحة التحرير، بحسب ما قال صديقه تيسير العتابي لوكالة الصحافة الفرنسية.

وأوضح العتابي أن اللامي، وهو أب لخمسة أطفال، "غادر ساحة التحرير عند الواحدة بعد الظهر متوجها إلى منزل شقيقته لكنه اختفى ثم عثرنا على جثته عند العاشرة مساء مقتولا برصاص في الرأس أطلق من الخلف، ملقاة في شارع بمنطقة الشعب".

ووفقا لمصدر في الشرطة فإن المهاجمين استخدموا مسدسات كاتمة للصوت، فيما أشار الطب الشرعي إلى أن اللامي أصيب بثلاث رصاصات.

 

لماذا اغتيل؟

شدد اللامي من خلال منشوراته على صفحته في فيسبوك على ضرورة الحفاظ على سلمية الاحتجاجات، ودعا إلى تجنب الاصطدام مع القوات الأمنية وحذر من محاولة دخول المنطقة الخضراء.

كان يتحدث في منشوراته أيضا عن حلمه بوطن خالٍ من الفساد والمليشيات.

ظهر في آخر منشور له جالسا بين عدد من المتظاهرين في خيمة بساحة التحرير وقال في منشوره " نحييكم من خيمة الثوار، لن نتراجع حتى تحقق الثورة مطالبها".

علق أحد أصدقائه في اتصال هاتفي مع (ارفع صوتك)، "نعرف من قتله، والحكومة تعرف من قتله، وأنت والجميع يعرف من قتله، لكن لا أحد يجرأ على الحديث".

يطلب صديقه عدم الكشف عن أسمه، لا يكاد يسطر على مشاعر الغضب بعد العودة من مراسيم دفن اللامي التي تخللتها الذهاب بالجثة إلى ساحة التحرير.

 

وعن الجهة التي يتوقع أن تقف وراء مقتل اللامي يقول صديقه: "ميليشيات، قد لا نعرف أي تلك الجهات بالتحديد، لكن ما نعرفه أن مليشيا مرتبطة بإيران هي من قتلته وتقتلنا".

لا يستبعد صديق اللامي أن يكون هو التالي، لكنه يؤكد "سنبقى بالساحة، أنا الآن أتحدث إليك من ساحة التحرير، أتحدث إليك ونحن نثقف الشباب عن سبب قتل اللامي وقتلنا الواحد تلو الآخر".

ويتابع "تحاول تلك المليشيات فض التظاهرات، لكننا لن نتوقف حتى نحقق مطالبنا التي خرجنا من أجلها".

 

تزايد الاغتيالات

مفوضية حقوق الإنسان أشارت إلى أنها سجلت منذ بداية التظاهرات حالات اختطاف واغتيال لناشطين ومتظاهرين من قبل وصفتهم بـ"العصابات الإجرامية".

يقول عضو المفوضية علي البياتي "حالات الاختطاف والقتل للناشطين والمتظاهرين كانت موجودة من البداية، لكنها تصاعدت بالآونة الخيرة بشكل ملحوظ"، مضيفا في حديث لموقع (ارفع صوتك) "هذا ينم عن ضعف الأجهزة الأمنية الاستخبارية في كشف الجناة ومثولهم أمام العدالة".

 

وطالبت المفوضية الحكومة العراقية، "وإن كانت حكومة تصريف أعمال بشكف الجناة واجراء تحقيقيات أولية حقيقية لهذا الموضوع، فهي مطالبة امام الشعب العراقي والرأي العام"، وفقا للبياتي، الذي أكد أن المفوضية لا تمتلك إحصائية دقيقة لأعداد المخطوفين أو الذين تم اغتيالهم، بسبب "عدم تقدم الكثير من ذوي الضحايا بشكاوى رسمية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.