صفاء في ساحة التحرير، تنشر الصورة بإذنها
صفاء في ساحة التحرير، تنشر الصورة بإذنها

تقرّبنا القصص من سيرة أي فرد أو جماعة في أي مكان، لأن فيها شيئاً منّا، ربما نحلم به، أو نفقده، ربّما نخافه، أو عشنا نظيره بالفعل، وإن كان من شيء يمكنه تعزيز القيم الإنسانية وشعورنا بالآخر الذي قد نفترض سلفاً -أحياناً- أنه لا يُشبهنا، فهو القصّة. 

والشابة العراقية صفاء داوود تحب القصص، وتبحث عنها، وتعيشها كل يوم في ساحة التحرير ثم تعيد إنتاجها في منشورات قصيرة عبر مواقع التواصل التي تنشط فيها، خصوصاً تويتر، وأحياناً تحتفظ بها لنفسها.

تقول صفاء (20 عاماً) لـ"ارفع صوتك": "أنا متشبثة بذكرياتي وأعلم أن هناك الكثيرين مثلي، فنحن كبشر في بحث دائم عن البصمة والأثر والذكرى".

ولإيمانها العميق بحجم الأثر والتغيير الذي أحدثته الثورة العراقية في نفوس الناس، ترى من المهم نقله للأجيال اللاحقة، لذا يجب أولاً الاحتفاء به، عبر سرده، وهو ما دعت متابعيها إليه.

وقبل ساعات معدودة، أطلقت طالبة الهندسة المعمارية في جامعة بغداد، وسم #اخلق_ذكرى_بالتحرير في موقع تويتر، ليشاركها العشرات من المتابعين الذين شاركوا في التظاهرات (خصوصاً في ساحة التحرير) بعض ذكرياتهم والمواقف التي لم ينسوها خلال الشهرين الماضيين.

والتحقت صفاء (20 عاماً) بالمتظاهرين في موجة الاحتجاجات الثانية بعد 25 تشرين الأول/ أكتوبر، وتؤدي مهمات عديدة إلى جانب المتواجدين في ساحة التحرير، مثل التنظيف وإعداد الطعام وجمع التبرعات وتوثيق الأحداث بالصور.

وتعتقد أن الهاشتاغ الذي صار متداولاً في صفحات عراقية، قد "يُحفّز الكثير من الشباب العراقي لصنع ذكرياته الخاصة"، مضيفةً "في هذه الظروف نحتاج صمود المتظاهرين في الساحات وألا يقل عددهم أو تضعف عزيمتهم وأملهم بالتغيير".

وتتابع صفاء في حديثها لـ"ارفع صوتك": "أرى في الذكريات والمواقف المنشورة شيئاً عظيماً، فهذه قصص ستبقى خالدة، فيها حب وألم وفقدان ودم، كما ترسم أملاً للجيل القادم، إذ لم نشعر بأن لنا وطن أكثر من الآن".

وعلى الصعيد الشخصي، لو أردت نشر قصة مع وسمك، ماذا ستكتبين؟ تتذكر صفاء أنها وفي أول مرة حاولت التقاط صورة لمبنى المطعم التركي، خافت من صوت التكتك حين مر بجانبها، ليفتح هذا حديثاً قصيراً بينها وسائقه، وتلتقط معه صورة سيلفي.

كما تتذكر يوماً تعرّضوا فيه للقنابل المسيلة للدموع (28 أكتوبر) وبينما قررت التقاط صورة لنفسها، كان شاب صغير يقف بجانبها مصاباً بساقه، لكنّه مع ذلك، مبتسم. فرفعا معاً إِشارة النصر، وكانت هذه الصورة.

الصورة من صفاء، تُنشر بإذنها

وتعليقاً على الهاشتاغ، غرّد شاب يُدعى عبد الله عبد الله "أجمل شي في الحياة عندما تكون حر وغير تابع وتتبع الوطن فقط، فمن رحت للتحرير حسيت بهاذا الشي. روحو للتحرير وخلقوا لكم ذكريات".

ومن مشاركات المتظاهرين والمتظاهرات، ما كتبته زارا عن شجاعة وكرم سائقي التكتك "ماكو شي يوصف صدمتي من و لا واحد منهم قبل ياخذ الفلوس من اگللكم استقتلوا حرفياً حته ما ياخذوهن و بالگوة بابا جان يحط الفلوس بأيدهم وينزل".

وكتبت شابة تدعى ملك، عن محاولة خطف وسرقة في إحدى المرّات، كانت تحمل فيها مبلغاً مالياً جمعته كتبرعات للمتظاهرين، وقالت إنها لم تحدّث أحداً من أقاربها عن هذا الموقف.

وكتب علي، ويشارك في إسعاف المصابين في التظاهرات، عن أول يوم ارتدى فيه المعطف الأبيض متأهباً للمساعدة.

وفي هذه التغريدة، يقول يحيى، إنه التقى بصديق مقرّب له أعلى بناية المطعم التركي المسمّى "جبل أحد"، لأول مرة منذ ست شهور بعد رحيله عن منطقتهم.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.