الصورة من ساحة الوثبة/ بغداد، 31 يناير. عدسة علي دب دب
الصورة من ساحة الوثبة/ بغداد، 31 يناير. عدسة علي دب دب

مرّت قرابة خمسة أشهر على بدء الاحتجاجات العراقية، ومنذ بدايتها تتوالى صور وفيديوهات إعداد الخبز وطهو الطعام وتوزيعه على المتظاهرين، بالإضافة إلى توزيع الخوذ والكمامات الواقية من القنابل المدمعة والدخانية.

عشرات المتطوعين والمتطوعات في ساحة التحرير يقومون بإسعاف المصاب وتطبيب جراحهم، وآخرون يقومون بالتنظيف ورسم الجداريات في نفق التحرير، عدا عن تجهيز شاطئ دجلة القريب من الساحة الذي تحول إلى استراحة المتظاهرين، فمن الذي يقوم بكل ذلك؟ ومن أين يأتي الدعم المالي واللوجستي؟ 

تقول مرح، وهي طالبة في الجامعة التكنولوجية، إنها تقوم مع زميلاتها وطالبات من جامعات أخرى بجمع التبرعات في كل اعتصام أو مسيرة طلابية، خصوصاً حين كانت منتظمة كل يوم أحد. 

وتوضح لـ"ارفع صوتك": "حين نقوم بتوزيع اللافتات والملصقات التي تحمل شعارات الثورة ومطالبها، ندعو الطلبة للتبرع ولو بألف دينار فقط (أقل من دولار) إذا أمكنهم ذلك".

ورأت مرح الطلبة يقتطعون من مصروفهم اليومي، وآخرون قدّموا مصروفهم بالكامل، بالإضافة إلى تبرّع أمهات وآباء عشرات الطلبة الذين شاركوهم في مسيراتهم.

تقول "جميع التبرعات تذهب مباشرة إلى التحرير، نحوّل المبالغ لرصيد هاتفي لمتظاهر نثق به هناك، وحين تصل رقماً معيناً، يذهب المتظاهر لشركة الهاتف لسحب الرصيد نقدياً"

وبهذه المبالغ المالية يقوم المتظاهر وآخرون مثله، بشراء المواد الغذائية الأساسية (أرزاق) مثل الأرز والفاصولياء والعدس ومعجون الطماطم، بالإضافة إلى الماء والبيبسي، وإعداد الطعام للمتظاهرين.

وتتابع مرح القول "كانت تصلنا تبرعات مالية من فتيات لم تمكنهن ظروفهن من الخروج للمشاركة في المسيرات، أردن الدعم بأي طريقة".

نقلات ومراحل

يشارك عبد الرحمن عبدالواحد (30 عاماً) في التظاهرات منذ 25 أكتوبر الماضي، وهو خريج هندسة كهربائية.

وجمع التبرعات لدعم التظاهرات بدأ معه، بعد التعرف على متظاهر آخر هو يوسف الفهد في نفس اليوم، حيث لم يكن عدد المتظاهرين يتجاوز 150، وفق عبدالرحمن.

يقول عبدالرحمن لـ"ارفع صوتك": "نشر يوسف على صفحته في إنستاغرام حاجته لبطارية شحن الهاتف (Power bank)، فتواصلت معه لأعطيه، ثم بقينا معاً، صرنا أصدقاء".

أقام كلاهما خيمة، ليستمرّا في الاعتصام، وبدأ عدد من معارف يوسف ومتابعيه عبر "إنستاغرام" ييبادرون لإرسال الدعم للمتظاهرين، يقول عبدالرحمن "لديه آلاف المتابعين وعلاقاته واسعة في مواقع التواصل". 

والجدير بالذكر أن يوسف تعرّض للتهديد ومحاولات الاختطاف من قبل مسلحين مجهولين، حتى وصل بهم الأمر لتهديده بعائلته، ما اضطرّه للانسحاب من الساحة بعد فترة من التطوّع اليومي في دعم المتظاهرين، والسفر خارج العراق، حسب ما أوضح عبدالرحمن.

View this post on Instagram

شهر كامل خلص قصص متنتهي بهذا الشهر بس راح اذكر اهم الشغلات الي كدرنا نكملها بهذا الشهر اني وأصدقائي بمخيم حديقة الامة وبعدين راح انزل كل عمل بتفاصيله وصعوباته : بدينا بخيمه صغيره وصرنه مخيم كامل خليت اسمه حديقة الامة لان هي الجمعتنا بهاي الايام، مخيمنا مدني هدفه دعم لوجستي ويتقسم إلى : ١- مفرزه طبابة تتكون من أربع اسره وسدية متنقله مع كافه التجهيزات الطبيه والأدوية وشبه مذخر صرنه لدعم المفارز الطبية مع تواجد كادر طبي وصيدلي. ٢- قسم الطعام :كدرنا نأمن معدل ٦٠٠ إلى الف وجبه طعام يوميا للمتضاهرين ٣- قسم الملابس : تأمين اكثر من ألفين قطعه ملابس لغاية الآن للمتظاهرين. ٤-قسم المفروشات : كدرنا نأمن اكثر من ألفين بطانية وفراش ودواشك للمتظاهرين وتامين خيم للمنام. ٥- قسم النظافة : توفير مستلزمات التنضيف من أكياس وفرش للفرق المتطوعه وعلى مدار اليوم. ٦- قسم السلامه المهنية :توزيع اكثر من ١٠٠ طفاية حريق على المخيمات والمفارز الطبية ٧- قسم دعم سواق التك تك: تعويض أصحاب التك تك المتضررين اثناء المظاهرات. ٨- قسم إعادة تأهيل حديقة الامه وبناء الوطن: كدر هذا القسم على انجاز الأعمال التالية : أ- انشاء عشرين مرافق صحية ومغاسل في داخل الحديقه وقف على أرواح الشهداء. ب- إعادة تأهيل النافورات وتشغيلها وسط الحديقه. ت- نصب اناره Led لنصب التحرير لتبرز جماليته ليلا. ث- تنظيف البنيات الثقافية في منتصف الحديقه. ج- إعادة صبغ التمثال في الحديقة ونصب إنارة على الحديقة من المنتصف. ح- انشاء حمامات استحمام عدد عشره في كراج باب الشرجي وايضا وقف على أرواح الشهداء. خ- انشاء مجسم I love TAHRIR في ساحة الحريه.. والقادم أجمل #نبني_وطن #مخيم_حديقة_الامة #متعةاثارةحماس كل التمويل لهاي الشغلات من الاصدقاء والاهالي العراقية الاصيلة وكل شغله نحتاجها تجي اضعافها ثاني يوم شكرا لثقتكم وان شاء الله بميزان حسناتكم. اخوكم يوسف الفهد

A post shared by Yousif (@yousifalfahad) on

زادت المساعدات من أطعمة وأموال ومغذيّات (مضادة لآثار القنابل المسيلة للدموع)، مع توالي الأيام، فصار بالإمكان فعل شيء جديد.

يقول عبدالرحمن "أقمنا مفرزة طبيّة كانت من أصدقائنا خرّيجي وخرّيجات الطب أو من المرحلة الخامسة وأيضاً، وزاد عددنا، وزاد الدعم، وصرنا 25 خيمة".

يتابع بحماسة عبر الهاتف: "ساحة التحرير باتت متروسة بالطعام، فصرنا نركز على المغذيّات والأدوية والكمامات، ومع بداية شهر نوفمبر، تعاونّا مع مصورين ليساعدونا في توثيق المساعدات وأيضاً النشاطات والفعاليات".

وممّا قامت به المجموعة، إضاءة نصب الحرية، الذي كلّفها بالعدّة وأجور العمّال 2500 دولار، كما أقيم 20 مرفقاً صحياً في حديقة الأمة نصفها للذكور والنصف الآخر للإناث، من حصيلة التبرعات المالية، وتم توظيف عامل وعاملة تنظيف لكليهما، أجر كل منهما 100 ألف دينار أسبوعياً، ما يعادل 600 دولار شهرياً. 

يقول عبدالرحمن "برزت الحاجة لإقامة مرافق إضافية بسبب ازدياد عدد مرتادي والمقيمين في ساحة التحرير من المتظاهرين" مضيفاً "بعدها كان مشروع الشاطئ والنفق". 

نظمت المجموعة حملة لتنظيف نفق التحرير، وأقامت ملعباً لكرة الشاطئ على ضفة دجلة القريبة من ساحة التحرير. 

يقول عبدالرحمن: "كنا نطرح الفكرة في مواقع التواصل ونرى مدى قبولها. وحين طرحنا فكرة كرة الشاطئ تبرعت أستاذة في التربية الرياضية بكافة المستلزمات عن طريق إيصالنا بناس في سوق الشورجة، كما جهزناه بخيم وأيضاً شاشة لعرض الأفلام، وأقمنا نصب I love Tahrir الذي كلّف 3 ملايين دينار (2500 دولار)".

وفي القصص اليومية (Stories) عبر إنستاغرام للناشط يوسف الفهد، نجد توثيقاً لأنشطة المجموعة المتطوعة طيلة الشهور الماضية.

أخبرنا عن التحديّات ومشاكل واجهتكم؟ يقول عبدالرحمن: "ظهرت أشخاص يجمعون تبرعات باسم المتظاهرين لكن لصالح شخصي، ووصلني مثلاً أكثر من اتصال من خارج العراق من أصدقاء لي تبرعوا لمنظمات تدّعي أنها تدعم المتظاهرين ليتبين أنها مزيفة".

ولذلك، كانت سياسة مخيم حديقة الأمة منذ البداية، توثيق كل الأموال التي تصل والمصروفات ووصولات الشراء، وعرضها أولاً بأول عبر الفيديو والصور مع كل تبرّع أو نشاط وإيصالها للجهات المتبرعة.  

وتعرّض العديد من المتطوعين مع عبدالرحمن للاختطاف والاعتقال، منهم الذي عاد وآخر ما زال معتقلاً مثل صديقهم أيد.

ومن التحديّات الأخرى، كان أن اكتشفت المجموعة قيام أحد المواكب الذي يزودونه بالمواد التمونية من أجل إعداد الطعام، ببيعها بعض "الأرزاق" وسرقة ثمنها، يقول عبدالرحمن "أوقفنا التعاون بيننا".

كما تعرّضت مجموعة مسيحية للتهديد من قبل عناصر في الحشد الشعبي بسبب دعمها إقامة شجرة عيد الميلاد في ساحة التحرير، لينسحبوا ويوقفوا هذا الدعم، وفق ما أكد عبدالرحمن لـ"ارفع صوتك".

"لا أجمع التبرعات المالية"

ومن ساحة التحرير أيضاً، نلتقي الشاب معمر الزاخولي، الذي ينشط في توزيع المأكولات والمشروبات على المتظاهرين. 

ومن خلال جولة صباحية ومسائية على دراجته النارية، في بث مباشر على موقع "فيسبوك"، ينقل معمّر مشاهد من ساحة التحرير ونفقها ونقاط تجمّع المتظاهرين الأخرى في محيطها.

يعرّف نفسه "أنا من أب كردي مسلم وأم مسيحية، زرع أبي في داخلنا حب العراق والتضحية من أجله".

يقول معمّر لـ"ارفع صوتك": "أنا مشارك في التظاهرات منذ 25 أكتوبر، ولم أترك الساحة من يومها. بدأت بتوثيق وأرشفة الأحداث ونقلها عبر مواقع التواصل للعراقيين الأكراد وخارج العراق للجاليات العراقية خصوصاً المسيحيين".

إلا أنه أضاف لعمله التطوعي، مهمة أخرى، يقول معمّر "صار توجهي إعلامي وإنساني" مضيفاً "بدأ الأمر حين تواصل معي بعض أصدقاء الطفولة المغتربين وأقارب أمي المسيحيين، وطلبوا مني أن أشتري بطانيات وطعاماً للمتظاهرين".

وكان أول ما قام به معمر توزيع الطعام على جسر الجمهورية، رافعاً صورة مريم العذراء، يقول "كان التفاعل إيجابياً جداً، فمريم لها مكانة عظيمة بين المسيحيين والمسلمين على حد سواء". 

ومع مرور الوقت، ازداد عدد الأشخاص الراغبين بدعم المتظاهرين من خلال معمّر، يقول "لا أجمع التبرعات المالية، ولكن الذي يحصل مثلاً، يطلب مني شخص إعداد 200 ساندويشة، ونحسب التكلفة، ويدفعها فقط، ثم أقوم بتوزيعها وهكذا".

ويوضح معمّر أن تقديم الدعم مر بعدة مراحل خلال الشهور الماضية، إذ كان خلال أكتوبر ونوفمبر كبيراً جداً، ثم انخفض قليلاً، وحالياً في أدنى مستوياته.

يقول معمّر لـ"ارفع صوتك": "صحيح أن المدة طالت، وربما لا يمكن للمتبرعين أنفسهم أن يواصلوا ذللك طويلاً، لكن برأيي يوجد 8 ملايين عراقي فقط داخل بغداد، وفي ساحة التحرير لا يتجاوز عددهم ألفاً، وأنا أعرف أن أي عراقي في كل مكان يتمنى إحداث التغيير، فماذا لو دعم غير المتظاهر المتظاهر في الواجهة؟ هذا ليس بالأمر المستحيل".

وتعرض للتهديدات أكثر من مرة، وأيضاً بوصف أمّه المتوفاة بـ"الرفيقة أي البعثية" وباتهامه بأنه "جوكري مدعوم من سفارات أجنبية"، يقول معمّر "أمي توفيت وهي لا تقرأ أو تكتب. وكل التهديدات تصلني عبر الماسنجر، لذا لا أهتم لها".

بين فينة وأخرى يحدث تعاون بين خيم الدعم في ساحة التحيري، يقول معمّر "حين يتوفر لدي أي نوع من الطعام أعطيه لخيمة أخرى تحتاجه أو أقدم أدوية للمفارز الطبية، وفي إحدى المرات وصلني مكبر صوت وأنا لا أحتاجه فأعطيته لخيمة أخرى".

وهو حريص على التعاون مع خيم بعينها لا الجميع، يقول معمّر "العديد من الخيم تابعة لأحزاب". 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".