لمرام في ساحة التحرير ثورتها الخاصة، حيث قررت أن تتبرّع بدق الوشوم للراغبين بذلك.
داخل إحدى الخيم المنتشرة في ساحة التحرير، وسط بغداد، تحرك هذه الشابة قلماً ميكانيكياً بعناية لتدق وشماً على الكتف الأيسر لأحد الأصدقاء.
يمثل الرسم نصب التحرير، المنحوتة الضخمة المنتصبة في الساحة التي تحمل الاسم نفسه في وسط العاصمة العراقية، التي تروي طريق العراق إلى النظام الجمهوري، محورها الرئيسي شخص يمد ذراعيه لتحطيم حاجز حديد.
تقول مرام، بعدما أكملت رسم نسخة مصغرة سوداء على كتف الشاب، لوكالة فرانس برس "أحب كسر الحواجز".
وتضيف هذه الشابة ذات الشعر القصير "الناس لا تتقبل بسهولة أن تقوم فتاة بدق الوشم"، مشيرة الى "البنات اللواتي يقمن برسم الوشم يعملن عادة في الصالونات وللبنات" فقط.
وتتابع لوكالة "فرانس برس": "قررت الخروج عن المألوف قليلاً، لأن التغيير ضروري".
وبدأت مرام التي تدرس الفنون التشكيلية حالياً العمل بدق الأوشام قبل ثمانية أشهر بهدف الحصول على مورد مادي.
ودقت مرام المشاركة في التظاهرات منذ بدايتها، على ذراعها الأيسر تاريخ "25 أكتوبر"، وهو موعد انطلاق الموجة الثانية من الاحتجاجات المتواصلة في العراق.
توثيق الذكرى
واصطف بعض الشبان أمام الخيمة التي تدق فيها مرام الوشوم مجاناً، لتوثيق ذكرى الانتفاضة على أجسادهم.
من جانبها، تقول مرام "ثمة أشخاص قرروا التبرع بمواد طبية أو ملابس، وأنا قررت التبرع بهذا الشيء".
ودقت هذه الفنانة، ما لا يقل عن 15 وشماً على صلة بالاحتجاجات، بينها "25 أكتوبر" ونصب التحرير وكمامة الغاز التي يستخدمها المتظاهرون بشكل واسع اتقاء من القنابل المسيلة للدموع التي تطلقها القوات الأمنية.
ويقتصر زبائن مرام على فئة الشباب، وتأتي إلى ساحة التحرير تحمل عدتها لدق الأوشام، ومعها قائمة مواعيد تصلها تطبيق "إنستغرام" الذي يتابعها عبره أكثر من 80 ألف شخص.
بين هؤلاء، هاشم (18 عاما) الذي رفع قميصه الأصفر ليكشف لوكالة فرانس برس عن أول وشم على جسمه، وهو رسم لقناع طبي صغير على خصره الأيمن، حصل عليه قبل أسبوع واحد فقط.
يقول "أصبح لدينا ذكريات كثيرة، وأعجبني أن أحمل وشماً منها"، في إشارة للقناع.
ويتابع "لا يمكنني وضعه على يدي (مثلاً)، لأن أهلي لا يقبلون ذلك".
وشم ثورة
أحدث زبائن مرام، شاب في التاسعة عشرة، عرف عن نفسه باسم "كراش"، دق على كتفه وشم نصب التحرير . يقول "وضعته كذكرى لأصدقائي الذين استشهدوا وخطفوا".
أما مشتاق طالب (23 عاما)، الذي ينحدر من مدينة البصرة الواقعة في أقصى جنوب العراق، فتغطي ذراعيه ستة أوشام.
أحدث وشم وضعه هذا الشاب، كان على كتفه الأيمن، يحمل صورة مركبة تجمع تاريخ انطلاق الانتفاضة وخارطة للعراق ونصب التحرير، تنساب كلها إلى يدين متحدتين كالقبضة.
ويقول مشتاق لـ"فرانس برس" إن "هذا الوشم يمثل ثورة 25 أكتوبر، التي ألغت لنا أمراً مهما لم نتجاوزه منذ 16 عاما، هو الطائفية"، في إشارة للصراعات التي ضربت العراق بعد غزوه بقيادة الولايات المتحدة عام 2003.
ووصف الاحتجاجات، بأنها "ثورة شبابية" مضيفا "يد واحدة تجمعنا وتجاوزنا الطائفية في هذه الثورة، سني شيعي مسيحي، الكل موجود" .
وختم مشتاق حديثه "غدا وبعده والعام المقبل، عندما نكبر سيسألوننا عن هذا الوشم، وما الذي حدث، ولابد أن نوضح لهم ما حصل خلال هذه ثورة".
