ساحة الحبوبي يوم الخميس 16 يناير
ساحة الحبوبي يوم الخميس 16 يناير

يسير العراقيون منذ أيام بتوقيت مدينة الناصرية في محافظة ذي قار جنوب البلاد، إذ أمهلت مجلس النوّاب والجهات المختصة مدة أسبوع واحد لتحقيق ثلاثة مطالب رئيسة قبل يوم الأحد.

وفي حال لم تستجب السلطات العراقية لـ"مهلة الناصرية"، فإن المتظاهرين من المحافظة ومركزهم الأساسي "ساحة الحبّوبي"، سيبدأون خطوات تصعيدية يوم الاثنين المقبل.

ومطالب المتظاهرين في الناصرية مستمدة من المطالب الأساسية لجميع المتظاهرين في مختلف المحافظات العراقية، وتم اختزالها في ثلاثة، هي: المصادقة على قانون الانتخابات الذي يقضي بالانتخاب الفردي في مجلس النوّاب وتشكيل الحكومة ومحاسبَة قتَلة المتظاهرين.

يقول مروان نعمة، وهو متظاهر من الناصرية، إن "المتظاهرين من مختلف الفئات بما فيهم عوائل الشهداء، يطالبون بمحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين، وخصوصاً جميل الشمري الذي يتحمل مسؤولية مجزرة الناصرية ولم يتم عقابه حتى الآن". 

وما هي الخطوات التصعيدية المرتقبة يوم الاثنين؟ وهل من احتمالات لعُنف مضاد؟ يقول مروان في مكالمة هاتفية مع "ارفع صوتك" "العنف مستبعد تماماً، ثورتنا سلمية وستبقى كذلك. لكن ما سنفعله هو قطع الطرق السريعة خارج المحافظة، بالتالي إيقاف حركة المرور، بالإضافة لنقل خيم الاعتصام إلى هناك".

ويتابع القول "بالطبع هذا الأمر سيؤثر بشكل سلبي على حركة الناس اليومية، لكنها أيضاً خطوة مهمة للضغط على الحكومة، وفعلياً هناك انقسام في الاتفاق حول هذه الخطوة في ذي قار، فالتصعيد بهذا الشكل لم يحز موافقة 100% من جميع المتواجدين، وهذا أمر طبيعي". 

ويضيف مروان "ولا ننسى أن بين المتظاهرين العديد من عناصر الأحزاب السابقين، وليس بالضرورة أن يتفقوا جميعهم مع مطالب المتظاهرين، وهو ليس وليد اللحظة، إنه نتاج 16 عاماً من التكتلات الحزبية". 

ماذا عن العشائر، لقد شهدنا مدى تأُيرها في مسألة إقالة رئيس خلية الأزمة في جنوب العراق جميل الشمري، فهل يمكن أن تتدخّل بسلاحها في التصعيد؟ 

يقول مروان لـ"ارفع صوتك" إن بعض العشائر مساندة وآخر لا لهذه الاحتجاجات، لكن "أن يحمل شخص سلاحاً لتحقيق المطال فهذا لن يحدث أبداً، فنحن لا نسعى لحرب أهلية". 

ومن ساحة الحبّوبي، اليوم الجمعة، يهاتفنا أثير إن "أعداد المشاركين في الاعتصام تتراوح بين 2500 صباحاً و5000 مساءً، وبينهم عوائل شهداء المجزرة (نوفمبر 2019).

ويقول أثير، الذي يتظاهر بشكل شبه يومي في الساحة، في إجابة لسؤالنا إن كان المتظاهرون يتخوّفون من تصعيد حكومي عنيف مقابل قطع الطرق؟ "ماكو خوف.

 

ويوضح "حدثت المجزرة وبعدها حدث إطلاق نار على المتظاهرين في الحبوبي الذين رفضوا دخول الجنازة الرمزية لقاسم سليماني وأيضاً حُرق عدد من الخيام، والنتيجة كانت أن زاد عدد المتظاهرين. خوف ماكو".

من جهته، وحول مسؤولية قتل المتظاهرين، يقول الخبير القانوني علي التميمي لـ"ارفع صوتك"، إن "القائد العام يتحمل مسؤولية قتل المتظاهرين، وفق القوانين السارية في العراق، حتى وإن لم يُعط أوامر بذلك.

وتابع التميمي قوله "وفق المادة 24 من قانون العقوبات العسكري، يكون القائد مسؤولاً عن الجريمة ويعد شريكاً وإن لم يعط الأوامر بالقتل، ونفس الحال في المادة 52 من قانون قوى الأمن الداخلي وفي قانون العقوبات حاسبت المادة 48 و49 على التحريض والتوجية والمساعدة، ويساءل وفقها القادة عن القتل العمد وإحداث العاهات والأضرار الجسدية".

وأكد أن هذه الجرائم "لا تسقط بالتقادم أو مضي المدة".

 دعم المحافظات 

لاقت مهلة الناصرية الكثير من دعم النشطاء والمتظاهرين، في مواقع التواصل الاجتماعي أو ميادين الاحتجاج على حد سواء، وتم إرفاق وسمَي #مهلة_الناصرية و#شرعيتكم_انتهت في تويتر وفيسبوك، مع منشوراتهم.

أما الأهازيج التي بدأت من ساحات ذي قار، انتقلت نفسها أو في اختلاف بسيط إلى ساحات التظاهر في كربلاء والديوانية والبصرة وبغداد، كما أعلن المتظاهرون في النجف وبابل دعمهم أيضاً.

يقول مروان نعمة في هذا السياق إن العراقيين بشكل عام يرون محافظة ذي قار "بوصلة الاحتجاجات في البلاد، وأول محافظة أعلنت تخلصها من الأحزاب عبر إحراق مقراتها وأكثر محافظة قدمت ضحايا خلال التظاهرات"

ويضيف "لذلك كان يُرسل لنا دائماً أشد المسؤولين الأمنيين من أجل القضاء على حركات الاحتجاج عندنا".

 ومن مدينة كربلاء، هذه الأهزوجة "يا عراقي بهمّة أولادك منصورة الثورة.. أسبوع أنطيناكم مهلة وخل عدكم فكرة.. حذرناكم وانذرناكم هاي آخر مرة.. مطالبنا نأكدها ما في مهرب من عدها" التي تؤكد على الوقوف جنباً إلى جنب مع الناصرية.

 

 

وهذه الهوسة من البصرة تقول "نتضامن ويّا ذي قار ننطيكم مهلة.. يا نوّاب ويا أحزاب دمرتوا الدولة.. عشرتكم طلعت گشرة.. مهلتكم من البصرة"

 

ومن محافظة بابل كانت هذه الخطوة التصعيدية في قطع مؤقت للطريق السريع الدولي، بسبب عدم الاستجابة بأي من مطالب المتظاهرين، والاستهانة والتسويف والمماطلة، وفق ما يقول المتظاهر في هذا الفيديو.

ويردد المتظاهر "احسموا الأمور قبل أن نحسم أمركم.." مضيفاً "لا تراجع لا هوادة، هذه 3 أشهر ، راهنتم على عامل الوقت وازددنا صلابة". 

 

وفي الفيديو الآتي، نرى متظاهرين فس ساحة التحرير يهتفون د:دمك بعيوني ذي قار"، نشره الشاب حسن رحم الذي يتظاهر بشكل مستمر هناك، وينقل لجمهور مواقع التواصل آخر تطورات الأوضاع.

يقول حسن في نهاية الفيديو "كل ثوار العراق يقفون خلف الناصرية.. ما تقوله الناصرية ينفذه جميع الثوار.. تحية لأم الشهداء"

 

من ساحة التحرير أيضاً كان هذا البيان، وفق المصور علي دب دب، الذي يتابع تغطية التظاهرات منذ أول أيامها.

ويدعم طلبة جامعات بغداد -حسب البيان- مهلة الناصرية بقولهم "نجدد عهدنا لجميع ساحات الاعتصام في العراق، بأننا مستمرون باعتصامنا وإضرابنا عن الدوام، إلى حين تحقيق جميع المطالب التي خرجنا لأجلها، والتي دعا إليها الشعب والمتظاهرون في جميع الساحات الثائرة". 

 

وهذه بعض المنشورات الداعمة من مواقع التواصل:

"موعدنا 20 يناير- إكمال قانون الإنتخابات والمصادقة عليه- إكمال الجدول المرفق للدوائر المتعددة مع تحديد حجم الدائرة. تحديد موعد الانتخابات البرلمانية المبكرة تكليف رئيس وزراء مستقل مؤقت غير جدلي- إمهال الحكومة مدة اسبوع لتنفيذ المطالب"

 

"إذا كان الشعب قد خرج لإسقاط الحكومة فمن البديهي أن الذي يقتل الشعب يعمل لصالح الحكومة وما تحتاج روحه للقاضي #مهلة_الناصرية"

 

"أنا مع مهلة الناصرية، هذة المهلة تمثلني كما هي المدينة الحرة.
يوم 19 هو الحد الفاصل بيننا وهذة السلطة".

 

"إذا كانت بغداد هي عاصمة العراق فإن ذي قار هي عاصمة الثورة وقلبها الصلب. التركيز على مهلة الناصرية ومطالبها المطروحة سوف يعطي جرعة نشاط مضاعفة ويمثل ولادة ثورة جديدة داخل الثورة التركيز ثم التركيز على #مهلة_الناصرية"

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.