صورة تجمع الشماغين الأحمر والأسود/ عدسة: زياد متي
صورة تجمع الشماغين الأحمر والأسود/ عدسة: زياد متي

ظهرت العديد من الرموز والأيقونات المادية في التظاهرات العراقية المستمرة منذ بداية أكتوبر 2019، منها عربة "التك تك" التي تفانى سائقوها في مساعدة المتظاهرين بلا مقابل، والكمّامة وعلب "الخميرة" و"البيبسي" حماية من الغاز المسيل للدموع، والعلم العراقي الذي أسقط جميع الرايات الحزبية.

مصدر الصورة: فرانس برس

 

 

أضف إلى ذلك الأيقونات المكانية مثل "جبل أحد" وهو الاسم الذي اختاره المتظاهرون لمبنى المطعم التركي، الذي مثلّ عين الثورة وحامي الأرواح من القنّاصة الذين اعتلوه سابقاً.

 

وساحة التحرير، أم البدايات ونقطة الجذب للعراقيين من مختلف المحافظات ومعرض لإبداعاتهم ورمز لوحدتهم، يرتفع فيها نصب الحريّة، الذي صار وشماً على أجساد العديد من المتظاهرين.

متظاهر يضع نصب الحرية وشماً على ظهره/ تصوير علي دبدب

وفي الملابس، كان المعطف الأبيض رمزاً للأطباء والمسعفين،  والشماغ، بأشكال وألوان عدة، لكن أكثرها انتشاراً ذا اللونين الأسود والأبيض أو الأحمر والأبيض. 

وبرز الشماغ العراقي على وجوه وأعناق وأكتاف ورؤوس المتظاهرين والمتظاهرات، ترتديه النساء ويرتديه الرجال، شابات وشباناً ويافعين وشيوخ وأبناء عشائر وعمّالاً وغيرهم من المشاركين في الاحتجاجات.

وعبر تويتر، سألنا عراقيين شاركوا في التظاهرات عن سبب ارتدائهم للشماغ، في التظاهرات، فتفاوتت الردود بين التعبير عن الفخر والاعتزاز بالعروبة وبين أغراض أخرى وقائية ارتبطت بجو التظاهرات.

ومن الحديث عن الأسباب إلى الذهاب نحو تاريخ هذا الشماغ، كانت إجابات مشاركين ومشاركات آخرين في التعليقات. 

في عين امرأة: "حريّة ووطن"

تقول مرح، التي تشاركنا صورتها بالشماغ الأبيض والأسود، إن "الشماغ كالعلم أو الجنسية" بالنسبة لها، مضيفةً "الشماغ هو قطعة القماش الوحيدة التي تدل على تاريخنا وأصولنا الحقيقية الشامخة، لذلك أرتديه، لأعبّر عن انتمائي لهذا التاريخ".

كما تؤكد مرح عبر ارتداء الشماغ على وطنية التظاهرات في وجه ادعاءات ارتباطها بجهات خارجية.

مرح، تنشر الصورة بإذنها

 

فيما تبعث شهلاء رسالة عبر شماغها، مفادها "نَحنُ قادة اليوم وغداً لا نحتاج أحداً لإكمال ثورتنا"، مؤكدة على المشاركة البارزة والخاصّة للمرأة التي أثبتت من خلالها أنها "بألف امرأة" على حد تعبيرها.

"يعني لي حرية ووطن"، تقول زهرة من النجف، لـ"ارفع صوتك".

وتضيف "تعرضت الفتيات في مدينتي لانتقادات كثيرة في بداية الثورة حين نزلن إلى ساحة الاعتصام، وكنت منهن، وعُرفت بارتدائي للشماغ، حتى صرت الفتاة التي ترتدي الشماغ رمزاً للحرية والكفاح والثورة والوطن".

للشابة ليلة قصة مع الشماغ الأحمر، حيث لجأت لارتدائه كي لا يتعرف إليها أحد من أفراد عائلتها، مضيفة "لا أعرف سر ارتباطه لزمن طويل بالثورة، لكنه حاضر دائماً فيها ونراه على الرسومات الجدارية".

وهذه إحدى صور ليلة التي أرسلتها في تعليقها:

ليلة

وفي الشماغ ترى سارة "ثورة الأجداد عام 1920 (ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني)" مردفةً أنها حين ترتدي الشماغ تشعر كأن أجدادها يحملونها "أمانة هي العراق".

ومن جهة أخرى، يحمي الشماغ رنا من البرد وأيضاً من المليشيات، إذ يساعدها على إخفاء هويتها، كما تقول لـ"ارفع صوتك".

وهذه ردود أخرى من شابات يشاركن في التظاهرات العراقية.

 

 

في عين رجل: حزن وثورة

يقول أحمد، الذي نراه في الصورة التالية، إن "قطعة القماش تلك (الشماغ) رمز ثورتنا وشموخنا وصمودنا" مضيفاً "هو جناحنا للتحليق في سماء الحريّة".

من جهته، كتب إبراهيم "تعبيراً عن الحزن والألم، خاصه إذا كان مثل هذا الشماغ من صديق استشهد ولبسته وسيلبسه شخصٌ بعدي" في إشارة إلى أن أي متظاهر معرّض للقتل، وأن المتظاهرين سيستمرون على الرغم من القتل المتكرر.

ويتفق فراس مع ما قالته بعض الشابات سابقاً حول رمزية "العشرين" في المخيال العراقي، ليكون ارتداء الشماغ اعتداداً بها. 

يقول فراس لـ"ارفع صوتك": "كما ثار أجدادنا ضد الظلم والظلام عسكرياً نحن نثور ضد الفساد والمفسدين سلمياً وعليهم أن يخافوا فنحن من نسل الأبطال الغيارى".

ويعتبر الطائي، أن لف الرأس بالشماغ يعلن بداية الدخول في "أجواء الثورة والانتفاضة ويعطي صاحبه قوة" متابعاً "والأهم من ذلك يفيدنا حالياً بإخفاء وجوهنا عن الطرف الثالث (المليشيات التابعة لإيران) لا خوفاً منهم بل سعياً للاستمرار بالثورة بأكبر عدد وأطول مدة ممكنة حتى تحقيق المطالب".

فيما يروي لنا مرتضى قصة شرائه للشماغ بالقول "اشتريت اثنين من بغداد تحديداً 17 ديسمبر. كان الجو بارداً في تلك الليلة، غطيت بهما رأسي وأذنيّ، وأعتقد الأغلب اشتراه لنفس السبب".

كما "نستخدمه لإغلاق الأنف من رائحة القنابل المسيلة للدموع وتغطية الوجه للحماية من البرد القارس والحماية من كاميرات المندسين وعصابات الأحزاب" يقول صاحب العامري لـ"ارفع صوتك".

حسام: "لتمثيل العراق وتقليده".

 

علي: "وسيلة لمسح عرق الثورة"

 

 

 

 

هل من دلائل مناطقية؟

أشار العديد من العراقيين/ات في تعليقاتهم على سؤال "ارفع صوتك" حول سبب ارتدائهم للشماغ خلال التظاهرات، إلى  الدلالات المناطقية والطائفية في تفسير الألوان المختلفة للشماغ.

يقول الباحث العراقي في الشؤون السياسية والأمنية، مصطفى حبيب، إن العشائر الشيعية ترتدي الشماغ الأسود والأبيض، والقبائل السنية ترتدي الشماغ الأحمر والأبيض، ويمكن أن يشير ارتداء أي منهما لتمييز الانتماء الطائفي في العراق.

ويتابع في حديثه لـ"ارفع صوتك": "الشماغ الأحمر ارتبط لدى العراقيين بعد 2003 بالفصائل المسلحة السنيّة العراقية، وكان مقاتلوها يتلثمون به، لتوكيد انتمائهم ومعارضتهم للطبقة الشيعية الحاكمة، بينما كان الشماغ الأسود أحد ملامح القبائل الشيعية ومقاتليها في الفصائل الشيعية".

وإذ كانت أوائل المدن العراقية المشاركة في الاحتجاجات ذات غالبية شيعية، كان من الغريب بالنسبة للبعض رؤية الشماغ الأحمر، حتى أن بعضهم كان يُنعَت بـ"المندس"، بينما كان يُقال عن أصحاب الشماغ الأسود إنهم "يؤكدون على شيعيتهم" وفق حبيب.

في ذات السياق، يقول أياد العاني، وهو أكاديمي عراقي مقيم في لندن -وفق معايشته للبيئة التراثية وملاحظة المُدخَلات الجديدة عليها- إن الشماغ الأسود والأبيض ينتشر في جنوب ووسط العراق، وهو مطابق لما هو معروف بـ"الكوفية الفلسطينية".

أما في غرب العراق والبادية وصولاً للموصل، يكون الشماغ بنفس مواصفات شماغ الجنوب، مخططاً بخطوط بارزة لكن لونه يتباين بين الأحمر القاني والأحمر الداكن، وفق العاني.

وإحدى المشاركات في التعليق على سؤالنا في تويتر أشارت إلى ارتداء بعض المتظاهرين للشماغ الإيراني، تقول "ربما لا يعرفون أنه كذلك". 

يقول العاني إن انتشار الشماغ الإيراني، وتحديداً ما يرتديه عناصر الحرس الثوري الإيراني قدوة بخامنئي (أبيض مخطط بالأسود من دون عقد بين تقاطعات الخطوط) "ارتبط ببروز الفصائل العراقية الموالية لإيران، وهو نوع من إظهار الانتماء والامتداد الفصائلي".

ويُطلق على الشماغ الإيراني "چفيّة" وتعني منديل باللهجة المحلية العراقية، ويلف حول العنق حيث لا توجد ثقافة العقال في إيران، حسب ما يقول العاني.

ما أصله؟ ومن أين جاء؟

أكثر من عراقي أشار لـ"ارفع صوتك" في إجابته حول السؤال الخاص بالشماغ، أن ما يرتديه هو "الكوفية الفلسطينية" التي يرتديها الفلسطينيون في مختلف مناسباتهم الوطنية وانتفاضاتهم. 

وتاريخياً، ارتبطت الكوفية أو "الحطة" وفق ما تُدعى أيضاً في فلسطين، بانتفاضة عام 1936 ضد الانتداب البريطاني، حيث كان الثوّار يتخفّون فيها عبر تغطية وجوههم. ومع مرور الوقت وظهور منظمة التحرير الفلسطينية، اختارت حركة فتح الكوفية بلونيها الأسود والأبيض لعناصرها، فيما درج استخدام ذات اللونين الأحمر والأبيض بين الأحزاب اليسارية بالإضافة لحركة حماس.

يقول الباحث في الشأن العراقي عبدالقادر النايل لـ"ارفع صوتك" إن هناك اتفاقاً من نوع ما بين الباحثين على أن "ثورة 1936 الفلسطينية أسهمت في انتشار الشماغ العراقي، حيث كان يرتديه الفلاحين والثوّار والبدو، فكانت السلطات البريطانية تقبض على كل من يرتديها، ظناً أنه ثائر متخفٍ، لتصدر قيادة الثورة في حينه نداءً لأبناء المدن لارتدائها كي لا يتم التمييز بين أحد وآخر".

وأورد تقرير نشرته صحيفة سعودية، على لسان الناقد صالح الحسيني، أن "ارتداء الشماغ يعود إلى حضارة ما بين النهرين في العراق القديم، حيث وردت كلمة الشماغ في اللغة السومرية من مقطعين هما: أش ـ ماغ وتعني غطاء الرأس".

وحسب أكثر من مرجع تاريخي يتعلق بتمثال الملك كوديا، وهو معروض في متحف اللوفر بباريس، فإن غطاء الرأس الذي يضعه، لم يكن تاجاً أو مصنوعاً من معدن، ويُرجح أنه قماشي قد يكون من الصوف أو الفرو أو القطن.

وطريقة ارتداء كوديا الذي حكم مدينة لكش قبل أكثر من 4000 عام (2124- 2144) قبل الميلاد، يطلق عليها في العراق "الچراوية". 

لكن ليس هناك من تأكيد بأن شكل أو لون ما ارتداه كوديا هو نفسه الدارج في العراق بعد كل تلك الحقب التاريخية.

 

 

في المقابل، نفت صفحة "التقنية من أجل السلام" العراقية المختصة بالتمييز بين المنشورات الصحيحة والمزيفة في مواقع التواصل، وعبر أكثر من منشور على فيسبوك، علاقة الشماغ بالسومريين، إلا أن هذا الموضوع لا يزال متداولاً بين العراقيين.

وأوردت الصفحة في منشورها عام 2018 أن "عصابة (رأس) بالسومري هي گيليم (Gilim) وفي الأكدية كِيليلو kilīlu، والرأس في اللغه السومرية بِمعنى ساگ(Sag)
وفي الأكدي بمعنى rēšu رِيشو  كما لا علاقة لها بشبكة الصيد والملك كوديا".

وربما أقرب كلمة على "الشماغ" هي الكلمة التركية "yaşmak" وتُلفَظ "يَشماك" وتعني الحجاب، ولكنها تستخدم لوصف غطاء الرأس الإسلامي الذي يمتد لتغطية نصف الوجه للمرأة لا الرأس فقط.

إذن هناك أكثر من دلالة تاريخية على علاقة الشماغ في العراق، وأيضاً بالثورات، وإن لم يكن منها يقيناً، لكنه بطريقة ما، وبتلك الألوان المتعددة، التي كانت يوماً ما، قبل أكتوبر 2019، تمثل أطيافاً وقوميات متعددة، سواء من خلال اللون أو طريقة لفّه، بعكال أو من دونه، التقت كلّها بعد أكتوبر في مكان واحد، لسبب واحد، وهو المطالبة بوطن أفضل يتسع للجميع.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".