الصحافي العراقي أحمد عبد الصمد، اغتيل اليوم 10 يناير 2020
الصحافي العراقي أحمد عبد الصمد، اغتيل اليوم 10 يناير 2020

*يعيد موقع ارفع صوتك نشر هذا المقال في الذكرى الأولى لمقتل الصحافي العراقي أحمد عبد الصمد. 

"خطيّة هذا أحمد عبد الصّمد" أول عبارة نسمعها في فيديو تم تداوله بشكل واسع في مواقع التواصل العراقية، يوثق لحظة العثور على الإعلامي العراقي مراسل قناة دجلة الفضائية، غارقاً بدمه. 

وفي إضاءة قليلة من ظُلمة ليلة العاشر من يناير، بدا المعطف الأزرق ظاهراً، وشاهداً على هويّة أحمد، وهو نفسه الذي ظهر به في آخر فيديو نشره عبر صفحته الرسمية في فيسبوك، قبل ساعات على اغتياله، برفقة زميله المصوّر الصحافي صفاء غالي، الذي قُتل معه. 

صحافيّان لفظا أنفاسهما الأخيرة بهجوم مسلّح من مجهولين، على الرغم من اعتقاد الكثير من العراقيين بأنهم "معروفون"، وهم أنفسهم الذين توجّه إليهم عبد الصّمد في الفيديو الأخير، الذي صوّره بكاميرا "سيلفي" وسط التظاهرات وسط مدينة البصرة، وختمه بالقول "قضيتنا قضية وطن يالماعدكم وطن".

 

ولمن لم يعرف عبد الصّمد، أو يشاهد أياً من تغطياته للاحتجاجات العراقية، فها هي صفحته الرسمية، ترسم لنا صورة مختصرة عن هذه الشخصية التي تقول كلمتها وتمشي، على حد تعبير الكاتب اللبناني الرّاحل كامل مروّة، إذ بدا في جميع مقاطع الفيديو والمنشورات على صفحته غير آبه بالنتائج، أو ملقياً بالاً للتداعيات الخطرة.

وفي بداية التظاهرات العراقية بموجتيها الأولى والثانية، كان التشديد الأمني على الصحافيين من كتّاب ومصوّرين ومراسلين ميدانيين، واضحاً في ندرة النشر والكتابة عمّا يجري على الأرض، حتى بالنسبة للوكالات الدولية، التي طلبت من موظفيها التوقف عن النشر والبث من بغداد والمحافظات التي شهدت مواجهات عنيفة بين المتظاهرين والقوات الحكومية.

وكان من الملاحَظ نُدرة التغطية الإعلامية من قبل فضائيات ومواقع إعلامية عراقية، حتى أواخر نوفمبر 2019، ليقتصر الأمر على المتظاهرين النشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي الذين نقلوا للعالم بشكل علني أو سرّي أبرز عمليات القمع ضدهم.

وبدا عبد الصّمد في المواجهة، يغطّي التظاهرات وينقل أصوات المتظاهرين منذ الأيام الأولى، عدا عن تغطياته الرسمية مع قناة دجلة.

ولم يتردد عبد الصمد في إشهار آرائه أمام الكاميرا، ضد الفساد وتبعية الأحزاب لإيران والمماطلة في التعيينات الحكومية، في بداية الاحتجاجات ورغم الخطر المحدق بالإعلاميين، ثم تطور الحديث لمطالب أخرى وانتقادات أكثر حدّة انسجاماً مع تطوّر مطالب المتظاهرين.

 

 

 

وإن كنّا في زمن مضى نقول إن الزخم في مواقع التواصل عادة "مبالغ به" وأقل بكثير من أرض الواقع، بدا الأمر مختلفاً في الشهر الأخير من التظاهرات العراقية، إذ كانا في انسجام تام كمؤثر ومتأثر، وهو ما ظهر جلياً بعد اغتيال عبد الصمد وغالي، حيث توجه الآلاف من متظاهري البصرة لبيت عبد الصّمد من أجل العزاء.

وبرزت الدعوات بأن تكون جنازته كما يستحق، وهو الذي قدّم روحه ثمناً لدفاعه عن التظاهرات وحق المتظاهرين بالاحتجاج والتعبير عن رأيهم، حسب العشرات ممن رثوه في مواقع التواصل.

 

 

 

وفي مواقع التواصل أيضاً رثا عبد الصّمد العديد من أصدقائه، إعلاميين كانوا أو نشطاء سياسيين، ونقلوا بكلماتهم صوراً أخرى من حياة الرّاحل ولو بمواقف بسيطة.

منهم الصحافي العراقي أزهر الربيعي، الذي نشر هذه الصورة مرفقاً بالإنجليزية "هذه آخر صورة التقطتها لأحمد، وقبل أن يظهر في البث المباشر، سألني (هل أعجبك الجاكيت؟ لقد اشتريته خصّيصاً لهذا البث. جاكيت جديد، حكومة جديدة".

 

وكتب صديقه الصحافي في وكالة فرانس برس، عمّار كريم، بالإنجليزية، مرفقاً بالنص صورة لعبد الصمد حملها المتظاهرون الذين توجهوا لمشاركة أهله العزاء "لا أستطيع تخيل أنني شهدت هذا اليوم، الذي أرى فيه صورة صديقي الصحافي العبقري أحمد عبد الصمد على لافتة فقط، إنه بالفعل لأمر صادم، وخبر مروّع. ارقد بسلام صديقي".

 

وفي ذات السياق، كتبت مراسلة بي بي سي في العراق وسوريا نفيسة كوهنافارد "لا يمكنني تصديق أن أحمد رحل... لا يمكن أن يكون هذا حقيقياً... كان يملك حس دعابة عالياً ومن أكثر الناس الذين قابلتهم في العراق والبصرة سخاءً. ارقد بسلام يا عزيزي. قُتل اليوم برصاص كمجهولين في البصرة".

 

 

وإن كان أكثر القتلى في التظاهرات العراقية تأثيراً وإلهاماً في نفوس العراقيين، الناشط والشاعر صفاء السّراي، فإن ليلة هذا اليوم، شهدت تفاعلاً مماثلاً مع مقتل الصحافي عبد الصمد، خصوصاً أنه تزامن مع مليونية التجديد وزيادة الزخم الثوري للتظاهرات، بعد أن خفتت بسبب الأحداث الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة.

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.