شابة عراقية في ساحة التحرير/ ا ف ب
شابة عراقية في ساحة التحرير/ ا ف ب

دخل العراقيون يومهم المئة في التظاهرات السلمية التي تشهدها البلاد منذ فاتح أكتوبر 2019.

مدة طويلة من الاحتجاج والصمّود والنضال من أجل عدم الانجرار للعنف المضاد للقوات الحكومية والمليشيات الحزبية والمموّلة من إيران، التي تتحمل مسؤولية مقتل أكثر من 500 متظاهر ومتظاهرة وجرح أكثر من 20 ألفاً.

كما تخلل هذه المدّة اختطاف واعتقال المئات من العراقيين متظاهرين/ات كانوا أو داعمين للاحتجاجات في مدن عديدة، الكثير منهم عاد، وآخر لا يزال مصيره مجهولاً، مثل علي جاسب الغائب منذ ثلاثة شهور تقريباً.

 

 

وعبر النقاط الآتية، نحاول تلخيص المشهد من ظواهر وأحداث تخللت الأيام المئة، التي وصفها عشرات العراقيين بـ"التاريخية" نظراً لعدم حصول شيء مشابه في البلاد من قبل.

الصورة العامة

مظاهرات سلمية بدأت من ساحة التحرير أول أكتوبر 2019 لمدة أسبوع، ثم استؤنفت ليلة 24 أكتوبر وسط بغداد، لتستمر إلى اليوم، متنقلة بين عدة مدن عراقية في الوسط والجنوب.

تغيرت أهدافها من تحسين الخدمات وتوفير فرص عمل والقضاء على الفساد إلى إسقاط رئيس الوزراء عادل عبد المهدي والقضاء على المحاصصة الحزبية في البرلمان وتعديل قانون الانتخابات والتخلّص من التبعية الإيرانية وتحكمها في البلاد.

 

تصعيدات عنيفة

1- مواجهة المتظاهرين بالعُنف والقوة المفرطة من قبل قوات حكومية وأخرى تابعة للمليشيات الحزبية، ما أسفر عن مقتل أكثر من 500، وإن لم يتم تحديد العدد تماماً، فأغلب المصادر تؤكد تجاوزه لل500، ووفق المفوضية العليا لحقوق الإنسان العراقية تجاوز عدد الجرحى والمصابين 26 ألفاً، أكثر من 3000 أصيبوا بإعاقات جرّاء هذه الإصابات، وفق إحصاءات منظمة "تجمع المعوقين في العراق" غير الحكومية.

 

2- مجزرة الناصرية والنجف، أواخر نوفمبر 2019، أسفرت عن 24 قتيلاً، وشكلت لحظات فارقة في سير التظاهرات وتطور العنف ضد المتظاهرين، أقيل على أثرها جميل الشمري، رئيس خلية إدارة الأزمة في جنوب العراق المكلف من رئيس الحكومة عادل عبد المهدي، الذي قدم استقالته بعد ذلك بيوم واحد.

 

 

3- الظهور العلني الفارق لكتائب حزب الله المتهمة بقتل عشرات المتظاهرين عبر قنّاصتها، وكان في ساحة الخلاني 6 ديسمبر 2019، حيث استهدفت المتظاهرين وقتلت 24 منهم كما جُرح بسبب هجومهم بالرصاص والسلاح الأبيض 120 شخصاً، وكان أبرز القتلى الناشط المصوّر والمنتسب للحشد الشعبي أحمد مهنا.

ثم توالى ظهور الكتائب الفارق بعد قتل مقاول أميركي، كان ردّ الأميركيين عليه قصف أحد معاقلهم وقتل 24 من عناصرهم، تلاه اقتحام السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، أعقبه قتل الأميركيين لقاسم سليماني وأبو مهدي المهندس (قائد الكتائب) بالإضافة إلى عدد من قيادات أخرى.

ما أحدث تصعيداً عسكرياً أميركياً- إيرانياً على الأراضي العراقية. رفضه المتظاهرون في ساحات الاحتجاج باعتباره انتهاكاً للسيادة العراقية وتصفية حسابات لدول خارجية ليس للعراق شأن فيها، ما خلق تخوفات من لفظ الثورة آخر أنفاسها.

 

 

5- قتل والتمثيل بجثة الفتى هيثم إسماعيل (16 عاماً) في ساحة الوثبة (12 ديسمبر)، من قبل عشرات المتظاهرين الغاضبين الذين اتهموه بإطلاق الرصاص عليهم من أعلى سطح أحد المنازل المجاورة، ما شكّل صدمة كبيرة وإحباطاً لدى الكثير من المتظاهرين والداعمين للاحتجاجات عن بعد، لكن سرعان ما تم تجاوزه وعدم السماح للحدث بالتأثير سلباً على سلمية التظاهرات. 

 

6- اختطاف وتعذيب الشابة زهراء علي حتى الموت ثم إلقاء جثتها على قارعة أحد الأرصفة في منطقة الصّدر ببغداد. ومثل مقتل هذه الشابة التي كانت تساعد والدها في تقديم مساعدات للمتظاهرين، صدمة كبيرة لدى العراقيين، خصوصا بسبب تعرضها للتعذيب ساعات متواصلة من قبل مجهولين. 

 

 المشاركات الفارقة

1- تفاني سائقي التكتك، أصحاب هذه المهنة البسيطة التي لا تدر المال الوفير عليهم، على مدى 100 يوم في خدمة المتظاهرين عبر نقلهم لساحات الاحتجاج سالمين أو إيصال المصابين والقتلى للمستشفيات والمفارز الطبية أو سيارات الإسعاف، واستبسلوا في مهماتهم كما قتل العديد منهم أثناء تأديتها. 

 

2- النساء من مختلف الفئات العمرية: جدّات وأمهات وشابّات جامعيات وموظفات في قطاعات مختلفة وصاحبات مهن معقدة وبسيطة وطالبات مدارس. 

وكان لهذه المشاركة التي تكثفت في بداية الموجة الثانية من التظاهرات (25 أكتور) وتزايدات طيلة الأسابيع الماضية، تنوع في طبيعة المشاركة من تطبيب وإسعاف وتنظيف وإعداد طعام أو توزيعه بالإضافة للتواجد في السواتر الأمامية للمتظاهرين لتوزيع "المشروبات الغازية والأقنعة" التي تقي وتسعف المصابين بالغز المدمع، عدا عن غسيل الثياب والرسم على الجدران والتوثيق المصوّر والمكتوب للأحداث اليومية، والمشاركة في المبادرات المسرحية والإذاعية والصحافية المكتوبة في جريدة "تكتك" وغيرها من الصّادرة في ميادين التظاهر، وغيرها الكثير. 

وبرزت العديد من النساء بسبب تأثيرهن القوي على متابعي مواقع التواصل، مثل بائعة المناديل دنيا، وصاحبة الأهزوجة "وين ابن الرمادي" التي تدعو للثأر لدماء القتلى في الناصرية. 

 

 

3- طلبة المدارس والجامعات والنقابيّون وذوو الاحتياجات الخاصّة، ذكوراً وإناثاً. وأظهر الطلبة تضامناً كبيراً وإيماناً بجدوى المظاهرات، التي قد تشكل مستقبلاً أفضل لهم في حال نجاحها وتحقيقها أهدافها المنشودة.

 

4- العشائر، وظهر منهم في ساحة التحرير أولاً، في إطار التظاهر السلمي، ثم برز دورهم بعد مجزرة الناصرية والنجف حيث يُعزى لهم التأثير على الحكومة العراقية للإطاحة بالشمري، وأظهروا احتراماً وانسجاماً كبيراً مع رغبة المتظاهرين في الحفاظ على السلمية. 

 

5- الشبّان الصغار، من جيل الألفية وأواخر التسعينيات، الذين أبدوا شجاعة بدت للعراقيين مفاجئة، خصوصاً أنهم كانوا يوصفون دائماً بـ"جيل الببجي والعطواني"، وشكلّوا الأغلبية في السواتر الأمامية (الاحتكاك المباشر مع القوات الأمنية) والكثير من القتلى، والأغلبية بين سائقي التكتك. 

 

أماكن أيقونية

في ساحات التظاهر، كان للجسور والساحات الحضور الأكبر والرمزية المضاعفة مع دخولها الحيّز المكاني للأحداث الفارقة في سيرة المظاهرات العراقية، إلا أن لا مكان استطاع التفوّق على ساحة التحرير ومبنى "المطعم التركي" الذي أطلق عليه "جبل أحد" من قبل المتظاهرين. 

فساحة التحرير أم البدايات، وعنوان التجمع الجماهيري الكبير والمقصد لآلاف العراقيين من المحافظات الأخرى. 

فيما المطعم التركي، كان مركز الحشد وصوت الإذاعة والجدار الحامي للمتظاهرين من رصاص القنّاصين، ومحطة إطلاق البيانات والمواقف التعبوية من الأحداث التي تحصل خارج ساحة التحرير، كما حملت جدرانه الخارجية لافتات المطالب وصور القتلى والشعارات الثابتة والطارئة بالتوازي مع حراك المتظاهرين.

أما الجسور فأهمها: جسر السنك، والساحات الأخرى: الخلّاني، فيما كان الشارع الشاهد الأبرز على الأحداث من الشوارع، شارع الرشيد. 

 

 

ثقافة وفن

خلال 100 يوم، أظهر العراقيون، وأكثرهم من فئة الشباب، قدرتهم الفائقة على الإبداع وابتكار الجديد المنسجم مع تطلّعات وآمال ثورتهم، كما بدا واضحاً وأساسياً بالنسبة لهم، أن المعرفة والعلم والوعي والفن دعائم أساسية للعمل الثوري الذي يبتغي التغيير الجذري.

وشهدت ساحة التحرير والنفق المؤدي لها أعمالاً فنية عديدة مثل الرسم على الجدران والغرافيتي، والعزف على آلات موسيقة متعددة بالإضافة للغناء، وتمثيل المسرحيات الصامتة والناطقة، والرقص والغناء الشعبي (الأهازيج)، ولم يقتصر الأمر على ساحة التحرير، بل تواجد في أماكن تظاهر أخرى في البصرة والنجف والناصرية.

كما تم إصدار صحيفة "تكتك" وغيرها من الصحف الناطقة باسم الثورة، إضافة لإذاعة التحرير وسينما التحرير، عدا عن بسطيّات الكتب في مختلف تجمعات التظاهر. 

أضف إلى ذلك العدد الهائل من الأغاني بأنواعها: الراب، والشعبي، والثوري، التي أنتجها وصوّرها شبّان وشابات من داخل ساحات التظاهر، بمشاركة متظاهرين ومتظاهرات غيرهم.

وهذه الأعمال الفنية والثقافية تجاوزت الحدود، إذ عبر العديد من الفنانين العراقيين والفنات العراقيات عن دعمهم للثورة عن بعد بأغانيهم، علا اختلاف أنواعها، مستلهمين/ات من الرّوح الثورية والثوابت السلمية في حراك المتظاهرين.

وربما نستطيع القول، إن الشاب المتظاهر حيدر حسين التميمي كان الأكثر حظاً في استقطاب مشاعر وتضامن العراقيين وغيرهم من باقي البلدان عبر غنائه المباشر بين جموع المتظاهرين.

 

 

الملامح الثابتة للثورة

لمدة 100 يوم، وفي مفارقة عراقية لم تشهدها البلاد من قبل، وعلى الرغم من التدخلات العديدة من عناصر ميليشيات في محاولة لتغيير المسار والأحداث، ظلت السلميّة الملمح والشعار الثابت الذي شكّل مجريات ووقائع التظاهرات. 

وكان العراقيون كلّما خفت ضوء الأمل بسبب تصعيد العنف وتدخّل أطراف مسلحة للقضاء على التظاهرات، يجدّدون ويصرّون على السلمية لأنها الطريق الأَمن لتحقيق الأهداف. 

وإن كان من آثار لهذه الثورة ظهرت خلال المئة يوم هذه، فكانت على الصعيد الشخصي والفردي، هذا الاحتشاد المتكامل للعراقيين من مختلف الفئات والأعمار والطوائف ذكوراً وإناثاً في أماكن وحدتهم أكثر مما كانوا يظنّون، وفتحت لهم آفاق التفاهم مثل الخلاف والاطلاع على القواسم المشتركة ومحاولة السيطرة على خلافاتهم لأن صورة الوطن الذي يطمحون إليه، تبدو رغم كل شيء، واحدة. 

وإن لم تكن أي من المطالب الحقيقية تحققت خلال هذه المدة، فقد كان للعراقيين في ساحات التظاهر الأثر في على السياسيين والمسؤولين (استقالة عبد المهدي وإبداء الرئيس برهم صالح استعداده لفعل مماثل) وحتى المؤسسات الدولية مثل بعثة يونامي، إذ جرى تغيير في موقف رئيستها جنين بلاسخارت.

كما استطاع العراقيون الدفع باتجاه التحقيق في قتل المتظاهرين، وتم إظهار النتائج بالأسماء في حدث غير مسبوق.

وحتى الآن لم يتم اختيار رئيس للوزراء خلفاً لعبد المهدي، لأن تعيينه بات رهناً لموافقة المتظاهرين، الذين لم يمرروا الموافقة على أي من المرشحين خلال الفترة الماضية.

 

 

وإن كانت الحكومة العراقية اتبعت في بداية التظاهرات خطوات لخفض صوت المتظاهرين وإنهاء الاحتجاجات، مثل القطع المتكرر للإنترنت وحجب مواقع التواصل الاجتماعي، فإنها أصبحت الآن نسياً منسياً.

وأوصل المتظاهرون كل ما يريدون إيصاله للإعلام العربي والدولي عبر نشاطهم المتزايد في مواقع التواصل الاجتماعي، أو التواصل مع الصحافيين بأسماء مستعارة وحتى بأسمائهم، غير آبهين بالنتائج الخطرة مقابل نقل مشاهداتهم وشهاداتهم.

واليوم بعد ما جرى في الأسبوع الأول من السنة الجديدة في العراق، من تصعيد عسكري بين إيران وأميركا، دعا نشطاء عراقيون لمليونية يوم غد الجمعة، يجددون فيها الأمل بأن التظاهرات ستستمر حتى نيل الأهداف.

 

 

مواضيع ذات صلة:

العراق

فضائيو المؤسسة العسكرية.. حكاية فساد عراقية لا تنتهي

01 يونيو 2020

خاص- ارفع صوتك

في عام 2014 قاد رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي حملة لمكافحة الفساد في المؤسسة العسكرية ، كاشفا عن وجود 50 ألف جندي وهمي، في أربع فرق عسكرية فقط، تذهب رواتبهم إلى جيوب بعض القيادات العسكرية، لكن يبدو أن الإصلاحات الم تنته.

وتعكف لجنة الأمن والدفاع في مجلس النواب وبعض المؤسسات الرقابية، على غربلة أعداد القوات الأمنية في جميع أصنافها لفرز الأسماء الوهمية فيها.

من جهته، يصنف عضو اللجنة النائب عباس سروط في حديثة لـ"ارفع صوتك" المقاتلين الوهميين أو "الفضائيين" وفق تعبيره، إلى نوعين: الأول يمثل الجنود الموجودين بالاسم فقط، ويستلم رواتبهم بعض الضباط، والثاني الجنود الذين يدفعون جزءاً من رواتبهم للضباط المسؤولين عنهم مقابل منحهم إجازات متكررة دون مراعاة الموجود الفعلي والضروري للوحدة العسكرية.

ويرجح سروط أن تكون حالات الفساد هذه من الأسباب التي أدت إلى الخرق الأمني الذي راح ضحيته عدد من الجنود في منطقة مكيشيفة في صلاح الدين على يد عناصر تنظيم داعش .

توطين الرواتب 

يؤكد عضو لجنة الأمن والدفاع البرلمانية كاطع الركابي لـ"ارفع صوتك" أن قضية الفضائيين أصبحت من أهم القضايا التي تشغل أعضاء اللجنة.

ويشير إلى أن اللجنة البرلمانية تتلقى اتصالات دائماً من جنود يشكون من طول واجباتهم بسبب قلة العدد، مضيفاً "عند التدقيق نجد أن عدد الجنود في الوحدة العسكرية كبير، لذا نقوم بتوجيه القيادات المباشرة لهذه التشكيلات العسكرية  بالتحقق من الأمر".

وعند سؤال الركابي عن مدى ثقة اللجنة بنزاهة هذه القيادات وما تجريه من تحقيقات، قال "ليس بنسبة 100%".

ويلفت الركابي إلى أن هذه الحالة موجوده في جميع الأجهزة الأمنية ولا تقتصر على وزارتي الدفاع والداخلية فقط، بل تمتد إلى فصائل الحشد الشعبي والأمن الوطني والمخابرات حسب تأكيده.

ويرى أن مسألة "توطين الرواتب باتت ملحة من أجل السيطرة على هذه الخروقات المالية والقضاء عليها".

داعش والفضائيين 

في ذات السياق، يؤكد العميد ركن المتقاعد جاسم حنون، أن الفساد في المؤسسة العسكرية أحد أهم الركائز التي يعتمد عليها تنظيم داعش في شن هجماته.

ويوضح القول "ظهرت لدى داعش إستراتيجية جديده مؤخراً، بالاعتماد على الهجمات المناطقية، لامتلاكه مجسات وعلاقات عشائرية يعرف عن طريقها التحول والتكتيك والانتشار للقوات الأمنية في تلك المناطق".

"ويعتبر هذا عاملاً سلبياً للقوات الأمنية بأنها مخترقة ولا تستطيع الاحتفاظ بالمعلومات الاستخبارية" يقول حنون، مشدداً على ضرورة مراجعة الإجراءات الإدارية للقضاء على حالات الفساد في المؤسسة العسكرية بشكل عام.

وعلى الرغم من حالة الانضباط العالية التي وُصف بها الجيش العراقي فترة الثمانينيات والتسعينيات، إلا أن العديد من الخبراء الأمنيين يؤكدون أن هذه الفترة أيضاً شهدت بروز حالات فساد لبعض الضباط والقيادات، من قبيل دفع بعض الجنود مبالغ لقاء عدم التحاقهم بوحداتهم العسكرية، لكن بالمقارنة مع الوضع الحالي، كانت أقل، حيث اليوم بات الفساد ثقافة سائدة.