يحمل هذا المتظاهر الإيراني في طهران  امرأة من ضحايا الطائرة الأوكرانية/ ا ف ب
يحمل هذا المتظاهر الإيراني في طهران امرأة من ضحايا الطائرة الأوكرانية/ ا ف ب

أكد الرئيس الإيراني حسن روحاني، اليوم الثلاثاء، أن بلاده "ستعاقب" كل المسؤولين عن كارثة الطائرة الأوكرانية التي أسقطت خطأ بصاروخ إيراني في 8 يناير الجاري، قرب طهران، ما أدى إلى مقتل 176 شخصا كانوا على متنها.

ويأتي تصريحه بعد يومين من اندلاع الاحتجاجات، التي بدأها الطلبة في عدة جامعات إيرانية، أولاها في العاصمة طهران، عقب اعتراف السلطات الإيرانية بأنها المسؤولة عن إسقاط الطائرة الأوكرانية "بالخطأ"، ولكن بعد ثلاثة أيام من نفيها هذا الأمر. 

 

 

وكان أحد الصواريخ الانتقامية لمقتل قاسم سليماني، التي وجهتها إيران إلى قاعدتي عين الأسد وأربيل الأميركيتين في العراق، أصاب الطائرة، التي كانت تقل  82 إيرانياً و63 كندياً و11 أوكرانياً، و10 سويديين و7 أفغان و3 ألمان، قُتلوا جميعهم.

 

هذه الحادثة أعادت للأذهان حادثة مشابهة كانت عام 1971، وفق السياسي اليمني محمد العبادي، وهو عضو اللجنه التنفيذيه للتجمع الديمقراطي الجنوبي (تاج).

وقال إنها تذكر بمناورة عسكرية إيرانية احتفالاً بمرور 2500 عام على إنشاء مملكة فارس القديمة، استهدفت "استعراض القوه وإرهاب شعوب المنطقه، وانتهت بفشل ذريع" إذ تصادمت القطاعات بسبب خلل في التوقيت، وتاهت في الصحراء.

 

 

وفي الوقت الذي كانت التهدئة سمة الخطابين الإيراني والأميركي بخصوص الفعل ورد الفعل بعد اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني سلمياني، ونائب رئيس هيئة الحشد وزعيم ميليشيا كتائب حزب الله أبو مهدي المهندس، بالإضافة لأرعة قادة آخرين في الحرس الثوري، إلا أن سقوط الأوكرانية مثل الضربة المزدوجة لإيران من الداخل والخارج، لكن هل هي القاضية؟ 

هذا بالنظر إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي اتجهت بسرعة لنصرة المتظاهرين حتى أنه نشر على حسابه الرسمي في تويتر باللغة الفارسية، كي تصل رسالته للإيرانيين بشكل مباشر، وبالنظر أيضاً لتفاعل الدول الخمس التي شكلت جنسيّات ضحايا الطائرة. 

(ترامب: إلى قادة إيران- لا تقتلوا المحتجين. لقد قتلتم وسجنتم الآلاف من قبل، والعالم يراقبكم. والأهم من ذلك أن الولايات المتحدة تراقبكم. أعيدوا الإنترنت للبلاد ليتمكن المراسلون من استخدامه. توقفوا عن قتل شعبكم الإيراني العظيم!)

 

وفي العراق، حيث بدأت كرة الثلج كرّتها، يتابع الساسة والمواطنون، تطورات الأحداث بين إيران والولايات المتحدة من جهة، والاحتجاجات الإيرانية من جهة أخرى، وعين المتظاهرين الذين أعادوا الزخم لاحتجاجاتهم، الجمعة الماضي، على ما يجري في البلد الذي اعتبروه المسبب الأول لأزماتهم، ويبدو كذلك لأبنائه.

وليس العراقيون فقط، فالسوريّون واللبنانيون واليمنيون أيضاً، في مواقع التواصل الاجتماعي، كانوا الأكثر تفاعلاً مع ما يجري داخل البلاد الفارسية.

 

ويعود ذلك لتأثير إيران في هذه البلدان، بالتالي ما يحصل أو ما سيحصل هناك، سيؤثر بالضرورة على المجريات العسكرية والسياسية فيها، خصوصاً مع رفع الإيرانيين في شوارع الاحتجاج شعارات تطالب بإسقاط النظام ورحيل المرشد علي خامنئي وأخرى تقول "الموت لولاية الفقيه على كل هذا الإجرام" و"عدونا هنا وليس أميركا.. لا نريد متفرجين انضمو لنا" و"الحرس الثوري يقتل، والمرشد يدعمه" و""قتلوا نخبتنا واستبدلوهم برجال دين" وغيرها.

 

"حيل عالكة بإيران"

ينشط المخرج العراقي فراس السراي بنقل تطورات الاحتجاجات منذ بدايتها أوائل أكتوبر في البلاد، عبر حسابيه في موقعي "تويتر" و"فيسبوك" للتواصل الاجتماعي، يتابعه عشرات الآلاف فيهما. 

وتفاعل عشرات النشطاء العراقيين مع تغريداته حول المظاهرات في طهران ومدن أخرى.

وتنوعت الآراء حول ما يحدث، بين السخرية السوداء من إيران ستتهم هؤلاء المحتجين بـ"الجوكرية" أو "أبناء السفارات" أو "بعثية وأصحاب أجندات" (انظر مقال: "شيطنة الآخر" والمفردات متعددة المعاني في الثورة العراقية)، وبين اعتبار هذه التظاهرات "غير مؤثرة" إذ لا تمثل سوى عدد قليل جداً من الإيرانيين الذين يتجاوز تعدادهم 80 مليوناً، وأغلبهم وفق هذه التعليقات "موالون للنظام وولاية الفقيه".

كما رأى آخرون أن الإيرانيين يستحقون العيش بعدالة وأن هذه الاحتجاجات نتيجة حتمية للحكم الديني.

 

 

 

وفي مفارقة عراقية- إيرانية، كان الاهتمام الأكبر بضحايا الأوكرانية أكثر من مقتل قاسم سليماني بالنسبة للإيرانيين، وهو ما لا يراه الكثير من العراقيين حاضراً في الميزان بين قتلى التظاهرات وسليماني وأبي مهدي المهندس، مثل ياسر، الذي يقول في هذه التغريدة:

 

وعبر فيديوهات الاحتجاج من عدة مدن إيرانية، لفتت مظاهر الحياة العامة من شوارع ومبان جامعية ومواصلات عامة (قطارات الأنفاق) أنظار العديد من العراقيين، إذ تفتقد بلادهم لمثل هذه المرافق، رغم الموارد المالية الضخمة التي يدرها قطاع النفط.

 

من جهته، علق النائب في البرلمان العراقي فائق الشيخ علي، على التظاهرات بقوله "لقد انتهى المشروع الإيراني في التوسع الإقليمي وقُبِرَ. وميليشيات العراق تعيش فصلها الأخير!".

 

فيما رأى الخبير الأمني هشام الهاشمي، ضرورة استغلال اللحظة في العراق، باعتبار أن الأزمة الدولية التي تواجهها إيران "فرصة للثورة" من أجل  الضغط على الحكومة ودفعها نحو الاستقالة.

وعلق رئيس موقع "بغداد بوست" سفيان السامرائي، بصورة للمجال الجوي الإيراني قائلاً "الأجواء الايرانية خالية من الطيران الدولي ما عدا الطيران الإيراني الداخلي والخارجي والطائرات القطرية. كل دول العالم انسحبت من المجال الجوي الإيراني بعد الكارثة، لم تبق إلا قطر تستخدم هذا المجال بسبب المقاطعة".

وردّ على هذه التغريدة الإعلامي علي الجابري "... مثال بسيط يكشف لكم لماذا لا تريد إيران الاستقرار للعراق وكم ستكون خسارتها لو عاد العراق كما كان في السابق! والمؤسف أن عملاءها في العراق ينفذون مخططاتها الدنيئة".

 

وتعقيباً على حدث اليوم من رفض طلبة إحدى الجامعات الإيرانية الدوس على العلمين الإسرائيلي والأميركي، قال الصحافي ع. وجيه محجوب إنه "عمل رائع من الإيرانيين الذين يرفضون أن يجرهم الحرسيون إلى معركة وهمية خاسرة بلا سبب".

 

ومن شوارع العاصمة الإيرانية طهران، رددّ المتظاهرون شعارات تعلن أن الهم العراقي الإيراني واحد، في تحية للمتظاهرين العراقيين.

وقالوا فيها، حسب ترجمة الصحافي الإيراني من عرب الأحواز محمد مجيد "من إيران إلى بغداد ، الفقر ، القمع ، الاستبداد.. من طهران إلى بغداد شعارنا هو الثورة
من الأحواز إلى طهران ، الاضطهاد الاضطهاد".

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.