تبدو أغاني الراب العراقية التي أنتجت دعما للتظاهرات المستمرة منذ بداية أكتوبر الماضي بمثابة "مانيفستو".
وتشترك جميعها في سرد للأسباب والطرق والنتائج والتضحيات والموقف من السلطة الحاكمة والموالين لها.
وتستعيد كل أغنية معاني أغنية قبلها وتستبق مضمون ما سيليها، مع اختلاف النص والإيقاع.
راب "الثورة"
أبرز المضامين التي حملتها أغاني الراب العراقية المرتبطة بالتظاهرات، فهي ذكر الأسباب التي قادت الناس للاحتجاج على النظام القائم، وحكاية الجيل الذي يقود هذه الثورة، وهو الذي عاش عمره كلّه من حرب إلى أخرى، ولم يعرف يوما معنى الأمان، بالإضافة إلى مطالب المتظاهرين والنهج السلمي الذي التزموا به وقُوبل بالعنف والقتل، فراح ضحيته المئات وآلاف الجرحى.
واتجهت الأغاني بالنقد اللاذع لوجوه السلطة بسبب خضوعها المطلق لإيران، والسماح لها بالتدخل في شؤون العراق، متهمينها بالاستعانة بالإيرانيين لقتل أبناء بلدهم.
إلى ذلك، تضمنت الأغاني مشاركة المرأة العراقية في التظاهرات، ووحدة العراقيين من مختلف المحافظات والطوائف.
وكانت أحدث الأغاني لمتظاهرة تُدعى غيد، نشرتها عبر حسابها في إنستاغرام، لتلقى انتشاراً واسعاً خلال الأيام الفائتة.
والأغنية التالية "قصّة عراقي" تلخص سيرة حياة "كل عراقي" وفق ما يقول صاحبها، حيث يروي كيف فقد أفراد عائلته واحداً تلو الآخر بسبب الحروب والإرهاب.
وفي توصيف ما يحدث، يستعين الرابر "الزعيم" بحكاية عن ثورة "النمل الأحمر" كناية عن الجيل القديم الذي أحبطت آماله واستسلم للواقع بينما الجيل الجديد قرر إحداث التغيير وعدم الرضوخ مجدداً للسلطة الحاكمة.
أما أكثر الأغاني شهرة فهي للرابر محمد كريم ويدعو نفسه "مستر جوني"، ولآخر يدعو نفسه "Mc Anhar" صاحب أغنية "قصف جبهات"، ويركزان في أغلب أغانيهما، حتى القديم منها قبل اندلاع الاحتجاجات الحالية، على التبعية لإيران، ووصف السياسيين العراقيين الموالين لها بأقبح الأوصاف.
وقرر بعضهم أن يغنّي باللغة الإنجليزية، مثل أغنية "رسالة إلى العالم".
وجزء من هذه الأغنية أيضاً بالإنجليزية، للرابر "مستر كوتي"، عنوانها "هنا الشعب"، وهي مصوّرة بين جموع المتظاهرين.
أما هذه الأغنية، فهي لرابر عراقي مغترب يدعو نفسه "لورانس"، صوّرها خارج العراق، وأرفقها بعبارة "صحيح احنا بره العراق لكن قلوبنا بالعراق".
لماذا الراب الأكثر شيوعاً؟
غالباً ما تصاحب موسيقى الراب الحركات الاجتماعية والسياسية المعاصرة، خصوصاً أنها تحمل سمات المباشرة والحرية في التعبير وأيضاً الجرأة الشديدة في الطرح، فتعكس أفكار وآمال أو مخاوف ومشاعر شريحة كبيرة من الناس، ترى فيها ما لا تستطيع قوله أحياناً.
وانبثقت أغاني الراب من رحم موسيقى الهيب هوب أوائل سبعينات القرن الماضي، حيث كانت أولى الأغاني "Rappers Delight" من برونكس بمدينة نيويورك الأميركية،
وعرف به الأميركيون الأفارقة، ويعود لهم الفضل في ظهور هذا الفن، الذي انتشر بشكل هائل في أنحاء العالم، وما زال منذ 40 عاماً يتجوّل بلغات ومواضيع شتّى.
ولا يرتبط الراب بالموسيقى والإيقاع فحسب، بل يشبتهر أيضا ينمط الملابس والرقصات ولغة الجسد التي ترافقت مع الرابرز السود.
وتتفرع عن الراب عدة أنواع، منها: الراب البديل (alternative rap)، والكرنك (crunk)، والسكرو (screw)، والبوب راب (pop rap)، وراب العصابات (gangsta rap)، و الراب كور (rapcore)، والجي فنك (G-funk).
وفي مقال بعنوان "الأصول الحقيقية للراب" يقول كول مايز، وهو مدون متخصص في الراب، إن كلمة "راب" حاضرة منذ القرنين الخامس والسادس عشر في بريطانيا وتعني ضربَ أو أحدث ضجيجاً، لكن اكتسبت معنىً جديداً في مجتمعات السود بالولايات المتحدة الأميركية خلال الستينيات، لتصف فعل الكلام والمحادثة.
لكن قبل آلاف السنوات قبل أن يصبح الأفارقة عبيداً في العالم الجديد، وجد ما يُعرف بـ"الغريوتس" وهو الحكّاء في القرية، يروي القصص عن عائلته والفعاليات الجارية، والشعر وغيره برفقة العزف على أدوات موسيقية بسيطة.
وهذه العادة انتقلت مع الأفارقة الذين أخذوا عبيداً لأميركا، حيث كان أحدهم يبدأ الحديث عن أوجاعه أثناء العمل في الحقول، ويدعى ذلك "نداء استجابة" بحيث يرد عليه آخر في الحقل مع إضافة شيئ جديد.
