الزعيم الشيعي مقتدى الصدر
الزعيم الشيعي مقتدى الصدر

في بداية شهر ديسمبر الماضي ووسط استمرار المظاهرات المناهضة للفساد والطبقة السياسية العراقية وتنامي النفوذ الإيراني في العراق، ظهر مقتدى الصدر فجأة في إيران، وهو يحض أحد دروس آية الله جعفر السبحاني في المسجد الأعظم بحوزة مدينة قم.

الصدر لايزال طالبا دينيا، فهو لا هو يحمل درجة "مجتهد" التي تخوله الافتاء.، وكان في قم يحضر "الدرس الخارج"، المرحلة الأخيرة من الدراسة في الحوزات العلمية والتي تمنحه درجة الاجتهاد.

لكن وجود الصدر على الأراضي الإيرانية يتخطى طلب الدراسة الحوزوية، فهو يكاد يقيم منذ أشهر حصرا في إيران.

في شهر سبتمبر، ظهر في مجلس عزاء حسيني أقامه المرشد الإيراني، علي خامنئي، في طهران، بحضور قائد فيلق القدس قاسم سليماني، الذي قتل لاحقا بضربة أميركية قرب مطار بغداد.

ومن طهران أيضا، انطلقت سلسلة لقاءات جمعت سليماني بالصدر وشخصيات عراقية تمخض عنها اتفاق سياسي بالإبقاء على عادل عبد المهدي في منصبه، بعدما كان مقتدى حتى فترة قريبة يدعو لاستقالة الحكومة.

ثم ظهر الصدر في بيت قاسم سليماني مقدما العزاء لعائلته، واليوم، يدعو، من قلب إيران أيضا إلى "مظاهرة مليونية" ضد الوجود الأميركي في البلاد، لأن "سماء العراق وأرضه وسيادته تنتهك".

إيران والعلاقة الملتبسة

علاقة الصدر بإيران ملتبسة جدا، فهو لا يؤمن بولاية الفقيه التي يقوم عليها النظام السياسي الإيراني، رغم أن أستاذه في الحوزة جعفر السبحاني من المدافعين الشرسين عنها.

في الواقع، تكاد تختزل علاقة الصدر الملتبسة بإيران علاقة عائلة الصدر بكاملها بالجمهورية الإسلامية، فقريبه محمد باقر الصدر ووالده محمد محمد صادق الصدر لا يؤمنان بولاية الفقيه أيضا.

لكن الأول هو مؤسس حزب الدعوة (قبل أن ينسحب منه) الذي حصل على دعم كامل من إيران، ولم يخف وقوفه إلى جانب نظام الخميني، ضد صدام حسين خلال الفترة القصيرة التي سبقت الحرب. وقد اغتيل على يد النظام العراقي في أبريل 1980.

أما الثاني، والد مقتدى، فكان أحد الآباء الروحيين "للانتفاضة الشعبانية" في جنوب العراق سنة 1991، والتي نالت دعما إيرانيا أيضا.

وكان محمد محمد صادق الصدر أول من يقيم صلاة الجمعة في مسجد الكوفة في معارضة تاريخية لأغلب المراجع الشيعية ممن لا يرون ضرورة لإقامة صلاة الجمعة في انتظار ظهور الإمام المهدي.

خلال تلك الفترة، لم يكن لمقتدى المولود في النجف سنة 1973 حضور سياسي يذكر. كان الأصغر من بين إخوته أيضا.

لكن اغتيال والده محمد صادق الصدر في فبراير 1999 مع اثنين من أبنائه، مصطفى ومؤمل، دفع بمقتدى إلى المقدمة. فصار مشرفا على الحوزة الدينية في النجف.

الحوزة تحمل السلاح

فتح دخول أميركا إلى العراق سنة 2003 المجال أمام الصدر ليبرز بقوة على الساحة السياسية، فقدم نفسه قائدا لمقاومة "الاحتلال الأميركي" خاصة مع تفضيل مرجعية المرجع الأعلى علي السيستاني طريق المفاوضات للتوصل إلى حل سياسي.

وأعلن الصدر تأسيس جيش المهدي في أواخر سنة 2003، ودخل في مواجهات شرسة مع القوات الأميركية في مدن النجف والبصرة والعمارة وداخل مدينة الصدر في بغداد.

خلال تلك الفترة، أعاد الزعيم الشيعي الجديد إحياء نفس شعارات والده. واتهم أتباعه المرجعية الشيعية العليا بالخنوع، وكانوا يصفونها بـ"الحوزة الصامتة" مقابل "حوزتهم الناطقة". وهي الشعارات التي كانوا يرددونها عقب خطب الجمعة خلال تسعينات القرن الماضي.

وضع الجيش الأميركي الصدر على رأس قائمة المطلوبين، قبل أن تجد الأزمة طريقها إلى الحل بمبادرة لوقف إطلاق النار، قادها المرجع الأعلى علي السيستاني.

في تلك الفترة أيضا، اتهم القضاء العراقي عام 2003 زعيم التيار الصدري بتهم تتعلق باغتيال عبد المجيد الخوئي، نجل المرجع الأعلى الراحل أبي القاسم الخوئي، وكان حينها عاد إلى العراق لتوه.

كان جيش المهدي يحصل، خلال الحرب، على الدعم المالي والعسكري من إيران. وتشير إحدى وثائق التحقيقات الأميركية مع ساعده الأيمن وقتها قيس الخزعلي إلى أن هذه المبالغ المالية كانت تتراوح بين 750 ألفا ومليون دولار شهريا كدعم للعمليات.

بعد نهاية الحرب، حاول مقتدى الدخول إلى العملية السياسية. فشارك التيار الصدري في انتخابات البرلمان سنة 2005، بل أصبح داعما رئيسيا لحكومة نوري المالكي.

غير أن الانخراط في العملية السياسية لم يمنع وقوع الصدر تحت طائلة الاتهامات من جديد، فقد اتهم جيش المهدي بالتورط في عمليات تطهير خلال الحرب الطائفية بين سنتي 2006 و2008.

ينفي الصدر هذه الاتهامات ويلقي باللائمة على "عناصر منفلتة" من جيش المهدي يطلق عليها وصف "الميليشيات الوقحة"، في إشارة إلى عصائب أهل الحق التي ستتشكل سنة 2006 بزعامة قيس الخزعلي.

رجل في الحكومة ورجل في الشارع

تميز الصدر خلال مسيرته السياسية بالتقلب الشديد. لا يمنعه إعلان دعمه لأية حكومة، بل مشاركة وزرائه فيها، من سحب دعمه لها والتهديد باللجوء إلى الشارع.

في سنة 2007، دخل الصدر في خلاف حاد مع رئيس الحكومة نوري المالكي الذي دعمه سابقا، ليطلق هذا الأخير عملية صولة الفرسان ضد جيش المهدي والتي انتهت بهزيمة قاسية لمليشيا الصدر.

على أثرها، سافر الصدر إلى إيران في منفى اختياري معلنا اعتزال السياسة، لكنه عاد إلى العراق سنة 2011 للتحالف مع المالكي في حكومته الثانية، قبل أن يندلع الخلاف بين الرجلين من جديد، ويسحب الصدر دعمه للحكومة.

في 2014، دعم التيار الصدري حكومة حيدر العبادي. واختير أحد قيادييه (بهاء الأعرجي) نائبا لرئيس الوزراء. لكن الصدر أعلن مرة أخرى سحب دعمه للحكومة. ونظم أتباعه احتجاجات عارمة ضدها واقتحموا مبنى البرلمان. وفي مارس 2016، نصب هو نفسه خيمة داخل المنطقة الخضراء احتجاجا. 

وأعلن الصدر اعتزال السياسة والاعتكاف أكثر من مرة. في ‏منتصف فبراير 2014، ودون مقدمات، أعلن انسحابه من العمل السياسي وإغلاق جميع مكاتبه السياسية وحل تياره.

وقال في بيان نشر حينها: "أعلن عدم تدخلي بالأمور السياسية كافة وأن لا كتلة تمثلنا بعد الآن ولا يوجد لنا منصب داخل الحكومة أو خارجها ولا في البرلمان".

لكن الرجل سرعان ما عدل عن قراره، ودفع بأتباعه إلى التظاهرات التي اندلعت من ساحة التحرير في يوليو 2015.

جمد الصدر مليشياته المسلحة أكثر من مرة أيضا، بدءا من جيش المهدي سنة 2008 مرورا بلواء "اليوم الموعود" ووصولا إلى "سرايا السلام".

آخر حلقات التجميد والتفعيل، إعلان الصدر، قبل أسبوعين فقط، أوامر "بجهوزية جيش المهدي ولواء اليوم الموعود" لمواجهة أميركا.

التحالف مع "المليشيات الوقحة"

تسببت الحرب الطائفية في ضرر شديد لصورة الصدر وتياره. وعمل طوال السنوات اللاحقة على رسمها من جديد ومحو كل ما يرتبط بمرحلة الحرب الطائفية.

جاهد الصدر من أجل وضع مسافة بينه وبين طهران، وانفتح على التيارات السنية، وتبنى خطابا وطنيا معاديا للطائفية، وزار السعودية في صيف 2017.

وفي الانتخابات البرلمانية الأخيرة (مايو 2018)، تحالف مع التيارات المدنية، والمستقلين، وحتى الحزب الشيوعي العراقي ضمن تحالف "سائرون".

وكانت المفاجأة أن حصدت القائمة 54 مقعدا في البرلمان، محققة المركز الأول في الانتخابات.

كانت جميع المؤشرات خلالها تسير في اتجاه أن يشكل العبادي والصدر تحالفا لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، خاصة أن الرجلين أعلنا ذلك في بيان مشترك وظهرا معا في مؤتمر صحافي.

لكن سرعان ما وجد زعيم ائتلاف النصر نفسه خارج الحكومة، بعدما وضع الصدر يده في يد "تحالف الفتح" الذي يضم فصائل في الحشد الشعبي كان زعيم التيار الصدري حتى وقت قريب يصفها بالمليشيات الوقحة.

وكان لافتا وقوف مقتدى الصدر في مؤتمر صحافي جنبا إلى جنب مع "خصمه اللدود" قيس الخزعلي.

أوصل هذا التحالف عادل عبد المهدي إلى رئاسة الحكومة بعد توافق سياسي جرى خلال ساعات، رغم عدم وضوح الكتلة الأكبر في مجلس النواب.

لكن بعد أقل من سنة، نفض الصدر يده من الحكومة داعيا عادل عبد المهدي إلى الاستقالة بالتزامن مع اندلاع الاحتجاجات العراقية التي ما تزال متواصلة منذ أكتوبر 2019.

إيران مرة أخرى

سعى الصدر إلى تبني خط سياسي ملتزم بمطالب المتظاهرين، فطالب باستقالة حكومة عبد المهدي، وصياغة قانون جديد للانتخابات، وإصلاح القضاء، ومحاربة الفساد، ومحاكمة المسؤولين عن قتل المتظاهرين.

في الواقع، كان بإمكانه إقالة الحكومة منذ اليوم الأول. يكفيه الاتفاق مع زعيم تحالف الفتح هادي العامري لتشكيل حكومة جديدة، وهو ما أشار إليه عبد المهدي نفسه في رسالة إلى زعيم التيار الصدري.

لكن الصدر لم يمض قدما في هذا المنحى، تحت ضغط إيراني على الأرجح. فقد كشفت وكالة الصحافة الفرنسية عن سلسلة لقاءات رعاها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني مع قادة دينيين وسياسيين عراقيين بينهم الصدر، ونتج عنها اتفاق على بقاء الحكومة، إلا أن ضغط الشارع نجح في إجبار عبد المهدي على الاستقالة.

ومع مقتل سليماني، في بداية هذا الشهر، ازداد التطابق بين مواقف الصدر وطهران. فقد طالب بإخراج القوات الأميركية من العراق، وإغلاق سفارة أميركا، وحتى تجريم التواصل معها.

واعتبر أن قرار البرلمان بدعوة الحكومة لإنهاء وجود القوات الأجنبية هزيل وغير كاف. بل، دعا إلى اجتماع عاجل لـ"فصائل المقاومة" في الخارج والداخل لتشكيل "أفواج المقاومة الدولية".

واليوم، يدعو مقتدى إلى "ثورة عراقية لا شرقية ولا غربية" ضد أميركا. تكون أولا بـ"مليونية"، في ساحة التحرير على الأرجح، على أن تتبعها "وقفات شعبية وسياسية وبرلمانية" وحده مقتدى يعلم تفاصيلها.

دعوة الصدر لقيت رفضا قاطعا من كثير من العراقيين. وجاء في بيان للحراك الشعبي العراقي أن "الدعوة التي تنطلق من الأرض الإيرانية ضد واشنطن مسيسة ولا تصب في القضية العراقية".

وشدد البيان أن هدف الحراك الشعبي العراقي هو تجنيد العراقيين "للخلاص من النفوذ الإيراني وهيمنة فيلق القدس على سيادة البلاد".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

بسبب موقفها المعارض لتعديل قانون الأحوال الشخصية، اضطرت الناشطة السياسية والصيدلانية رحمة علاء لغلق حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مؤقت، بعد تعرضها لحملة تشويه سمعة شرسة عزلتها عن محيطها.

تقول "ارفع صوتك": "منذ بداية اعتراضي على موضوع تعديل قانون الأحوال الشخصية بدأت دائرة معارفي تتضاءل بسبب الاختلاف الجذري فكرياً، على الرغم من اعتيادنا أن الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية!".

لكن في هذه الحالة، تضيف علاء فإن "الوضع مختلف" مردفةً "هذا الخلاف ظهر فجأة في المجتمع وأصبح كالفجوة التي ابتلعتنا جميعاً، حتى وصل الخلاف بالرأي بين أفراد العائلة الواحدة والأقارب". 

"هذا الأمر مرعب وحساس جدا وأثار نزعة تكفيرية بين أفراد المجتمع"، تتابع علاء.

الاتهامات التي تعرضت لها الناشطة متعددة كما تقول، بعضها "يتعلق بالطعن بالشرف، أو أنني أريد إلغاء شرع الله، أو أنني على اتصال مع سفارات أجنبية ومدفوع لي من أجل تخريب المجتمع، واتهامات أخرى تصلني عبر مواقع التواصل التي اضطررت إلى إغلاقها مؤقتا".

وكان البرلمان العراقي أحدث ضجة اجتماعية واسعة في أغسطس الماضي بعد تقديمه مسودة قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية في البلاد، يسمح بموجبه للمرجعيات الدينية العراقية بديلا عن قانون الدولة، بتنظيم شؤون الزواج والميراث على حساب الحقوق الأساسية.

وبعد أن أنهى البرلمان القراءة الأولى للمشروع يأمل الناشطون والمتضررون وأغلبهم من النساء، أن يتمكنوا عبر الوقفات الاحتجاجية وتشكيل تكتل داخل وخارج مجلس النواب، من إيقاف التعديل المثير للجدل بعد تأجيل القراءة الثانية للقانون في الرابع من سبتمر الجاري.

 

ضغوطات تحت قبة البرلمان

لا يختلف الوضع كثيراً داخل أروقة البرلمان العراقي، فالنائبة نور نافع أقرت في حديثها لـ"ارفع صوتك" أنها تعرضت لـ"مختلف أنواع الضغوطات بعد إعلانها تشكيل كتلة داخل البرلمان لمعارضة التعديل على قانون الأحوال الشخصية".

من تلك الضغوطات، تشرح نافع "حملات التسقيط على مواقع التواصل الاجتماعي، ومواضيع أخرى شخصية مباشرة، بهدف التراجع عن رفض تعديل قانون الأحوال الشخصية". 

وتؤكد أنه وبالرغم من ذلك "لن يتراجع النواب المعارضون عن قرارهم"، مشيرة إلى أنها شخصياً "رفعت قضية للطعن بجلسة البرلمان التي خُصصت للقراءة الأولى لتعديل القانون، بسبب وجود مخالفات عديدة، منها النصاب وآلية الطرح والتصويت على إضافة الفقرة وغيرها من المجريات". 

وتقول نافع "القضية أخذت مجراها في المحكمة الاتحادية ونحن بانتظار نتائج المحكمة وقراراتها".

وكانت النائبة النائبة العراقية انضمت إلى كتلة نسوية برلمانية هدفها "الإعلان الواضح لرفض تعديل قانون الأحوال الشخصية المطروح أمام البرلمان، من أجل الحفاظ على نسيج الأسرة وصيانة حقوق أفرادها (الرجل والمرأة والأطفال)"،  بحسب بيان نشرته نافع على حسابها الرسمي في مواقع التواصل.

تبيّن: "إضافة لهذه الكتلة، تم أيضاً تشكيل تحالف المادة (188) الداعم لقضيتنا داخل مجلس النواب لرفض قانون التعديل".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

"تحالف 188"

عزز الإعلان عن تعديل قانون الأحوال الشخصية الانقسام داخل المجتمع العراقي، كما تقول الناشطة المدنية وعضوة "تحالف المادة 188" في محافظة النجف، شيماء المعموري.

تبيّن لـ"ارفع صوتك": "أقوى الهجمات كانت على مواقع التواصل الاجتماعي عبر حسابات وهمية، يتم اتهامنا من خلالها بأننا خارجون عن الدين والملّة والمرجعية، كما يتم وصفنا بأولاد السفارات. وهو كلام يتم توجيهه لجميع معارضي التعديل، خصوصاً النساء".

بعض تلك الرسائل، بحسب المعموري، تصل على شكل "تهديد بالتسليم إلى إحدى المليشيات لمعاقبتنا، أو إصدار حكم شرعي بالقتل لخروجنا عن الدين وغيرها الكثير".

وفي مجتمع محافظ مثل المجتمع العراقي وخصوصاً في مدينة دينية كالنجف "فإنه أمر يؤثر بشدة على السمعة عشائرياً واجتماعياً خصوصاً حين يتم رفع صورنا وانتقادنا عبر منشوراتنا المعارضة و توجيه الاتهامات، فيكون الأمر صعب جداً على عوائلنا"، تتابع المعموري.

وتقول إن كل ذلك "لم يؤثر على المعارضين. لكنه، انعكس سلبياً على المجتمع وأحدث انقساماً في بنيته بين الرافضين والراغبين في التعديل، وكثير منهم يخشون أن يتم اتهامهم بأنهم ضد الدين وهو السلاح الذي يحاولون (أنصار التعديل) به كسب آراء الناس".

تهديدات

التربوي والناشط المدني حيدر حسن هو أحد المشاركين في تظاهرات تتبنى إيقاف التعديل، يرى أن ما يحصل من جذب وشد في الرأي حول التعديل "جعل المجتمع منقسماً على نفسه، ووضع السلم الأهلي على شفا حفرة".

يقول حسن لـ"ارفع صوتك": "على المستوى الشخصي، أتعرض إلى أسوأ وأقذر حملة.. فقد تعرضت للتهديد بالقتل والطعن بالشرف وسب والدي المتوفي ووالدتي وتبليغات على حسابي، كما تردني تهديدات من حسابات وهمية".

كل هذه الأحداث تحصل "رغم أننا لا نملك سوى سلاح الكلمة التي نرفعها رفضاً لتعديل قانون نجد أنه لا يحقق مصلحة المرأة والطفل في العراق"، يتابع حسن.

في المقابل، اتخذ حسن إجراءات قانونية بحق من قام بتهديده، يقول "لجأت إلى القضاء الذي يريدون إسكات صوته عبر التعديل".

في السياق ذاته، يعتبر المحلل السياسي محمد نعناع أن الاتهامات التي يواجهها المعترضون على تعديل قانون الأحوال الشخصية، هي جزء من "نسق دائم يقوم به أفراد وجماعات ضد كل من يختلف معهم في أية جزئية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو ثقافية".

ركزت الحملة التي يتم شنها ضد المعترضين على التعديل كما يشرح نعناع لـ"ارفع صوتك" على أمور ثلاث: "ضمان عدم وجود أصوات معارضة كبيرة عبر توجيه اتهامات تتعلق بمعارضة الدين أو المذهب، وعدم الاحترام في ردود الأفعال مهما كان الحوار جاداً وشفافاً وبناءً، والثالث خطر جداً لأنه يعتمد على تشويه السمعة".

ويبيّن نعناع "أما كيفية تعامل المعارضين للتعديل مع هذه الاتهامات فكانت متنوعة، لكنها اتفقت بأخذ الحرية في التعبير عن آرائنا ولا يمكن قمعنا، لأننا جميعا نعيش في ظل التعددية، كما نجح المعترضون في تثبيت خطابهم تجاه لاعقلانية من كَال لهم التهم".

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

حقوق المرأة

تحدث فريق "ارفع صوتك" مع ثلاث نساء عراقيات تعرضن إلى انتقادات حادة بعد حضورهن وقفات احتجاجية تمت الدعوة لها وإقامتها تحت نصب الحرية وسط العاصمة بغداد.

امرأتان فضلتا عدم الكشف عن اسميهما بعد اتهامات وُجهت لهما عبر مواقع التواصل، وبعد طلب العائلة التوقف عن إعلان موقفهما من تعديل قانون الأحوال الشخصية.

تقول نعمة (اسم مستعار)، إن سبب معارضتها للقانون يتعلق بوضع اجتماعي تعيشه منذ سنوات؛ فهي مطلقة وحاضنة لطفلتها: "تلقيت تهديدات من زوجي بأخذ ابنتي ما إن يتم إقرار القانون، فشعرتُ بالرعب".

تضيف "القانون الحالي منصف للمرأة، وتمكنتُ عبره من إعادة ابنتي التي خطفها زوجي ولم أعرف مكانها لعام كامل. وحين عثرت عليها وجدتها قد تعرضت إلى التعنيف، رغم أنها لم تتجاوز العامين من عمرها آنذاك، بعد أن تزوج طليقي بأخرى أساءت معاملتها".

من جهتها، تقول آية (اسم مستعار) وهي حاضنة لطفلتين، إن تعديل قانون الأحوال الشخصية "من شأنه حرمان الأم من أطفالها وحقوقها وإجبارها على العيش في ظروف سيئة يفرضها عليها بعض الرجال الذين يسيئون لزوجاتهم، ولا يعاملونهن كما أوصى الشرع".

تساند الناشطة في حقوق الإنسان مريم الأسدي المعارضين للتعديل، معللةً "أنا أنظر للمستقبل، فالقرار الذي يُتخذ اليوم سيؤثر على بناتي مستقبلاً. الأمر يتعلق بحقوق النساء في الزواج والطلاق والميراث وغيرها، وهي من الأمور التي لا أتمنى أن تتعرض للظلم بسببها أي فتاة".

تعرضت الأسدي إلى هجمة اضطرت بعدها إلى تبديل رقم هاتفها حين بدأت مكالمات مجهولة تهددها إذا استمرت بمساندة النساء في الوقفات المطالبة بإلغاء التعديل. توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يسكت هاتفي عن الرنين بعد نشره من شخص مجهول على أحد المجاميع المساندة للتعديل، وجميع الاتصالات كانت عبارة عن تهديدات مباشرة".

من الاتهامات التي وصلتها بأنها "ضد الشريعة"، وتمت مطالبتها بأن "تبقى في منزلها وتسكت، وإلا فان النتائج ستكون وخيمة" على حدّ تعبيرها.

نتيجة لذلك، تقول الأسدي "تأثرت عائلتي وتمت مطالبتي بالتوقف، لكنني قررت الاستمرار، فلا يمكن الخضوع لمجهولين يخشون مجرد الحديث بأسمائهم الصريحة، ولن نساوم على حقوق بناتنا في المستقبل".