نفق التحرير، بغداد/ ديسمبر 2019، ا ف ب
نفق التحرير، بغداد/ ديسمبر 2019، ا ف ب

تقول أسماؤنا عنّا أكثر مما نقول نحن، في كثير من الأحيان، فبمجرد أن تعرّف بنفسك أو يقرأ أحدهم اسمك قبل رؤيتك، يكون جزءاً من الانطباع الشخصي عنك.

اسمك غالباً، يكون بطاقة تعريف سابقة، يشي بجنسيتك أو قوميتك أو دينك أو طائفتك، أو توجهات والديك السياسية وربما تحصيلهما الثقافي والعلمي، وربما الوضع الاقتصادي لهما أيضا.

وأحياناً كثيرة يمكن معرفة ارتباط اسمك بفترة زمنية معينة، شهدت فيها البلاد حرباً أو انتفاضة أو بزوغ قائد جديد أو نجم تلفزيوني أو سينمائي، كما يمكن للآخر معرفة إن كنت تحمل اسم جدك أو جدتك أو إن كنت الأكبر بين إخوتك.

وإن كان لكل منّا قصّته الخاصة مع اسمه، يخبر علم النفس عبر أبحاث وتجارب عديدة، عن التشابه بين الأسماء وأصحابها وحتى مستقبلهم، وعن التطور الشخصي والنفسي لأصحاب الأسماء الأكثر شيوعاً في بلد ما وتلك الفريدة في بيئتها وزمانها.

وأبعد من ذلك، قد تشكل الأسماء خطراً على أصحابها وأيضاً موضع شبهة، كما حدث بعد هجوم 11 سبتمبر الإرهابي في مدينة نيويورك الأميركية، حيث صار اسم "محمد أو أسامة أو جهاد" محط شبهة أو سبباً في توجيه خطاب كراهية لصاحبه، ونفس الاسم "محمد" حمل صورة معاكسة بسبب اللاعب المصري محمد صلاح وشهرته العالمية.

وفي العراق، حيث البلاد لا تزال تعدّ مفقوديها وضحاياها منذ ثمانينيّات القرن الماضي، شكلت الأسماء في الكثير من المناسبات والأحداث طابعاً للمرحلة، حتى أن الكثير من العراقيين لاقوا حتفهم، بسبب أسمائهم فقط،. نتذكر الحرب الطائفية (2006-2008) وحقبة داعش (2014-2017)، على سبيل المثال.

ومنذ أول أكتوبر 2019، والمتظاهرون لم يغادروا ساحات الاحتجاج والاعتصام ضد الفساد الحكومي، مطالبين بتعديلات دستورية وأخرى تتعلق بقانون الانتخابات للخلاص من سيطرة الأحزاب والمحاصصة في العملية السياسية. 

هذه المرحلة أعادت الأمل لملايين العراقيين، في الداخل والخارج، بأن التغيير ليس بالأمر المستحيل، وبأن الأحلام بوطن أفضل قد تصبح حقيقة، لتترجم الآمال ومشاعر الفخر بإطلاق أسماء تحمل هذه المعاني على المواليد الجدد.

حيدر حمزوز، وهو مؤسس شبكة "انسم" للتدوين، اختار اسم "حرّة" لطفلته حديثة الولادة، وغرّد حول ذلك في "تويتر" قائلاً "أسميتها حرّة في هذا العالم الذي ما زال يصارع بين حامٍ وقامع لحريات من ولدوا أحراراً.. ستبقى حُرّة حتى في اسمها؛ مصدر قوتها".

يقول حمزوز لـ"ارفع صوتك" إن "الثورة كانت مصدر إلهام في هذه التسمية، لسببين: أولاً، التخلّص من القيود الاجتماعية، ثانياً، ليصبح الاسم مصدر قوّة ابنتي".

يتابع القول "​لا أريد لابنتي أن تعاني من القيود الاجتماعية على النساء بشكل عام في العراق وخارجه، كأن يُقال لها إن صوتها عورة ويجب ألا تجادل زوجها أو أن قدراتها كفتاة أقل من قدرات الذكور".

ويرى حمزوز، الناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، أن على المجتمع التخلّص من مقولة "امرأة بمئة رجل" للتعبير عن شجاعتها.

ويضيف "هذا الاسم الذي سيرافق ابنتي أينما كانت، سيذكرها بأنها دوماً حرة من أي قيد".

ويحلم حمزوز بمستقبل أفضل لحرّة من الحياة الماضية التي عاناها الشعب العراقي، قائلاً "أريدها أن تعيش في زمن لا يميّز بين شخص وآخر على أساس لونه أو عرقه أو طائفته".

الفنانة مارينا جابر، المقيمة في هولندا، نشرت على حسابها في إنستغرام الشهر الماضي عن مولودها الجديد، أيضاً، تقول "هذه أطول فترة أقضيها خارج العراق،
فترة صعبة، كأنما أتعرف على نفسي من جديد. أشعر بغربة فظيعة رغم أنّي هنا مؤقتاً. أشتاق لنفسي هناك (العراق)". 

وتضيف "أنا متحمّسة للعودة خصوصاً بعد قيام الثورة. فخورة جداً بالثورة وشباب الثورة. أحب بلدي بهوسته (فرحه) وحزنه، وحقنا أيضاً أن نعيش في عراق جديد سعيد ولم أتخيل يوماً أن يعود إلينا".

مارينا، الشابة التي عُرفت بركوب الدراجة الهوائية في شوارع بغداد ضمن حملة أطلقتها باسم "أنا المجتمع "، تقول عن طفلها "أسميته إيليا الحُر، لأنه وُلد في فترة مميزة جدًا هي ثورة التحرير، وأتمنى يكون عراقياً حُراً وثورياً مثل شباب بلدي".

View this post on Instagram

. هذه اطول فترة بقيت بيها خارج العراق، فترة صعبه وكانما داتعرف على نفسي من جديد. . اغاني ياس خضر ريحة الچاي الصبح صوت ابو الغاز ، الطرق ،الناس ، اللغة.. قائمة متنهتي اني بدون هذه الاشياء انسان جديد. احس بغربة فضيعة رغم وجودي هنا مؤقت ومشتاقة لنفسي هناك متحمسة ارجع وخاصة بعد ان صارت الثورة متتخيلون شكد فخورة وسعيدة بالثورة وشباب الثورة، اني احب بلدي بهوسته وبحزنه بس عراق جديد سعيد ف هذا حقنا الي مجنت متخيلة يرجعلنا. ماعرف شنو رح يصير بعد هذه الثورة بس الي اعرفه هو التغيير صار ونجمعنه بحب وعرفنا محد النا غير بعضنا. اني متشوقة وداحسب الايام حتى ارجع ويا هذا الزعطوط الي سميته إيليا الحُر لان نولد بفترة كلش مميزة بثورة التحرير. وأتمنى يكون عراقي حُر وثوري مثل شباب بلدي. احبكم ومشتاقتلكم هواية.❤️

A post shared by مارينا | M A R I N A (@marina_radaiovic) on

 

ومن الديوانية، يقول عبد الملك لـ"ارفع صوتك": "رزقت بولد قبل أسابيع، وأسميته وطن، تيمناً بشعار (نريد وطن) الرئيسي للتظاهرات".

ويشارك في التظاهرات بشكل يومي، يقول "مشكلتي هي مشكلة جميع العراقيين، غياب الاستقرار".

لذلك يحلم عبدالملك لابنه بالعيش في "سلام مع كافة إخوته العراقيين" مضيفاً "أريده أن يعيش حياة كريمة دون تهديد وخالية من التنمّر، وأن يُصبح فاعلاً في مجتمعه".

ومن قصص الأسماء التي تم تداولها في صفحات عراقية قصة مصطفى الخفاجي، الشاب الذي قتل على الطريق الدولي (جسر فهد) في الناصرية مع اثنين آخرين، بسبب هجوم مسلحين حاولوا تفريق المتظاهرين.  

وكان أسمى طفله "حشد" وطفلته "ذي قار"، وكلا الاسمين تيمناً بالحشد الشعبي أولاً، وبالمحافظة التي تصدرت عناوين التظاهرات بعد بغداد.

وكتب ابن عم صفاء السّراي، أنمار، أواخر ديسمبر الماضي "بحمد الله وفضله، رزقنا الله بمولود أسميناه صفاء، تيمناً بأيقونة الثورة الشهيد البطل ابن عمي صفاء السراي، سائلين المولى عز وجل أن يجعل فيه حب العراق وشعبه ويسير على نهج شهداء الثورة".

ومن الأسماء التي شاعت خلال الشهور الأخيرة، حسب العديد من العراقيين الذين تم التواصل معهم عبر "تويتر": "صفاء وثنوة (أم صفاء السراي) وثورة وأكتوبر وتشرين وناصرية وتحرير".

أحد المشاركات من تويتر

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.