"مكافحة الشغب" أو "الشغب" هذه الكلمة التي تتكرر في حديث المتظاهرين والنشطاء العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي، موجهين أصابع الاتهام لها دوماً بقتل المتظاهرين السلميين، بالرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع.

وتظهر هذه القوات في الصور ومقاطع الفيديو تقف أمام وخلف الحواجز الكونكريتية، على الجسور وفي الشوارع المؤدية لساحات الاعتصام، تارة ساكنة بانتظار اقتراب المتظاهرين، وأخرى في حالة هجوم.

ترتدي هذه القوات أزياء عسكرية متنوعة، لا لون يجمعها، كما تتنوع الأسلحة التي تستخدمها، وأيضاً طرق التعامل مع المتظاهرين، ما يدفع للتساؤل، هل هذه القوات جميعها "مكافحة شغب"؟ ماذا عن قطاعات أخرى مشاركة؟ لمن تتبع؟ وما القوانين الناظمة لعملها؟

يقول أستاذ الأمن القومي في جامعة النهرين حسين علاوي إن قوات مكافحة الشغب "هجينة"، تأسست مطلع احتجاجات عام 2011، وارتبطت بالقائد العام للقوات المسلحة، في حينه، وتتبع إدارياً لوزارة الداخلية وإلى حد ما لقيادة عمليات بغداد من حيث التنسيق والاستخدام.

وفي حين تخضع هذه القوات لوزارة الداخلية من ناحية مبدئية، إلا أن أي بيان رسمي بخصوص ذلك، لم يُنشر، ما يجعل مرجعيتها غير واضحة، بالتالي تتبع مباشرة لإدارة القائد العام للقوات المسلحة.

وتمتلك قوات مكافحة الشغب "أسلحة تقليدية مثل القنابل الدخانية والأسلحة المطاطية والهراوات والزجاجات الحارقة بالإضافة إلى سيارات خراطيم المياه الحارّة أو المعبأة برذاذ الفلفل" يقول حسين علاوي.

وكان للقوات دور أساسي في قمع تظاهرات 2011 و2016 و2018 والتظاهرات المستمرة منذ أكتوبر 2019.

ويرى علاوي أن "مشكلة هذه القوات عدم امتلاكها مهارات الخبرة والمدرسة التدريبية الخاصة وفقاً للمقايس العالمية لاحترام حقوق الإنسان والتعاطي مع التظاهر والاحتجاج".

أما زيّها العسكري، يقول علاوي "لونه أسود". ويضيف "تكون ملامح عناصرها غير واضحة بسبب استخدامهم الأقنعة القماشية لإخفاء وجوههم وعدم قدرة الجماعات الاحتجاجية على التعرف عليهم خلال استخدام العنف أو العنف المفرط ضدهم".

ما هي القوانين أو المواد الخاصة التي تنظم عمل قوات مكافحة الشغب وتوجيهها؟ يجيب علاوي لـ"ارفع صوتك": "لا يوجد نظام منشور لعمل هذه القوات ولكن لا بدّ أن تعمل وفقاً للمواصفات الدولية لقوات مكافحة الشغب أو حفظ النظام. وتسري عليها قوانين المؤسسة الأمنية والعسكرية في الإدارة والتعاطي والتعامل مع  حالات انتهاكات حقوق الإنسان أو الأنظمة الداخلية للقوات الأمنية النافذة لتنظيم وإدارة هذه القوات".

ويتابع: "لا يوجد أيضا إعلان حول قائد القوات لكنها تخضع الآن للقائد العام للقوات المسلحة وهو رئيس الوزراء".

حفظ القانون

يقول حسين علاوي إن قوات مكافحة الشغب توقفت عن العمل مع انتهاء موجة التظاهرات الأولى بين 1و 9 أكتوبر الماضي، احتراماً لأربعينية الحسين، كما تم تأجيل التظاهرات وإعلان استئنافها لذات السبب يوم 25 أكتوبر.

وفي فترة عمل "مكافحة الشغب" (1-9) أكتوبر، لم يتم الإعلان عن اسم أي قائد لها.

وقبل بدء موجة التظاهرات الثانية، تم الإعلان عن تشكيل ما يُسمى بـ"قوات حفظ القانون" وأُعلن عبر الإعلام الرسمي عن تخريج الدفعة الأولى من قوات حفظ النظام  وعناصرها من قوات تابعة لوزارة الداخلية.

وحسب ما نشرت وسائل إعلام عراقية، أعلن أن الدفعة الأولى ستنتشر خلال التظاهرات في بغداد وتكون "خطاً أول أمام المتظاهرين، ولن تحمل أي سلاح ثم تقف خلفها قوات مكافحة الشغب كخطٍ ثانٍ، وتلك القوة دربت بشكل مكثف على حماية التظاهرات ومنع انزلاقها، كما سيتم تخريج دفعات أخرى لاحقاً تُوزع على المحافظات للمهام ذاتها".

وفي 14 أكتوبر 2019 أعلن عن استبدال قوات مكافحة الشغب بقوات "حفظ القانون".

وكان تأسيس هذه القوات الأولى من نوعها في البلاد بقرار مجلس الأمن الوطني في العراق الذي ترأسه عادل عبد المهدي، وأيّدته لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، واعتبرته "إجراءً مهماً لتشكيل قوة عسكرية نظامية تتعامل مع التظاهرات باحتراف وتحمي المتظاهرين السلميين وتتفادى استعمال القوة المفرطة معهم".

ونشرت مصادر حكومية أن مهمة هذه القوات "حماية أرواح المواطنين والممتلكات العامة والخاصة، وهي بحجم فرقة عسكرية، مكونة من منتسبي قوات الداخلية من مكافحة الشغب وشرطة الطوارئ والرد السريع ولن تستقبل متطوعين جدد. كما سترتبط بوزارة الداخلية حصرياً".

وعلى أثر ذلك، تم تعيين اللواء سعد خلف وهو ضابط في قوات الشرطة الاتحادية، قائداً لهذه القوات والعميد الركن مالك المالكي نائباً له.

ورغم التطمينات التي نُشرت في وسائل الإعلام حول هذه القوات، بأنها ستحمي المتظاهرين،  إلا أن العديد من النشطاء تشككوا منها.

 


 

وأكد خلف في تصريحات قبل يومين فقط على بدء الموجة الثانية من التظاهرات، أن "القطاعات التي تشكلت منها قيادة قوات حفظ القانون، قديمة ومدربة سابقاً لكنها كانت في أماكن مختلفة وتحت قيادات أخرى".

وقال إن "منتسبي هذه القوات أخذوا دورات عديدة في فرنسا وإيطاليا، كما أنهم مدربون جيداً ومستعدون للتعامل مع المتظاهرين وتأمين ساحة التظاهر وحفظ الممتلكات العامة والخاصة".

لكن هذه الصورة التي بدت وردية وزاهية في الخطابات الحكومية، تمزقت في اليوم الأول للتظاهرات 25 أكتوبر، بمزيد من القمع والقتل بمختلف الوسائل والأسلحة، عدا عن حملة الخطف والاعتقالات الإدارية لعشرات المتظاهرين.

وفي نوفمبر 2019، اعترف وزير الدفاع العراقي خلال لقاء متلفز مع قناة "فرانس 24" بأن القنابل الدخانية التي ألقتها قوات حفظ النظام أصابت متظاهرين بالرأس وقتلتهم.

وفي نفس المقابلة، إجابة على سؤال "أكثر من 300 قتيل في التظاهرات، من يطلق النار ومن يُعطي التعليمات؟" قال الوزير "هناك لبس كبير، كل الحكومة العراقية بما فيهم أنا نحن مع المتظاهرين السلميين حسب الدستور، ومطالبهم مشروعة تماماً".

وأضاف: "لا يوجد تعليمات من قوة عراقية لإطلاق النار، بل أطراف ثالثة، لتجعل المشهد العراقي يبدو كأنه مواجهة بين القوات الأمنية والمتظاهرين".

وتابع القول: "قوات حفظ النظام لم تحمل السلاح نهائياً إنما حملت الهراوات فقط، وما يحدث منذ 15 أكتوبر حتى الآن (14 نوفمبر) أن طرفاً ثالثاً يقوم بقتل المتظاهرين والقوات الأمنية".

بل وأكد الشمري أن القوات الأمنية لم تحمل السلاح بتاتاً!

وتصريحات الشمري هي نفسها بشكل أو بآخر ما يردده مسؤولون عراقيون، أبرزهم المتحدث باسم القوات المسلحة عبد الكريم خلف، ورئيس الحكومة المستقيل عادل عبدالمهدي، ومندوب العراق في الأمم المتحدة محمد حسين بحر العلوم، وغيرهم.

ولكن ما تقوله الصور والفيديوهات وشهادات المتظاهرين وإحصاءات منظمات رسمية وأهلية حول عدد القتلى يتنافى وكل تلك التصريحات.

حتى ما نُشر وتم تأكيده من قبل مسؤولين حكوميين حول استبدال "الشغب" بـ"حفظ النظام" لا يبدو واضحاً في ساحات التظاهر. فكل ما نراه بالفعل هو عناصر أمنية بأزياء عسكرية متنوعة، تحمل الهراوات بيد، وباليد الأخرى قنابل غاز مدمع ودخانيات ومطاطيات ورصاص حي، أسفر عن مقتل أكثر من 600 شخص، وفق إحصاء المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب.

وغياب الزي الموحد للقوات الأمنية في ميادين التظاهر جزء من المشكلة. "فهي قوات هجينة من قطاعات مختلفة لذلك لا يريد أي طرف التنازل عن زيه، ما يعكس بالضرورة عدم تجانسها، كما لا تزال قيد التدريب" يقول حسين علاوي.

ويتابع علاوي حديثه: " وقعت قوات حفظ الشغب ضحية لتمسك السياسي بالسلطة وأصبحت حاجزا اصطناعيا أكثر من كونها حامية للمتظاهرين. بالتالي، الحيادية لمكافحة الشغب أو حفظ النظام في الشرق الأوسط وخصوصاً في العراق، أمر صعب جداً، كما لا يمكنها الحفاظ على سلميتها أو رفض أوامر القيادات السياسية".

وختم قائلا: "الضحايا من الشباب هم الأهم في هذه القصة، بسبب سوء الإدارة والاستمرار بالخيار العسكري المدجّن بالسلاح والقنابل الدخانية التي حصدت أرواح الشهداء، ولم يكلف أحد نفسه من الرئاسات أو القوى البرلمانية للوقوف أمام آلة العنف وتصاعد عنفها".

وأمام استمرار عمليات القتل، تتصدر المطالبات الحقوقية والشعبية في محاكمة المتسببن بالقتل وعدم الاكتفاء بإعفائهم من الخدمة، كما جرى في نتائج التحقيق الأولي، حيث كان إعفاء القيادات أبرز العقوبات. ومنذ ذلك الحين لم تبرز أي لجان رسمية أخرى كما لم يتم الإعلان عن محاكمات.

وتكرر الإعفاء حين أقال رئيس الوزراء عبد المهدي قائد خلية إدارة الأزمة في الجنوب جميل الشمري، أواخر نوفمبر الماضي.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عودة الأيزيديون إلى قضاء سنجار غرب الموصل
صورة أرشيفية لعودة نازحين إلى مناطقهم في قضاء سنجار، عام 2020

"الخدمات البلدية معدومة في سنجار ونعاني من نقص المياه الصالحة للشرب، والمساعدات الإنسانية قليلة. إذا قارنّا بين العيش في سنجار والمخيمات، العيش في المخيمات أحسن"، يقول العراقي جلال علي لـ"ارفع صوتك" وهو نازح أيزيدي عاد مؤخراً إلى سنجار.

يستدرك القول "رغم ما نعانيه من أوضاع صعبة، لكن سنجار أرضنا ومن الواجب العودة إليها".

وكانت الحكومة العراقية قررت في يناير الماضي، تحديد 30 يوليو المقبل موعداً لإغلاق مخيمات النازحين في البلاد والإعادة الطوعية للنازحين، ضمن خطتها لإنهاء ملف النزوح الذي يقترب عمره من 10 سنوات.

وتحتضن محافظة دهوك وإدارة زاخو في إقليم كردستان شمال العراق 15 مخيماً للنازحين الأيزيديين، تضم وفق إحصائيات مكتب الهجرة والمهجرين في دهوك 25600 عائلة، بينما يعيش أكثر 38700 عائلة نازحة خارج المخيمات.

يقول مدير المكتب بير ديان جعفر، إنهم لم يتلقوا حتى الآن أي كتاب رسمي باتخاذ الاستعداد لتنفيذ قرار إغلاق المخيمات، مبيناً لـ"ارفع صوتك"، أن "سياسة حكومة إقليم كردستان واضحة، وهي عدم إغلاق أي مخيم بشكل قسري، لذلك فإن النازحين أحرار وسوف نقوم بخدمتهم حتى يقرروا الرجوع إلى مناطقهم بمحض إرادتهم".

ومنذ تحرير سنجار وأطرافها من تنظيم داعش الإرهابي في نوفمبر 2015 حتى اليوم، لا تزال  المدينة تعاني من التجاذبات السياسية، إلى جانب سيطرة الأذرع المحلية لحزب العمال الكردستاني المعارض لتركيا وعدد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران.

هذه الأمور شكلت عائقاً أمام النازحين للعودة، خشية حصول أي تدهور أمني مفاجئ أو صدامات بين الأطراف المسلحة، عدا عن الغارات التركية التي تحدث بين حين وآخر مستهدفةً مسلحي حزب العمّال.

من جهته، يقول الناشط الأيزيدي فيصل علي، وهو يعيش في أحد مخيمات زاخو، إن النازحين وبشكل خاص نازحو سنجار "أصبحوا ورقة ضغط سياسية في وقت يواجهون  ظروف النزوح القاسية منذ 10 سنوات".

ويعتبر أن قرار إغلاق المخيمات "سياسي بامتياز" مردفاً "الضغوطات الحكومية على النازحين عالية وغير موفقة، لأن النازحين أيضاً يريدون العودة لكن بأرضية مهيّأة وباستقرار المنطقة كما يطالبون بالتعويضات".

ويوضح علي لـ"ارفع صوتك": "استعدادات الحكومة العراقية لاستقبال النازحين في سنجار غير كافية وغير مدروسة. المفروض من الحكومة قبل أن تعلن عن موعد إغلاق المخيمات وإعادة النازحين تهيئة أجواء سنجار بشكل مناسب، عبر إعادة إعمار بيوت النازحين وبناء بيوت العائدين وتخصيص تعويضات مالية لا تقل عن 10 ملايين دينار".

وخصصت الحكومة مبلغ 4 ملايين دينار عراقي (2500 دولار أميركي) لكل عائلة عائدة من مخيمات النزوح إلى مناطقها في سنجار، يُسلم المبلغ على شكل صكوك للعائدين.

هذا المبلغ "غير كاف" يقول علي، مبيّناً "يحتاج العائد إلى المدينة وقتاً طويلا حتى يستلمه، كما لا يمتلك أية أموال لإعادة إعمار منزله المدمر وتهيئته للعيش، فيما لم يعد يمتلك العديد من النازحين أي منازل للعيش فيها، وسط نقص الخدمات الرئيسية. بالتالي فإن العودة بهذا الشكل مستحيلة".

من جهتها، تجد ياسمين خيروا، وهي نازحة تعيش في مخيم شاريا بمحافظة دهوك، العودة إلى سنجار "ضرورية"، قائلةً "نطالب بالعودة وإنهاء النزوح لكننا نحتاج إلى دعم ومساندة من الحكومة في توفير الخدمات لنا عند العودة وإعادة إعمار مدينتنا بأسرع وقت".

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش في بيان أصدرته قبل أسبوع، إن مخيّمات النازحين في إقليم كردستان العراق بحلول 30 يوليو ستهدد حقوق الكثير من سكان المخيمات أهالي منطقة سنجار الشمالية.

وأضافت: "لا تزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات الاجتماعية اللازمة لضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لآلاف النازحين الذين قد يضطرون إلى العودة قريباً".

في السياق نفسه، يرى رئيس المنظمة الأيزيدية للتوثيق، حسام عبدالله، أن إنهاء ملف المخيمات بهذه الطريقة "خطوة خاطئة وغير مدروسة، لأن السلطات العراقية لم تناقش القرار مع الآليات الدولية ولا مع الفاعلين الدوليين في العراق، بل أصدرته نتيجة الضغط عليها من أجل وضع حل".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "الوقت غير مناسب جدا لهذا القرار، ولا توجد أرضية مهيأة في سنجار لعملية العودة السريعة، بالتالي فإن إصداره يعني أن العراق لم يوف بالتزاماته الدولية تجاه عملية إنهاء ملف النازحين".

ويصف عبد الله هذه العودة للنازحين المقررة بتاريخ، أنها "قسرية".

في غضون ذلك، قالت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للأمن المدني والديمقراطية وحقوق الإنسان، عزرا زيا، في مؤتمر صحافي عقدته الأسبوع الماضي، في معبد لالش بمحافظة دهوك،: "شجعنا الحكومة العراقية على معالجة المخاوف بشأن المليشيات في المناطق المحررة من سيطرة داعش مثل سنجار وسهل نينوى وباقي مناطق تواجد مكونات المجتمع العراقي".

وأوضحت أن "التأثير السلبي للميلشيات على أمن المكونات واستقرارهم يمنع عودة اللاجئين ويعيق أيضاً تحقيق التنمية الاقتصادية في مناطقهم".

حاول موقع "ارفع صوتك" التواصل مع المتحدث باسم وزارة الهجرة والمهجرين العراقية، علي عباس جهانكير، أو أي مسؤول آخر في الوزارة للحديث عن استعدادات الوزارة لتنفيذ قرار إغلاق المخيمات، لكن لم يتلق أي إجابة على أسئلته.