كتب فنان الكاريكاتير والشاعر العراقي ميثم راضي بعد "مجزرة السنك" التي قتل فيها 24 متظاهراً، الجمعة الماضي.
يا إلهي لا أريد شيئاً ..
سوى أن تكون للقاتل أم على قيد الحياة ..
وتعيش معه في البيت
وأنه عندما يعود
يجدها جالسة أمام التلفزيون
تبكي على القتلى ..
وهي تقول : عمت عيني عليكم يا يمه
كأنّ راضي في هذا النص يبحث عن إنسانية القاتل، عن الوجه الآخر له، فما الأكثر إنسانية من تخيّل وجود أم للقاتل، أم تبكي على قتلاه، لعلّها تذكّره بإنسانيته.
لم يجرّد القاتل من إنسانيته، بل حاول إيجادها، كما لم يشيطنه، من خلال نعتٍ لا يشبهه، بل منحه الاسم المرتبط بفعلته، القتل.
وفي نصّ آخر، رسم للقاتل أب، حين كتب:
"اليوم قتلت شخصاً في الشارع
وعندما عدت للبيت: وجدت أبي يبكي
سألته : ماذا هناك يا أبي؟
قال: غريب ما .. قتل أخاك في الشارع"
وقبل وصف "غريب" كان برّره بقوله أن العراقيين تكاثروا بشكل محزن جداً بحيث أصبح أحدهم لا يعرف الآخر.
بالنظر إلى نصوص راضي، نجد أنه لا يواجه الآخر (السلطة والمنتفعين من بقائها) بسلاحه، لا يشيطنه أو يجردّه إنسانيته، حتى أنه حاول دفع الساسيين للبحث عن أنفسهم بين الشباب الثائر، أي أن الطرفين شريكان في الإنسانية والحلم، سوى من فرق الزمن والمكان الذي يقفون فيه اليوم.
كما يجمع عدداً من المفردات التي تم إطلاقها على المتظاهرين، في نفس النص المنشور له 4 نوفمبر الماضي، وهي "عملاء، وبعثيون ومخربون ومخدوعون وغاضبون وعلمانيون، وملحدين، وزعاطيط".
ويعرّف معجم "كامبريدج" شيطنة الآخر Demonization على أنها تصوير شخص أو مجموعة بعينها على أنها تمثل الشر، ووفق قاموس "ماكميليان" يعني إظهار شخص على أنه سيء جداً وخطير، على الرغم أنه ليس كذلك.
و الكاتب روبرت كازلو في كتابه المنشور عام 1988 عن الشاعر الأميركي عزرا باوند (1885- 1972) بعنوان "معاداة اليهود والفاشية وأساطير عزرا باوند" رأى أن الأخير "له الفضل في شيطنة الآخر وتأسيس علم دراسة أنساب الشياطين".
وكتب كازلو أن خطاب باوند كان "زاخراً بالصور المجازية التي تصف اليهود بأبشع النعوت، وتعرض هويتهم في مشاهد تثير الاشمئزاز وتبعث على الحيطة والحذر منهم وربما البطش حتى يستقر النظام". (كتاب نقد العقل العلماني: دراسة مقارنة لفكر زيغمونت باومان وعبد الوهاب المسيري).
لماذا يحدث ذلك؟ وما الآثار الناجمة عن شيطنة الآخر؟
دعونا نتفق في البداية على توضيح بسيط لـ"الآخر" وهو كل من ليس أنا، وأدّق من ذلك، كل من هو ليس أنا و لا يشبهني.
ما ينقل الأمر من مرحلة التعايش والتقبل والعزلة أحياناً بين الطرفين اللذين يقرران ألا تقارب بينهما، هو التكرار المنظم لصورة رسمهما أحدهما عن الثاني، وإن كان الأمر بين دولتين، أو الشعب والسلطة الحاكمة، فإن شيطنة الآخر تلعب دوراً مهماً في كسب التأييد والحشد ضد الآخر، باتجاه الموافقة على حرب، أو إقصاء، وأيضاً الترهيب والقتل.
ويلعب الإعلام الموالي للسلطة الدور الأكبر في بث مشاعر الكراهية تجاه الآخر، وتصويره على أنه الخطر المحدق بالبلاد.
وإن كان هذا الأسلوب سائداً منذ أقدم العصور، لعلاقته المجردّة أولاً بصراع البقاء والرعب من أن يتلاشى طرف أمام سيادة طرف آخر لا يشبهه في مكوناته الثقافية وطريقته في ممارسة حياته، بالإضافة لارتباطه بالمجهول، مثل أمراض وأوبئة لم يكن لها علاج في زمن ما، أقصي المصابون بها وعوملوا كما لو أنهم حيوانات أو وحوش.
أضف إلى ذلك ما ترافق مع بعض الحملات التبشيرية لبعض الأديان، وتوصيف "غير المؤمنين" بالدين الجديد على أنهم جهلة وكفار ويستحقون الموت لأنهم مضللّون وضالّون، كما كان العلماء والمفكرون الذين يأتون بالجديد لزمانهم يوصفون بالسحرة والمشعوذين، ويتم تعذيبهم أو قتلهم.
وارتبط لاحقاً بالبروغاندا الحربية، التي دمجت بين الشيطنة والتجريد من الإنسانية Dehumanization، مثل الاستعمار الأوروبي لعشرات الدول في العالم، والنازية في أفكار أدولف هتلر المعادية لليهود وذوي الإعاقة والمثليين، باعتبارهم خارج قاموس المجتمع المثالي.
كما تم استغلال الأمر لصالح النخبة الحاكمة في البلاد وإبعاد كل مخالف أو معارض لبعض جزئيات الحكم من المنظومة، مثلما حصل في خمسينيات القرن الماضي مع صعود نجم النائب الجمهوري جوزيف مكارثي، الذي يعزى له مصطلح المكارثية.
و ذاعت شهرته نتيجة ادعائه بدون دليل أن هناك عدداً كبيراً من الشيوعيين والجواسيس السوفيت والمتعاطفين معهم داخل الحكومة الفيدرالية الأميركية (أطلق عليه الوباء الأحمر)، وفي النهاية أدى نهجه إلى ضعف مصداقيته وتعنيفه رسمياً بواسطة مجلس الشيوخ، لكن بعد أن كان تسبب بطرد أكثر من 10 آلاف موظف، والتسبب بالضرر لمثقفين وعلماء وسياسيين.
في سياق مماثل وحسب دراسات حديثة تتعلق بصعود موجة كراهية ضد العرب والمسلمين ومجتمع الـLGBTQ في أميركا، تقول عالمة النفس الأميركية في جامعة "برينستون" سوزان فيسك، إن "ردود الفعل العفوية للناس في كثير من الأحيان تجاه أشخاص آخرين يختلفون عنهم بشكل كبير هي ردود فعل سلبية".
وأجرت فيسك أبحاثاً في علم الأعصاب كانت نتيجتها، أن تجريد الناس من إنسانيتهم يحفّز "مناطق دماغنا المرتبطة بالاشمئزاز، ويوقف المناطق المرتبطة بالتعاطف".
ومن العالم تاريخاً وواقعاً لا يزال قائماً، إلى الدول العربية، في ثورات شعوبها خلال الأعوام الماضية والجارية حالياً، كانت شيطنة الآخر وما زالت السلاح الأقوى بيد الأنظمة الاستبدادية، التي صورّت المتظاهرين على أنهم العدو الأول لأمن واستقرار البلاد.
في مصر مثلاً، وصف المتظاهرون عام 2011 بأنهم "أصحاب أجندات خارجية بدليل وصول وجبات الكنتاكي (المطعم الأميركي الشهير) إليهم بالمجان وتوزيع الأموال عليهم، وزناة (يقيمون علاقات جنسية في ميدان التحرير) يشربون الخمر حتى السكر ويتعاطون المخدرات... الخ".
وفي مقال سابق، تناولت اصطلاح "الشباب الطاهر" الذي شاع من أنصار النظام أو المعارضة للنظام وبعض الجماعات الثائرة في ميدان التحرير، واستخدام "الشباب الطيبين" في لبنان (2019) من قبل متنفذين في السلطة، بطريقة تؤكد وجود "النجس والشرير" بين الشباب الثائر.
وكان الرئيس الليبي الراحل (مقتولاً) معمّر القذافي، جرّد المتظاهرين من إنسانيتهم بوصفهم بالجرذان وأضاف في أحد خطاباته الشهيرة عام 2011 أن الثوار "متمردّون يخيفون الناس ويجبرونهم على ضم أبنائهم للقتال بجانبهم"، كما شيطنهم بالقول إنهم "مجموعة استغلت المساجد لأغراضها فقامت بالتكبير والتصفيق لطائرات النصارى"، فيما وصف النقيض لهم برأيه أنه "شباب ليبيا، الذي يحلف برأس معمّر".
وصولاً إلى العراق، الذي يشهد ثورة شعبية منذ بداية أكتوبر الماضي، فإن محاولة النظام وأعوانه للقضاء على الثورة خلقت حالة من حرب المصطلحات والمفاهيم، بين الطرفين.
وتسببت القوات الأمنية الرسمية بالإضافة لمليشيات حزبية مموّلة من إيران، بمقتل أكثر من 450 متظاهراً أعزل في ساحات التظاهر، كما أسفرت عن أكثر من 3000 إعاقة بين نحو 20 ألف جرح ومصاب بينهم.
والمفارقة في الحالة العراقية أن المفردات المتبادلة بين الأطراف المختلفة، حملت معان مختلفة، واستخدمت من كل الأطراف، فكلمة "مندس" التي وصف بها متظاهرون "غير سلميين" حسب ادّعاء وجوه السلطة ومواليها، من أجل تبرير العنف ضد المتظاهرين بالمجمل، استخدمها متظاهرون ومناصرون للثورة ضد أشخاص يعتقدون أنهم يحاولون تخريب سلميّة التظاهرات، وهم عناصر في أحزاب إسلامية موالية لإيران.
كنت ومازلت وسابقى ضد اي مندس بصفوف المتظاهرين وبنفس الوقتضد اي شخص يسوف التظاهراتابن البصره يتظاهر ببغداد كما هو حق لابن اي محافظه اخرى
— كلاشنكوف العراق 🇮🇶 🏴 #انا_بصري (@BSR__IRQ) December 11, 2019
تريد تصير متظاهر مندس وتطعن الابرياء؟راح نحقق كل احلامك وندفعلك 10$ زائد مصاريف الشحن ... #العراق__ينتفض
— سَجَد الجبوري (@sjd_aljubori) December 5, 2019
كما استخدم وصف "أبناء السفارات"، من قبل متظاهرين في ساحة التحرير ومؤيدين للثورة بكافة جوانبها، ضد عراقيين مؤيدين للثورة لكنهم يعيشون خارج البلاد أو يحملون جنسيات دول أجنبية، وهم نفسهم من وُصفوا من قبل موالين للنظام الحاكم وإيران بأنهم "عملاء الجوكر"، لأنهم استخدموا صورة شخصية الجوكر من الفيلم الأميركي كرمز للثورة على الظلم.
المجرم منتظر الزيدي يأمر بمراقبة الشهيد احمد المهنا و من ثم اغتيالهالمجرم الزيدي احد قادة الجوكرية المشرف على عمليات توجيه المخربين في السنكالمجرم الزيدي لديه تنسيق مع #عملاء_الجوكر للقيام بجرائم الطعن بالسكاكين و الحرق بالمولوتوف pic.twitter.com/XVkRs1hrLU
— وكالة اهل الرافدين الإخبارية (@ahlalrafidain) December 8, 2019
وفي أحدث تغريداته، وصف السياسي والنائب السابق في البرلمان العراقي عزّت الشابندر بعض المتظاهرين بأنهم "قرود"، قائلاً "ضمن لافتة صور لشخصيات صورتي من بينها مع تعليق مفاده أنها مرفوضة سلفاً من قبل (أبطال) المطعم التركي، علماً أني لستُّ مرشَّحاً ولا بمُرَشِّحٍ و لن أرشِّح و لا تشرفني زعامة القرود ممن كتب هذه اللافتة أو علّقها أو أمرهم بها من مافيات الصراع على السلطة و الفساد والقتل".
وبين التشبيه بالحيوانات (القرود) والارتباط بـ"المافيات"، تجريد من الإنسانية وأيضاً شيطنة للمتظاهرين، وكان قبل ذلك استخدم مصطلح "المتظاهرون الشرفاء" (مثل الشباب الطاهر- مصر)، كأنه يميّز بين متظاهر وآخر (شريف وغير شريف) وأنهم ليسوا سواسية بنظره، وهذا تلقائياً يبرر العنف ضد المتظاهرين، ما يتقاطع بشكل غير مباشر مع نعت "المندس".
رسالة مفتوحة الى جميع الشرفاء من المتظاهرين :اخوكم من صدقَكم لا من صدّقكم او جاملكم لركوب موجتكم . خروج البعض عن السلمية سيقوي الفاسدين و يُسْعِدُ المتربصين .و ان حرق المؤسسات و المصالح العامة و الخاصة هو حرقٌ لحقوقكم و مطالبكم معها .
— عزت الشابندر (@IAlshabandar) November 25, 2019
ونُشر تسجيل صوتي منسوب للشابندر نفسه، يشيطن خلاله المتظاهرين في مبنى المطعم التركي بوصفهم بنعوت يعرف أنها مرفوضة اجتماعياً "خمّارة قمّارة لوّاطة وسكّيرين وزناة"، مضيفاً أنهم "قطاع طرق وسارقون".
#عزت_الشابندر: الجالسون في #المطعم_التركي خمارة ولواطة ويتعاطون المخدرات وانصار #مقتدى_الصدر قتلة وسراق ويجب ان لا نسكت عليهم!!..#العراق #ساحه_التحرير pic.twitter.com/DcVWrfh9ic
— Yasser Eljuboori (@YasserEljuboori) December 11, 2019
وفي المقابل، تستخدم كلمة "الذيول" من قبل الكثير من المتظاهرين ومؤيدي الثورة عن بعد، لوصف المسؤولين والموالين للسلطة وأحزابها، باعتبارهم جميعاً أتباعاً لإيران، وينفذون أوامرها في بلدهم.
الذيل يعرف روحه الشريف ابن الوطن لاياخذ ع روحه تره من نگول ذيل مانقصد ابن الحشد البطل الغيور الي ضحى بروحه وماقصر بالدفاع عن ارضه وشعبه احنا نقصد القاده الي همه ذيول بالحقيقه نقصد كل واحد عنده ولاء لغير العراق 🇮🇶
— ayah. muhammad. au (@ayahmuhammadau1) December 9, 2019
وبينما يحاول العراقيون الحفاظ على سلميتهم بوافر جهدهم في ساحات التظاهر وأماكن التماس بالقوات الأمنية، لتحقيق مطالبهم المشروعة، فإن العنف اللفظي المتمثل بتكرار مفردات الشيطنة واللاأنسنة تنتشر بشكل كثيف يوماً بعد يوم في مواقع التواصل الاجتماعي، يقابلها عنف مسلّح من قبل المناوئين للثورة ضد المتظاهرين.
إلى أي مدى قد تصمد السلمية، خصوصاً أنه وبعد شهرين من الاحتجاج لم تحقق الحكومة أياً من مطالب المتظاهرين، كما لم تحد من العنف؟ وما السيناريوهات المتوقعة إذا ما أُحبطت الثورة وأيضاً إذا ما انتصرت؟
