الصورة من ساحة الوثبة/ بغداد، 31 يناير. عدسة علي دب دب
الصورة من ساحة الوثبة/ بغداد، 31 يناير. عدسة علي دب دب

مرّت قرابة خمسة أشهر على بدء الاحتجاجات العراقية، ومنذ بدايتها تتوالى صور وفيديوهات إعداد الخبز وطهو الطعام وتوزيعه على المتظاهرين، بالإضافة إلى توزيع الخوذ والكمامات الواقية من القنابل المدمعة والدخانية.

عشرات المتطوعين والمتطوعات في ساحة التحرير يقومون بإسعاف المصاب وتطبيب جراحهم، وآخرون يقومون بالتنظيف ورسم الجداريات في نفق التحرير، عدا عن تجهيز شاطئ دجلة القريب من الساحة الذي تحول إلى استراحة المتظاهرين، فمن الذي يقوم بكل ذلك؟ ومن أين يأتي الدعم المالي واللوجستي؟ 

تقول مرح، وهي طالبة في الجامعة التكنولوجية، إنها تقوم مع زميلاتها وطالبات من جامعات أخرى بجمع التبرعات في كل اعتصام أو مسيرة طلابية، خصوصاً حين كانت منتظمة كل يوم أحد. 

وتوضح لـ"ارفع صوتك": "حين نقوم بتوزيع اللافتات والملصقات التي تحمل شعارات الثورة ومطالبها، ندعو الطلبة للتبرع ولو بألف دينار فقط (أقل من دولار) إذا أمكنهم ذلك".

ورأت مرح الطلبة يقتطعون من مصروفهم اليومي، وآخرون قدّموا مصروفهم بالكامل، بالإضافة إلى تبرّع أمهات وآباء عشرات الطلبة الذين شاركوهم في مسيراتهم.

تقول "جميع التبرعات تذهب مباشرة إلى التحرير، نحوّل المبالغ لرصيد هاتفي لمتظاهر نثق به هناك، وحين تصل رقماً معيناً، يذهب المتظاهر لشركة الهاتف لسحب الرصيد نقدياً"

وبهذه المبالغ المالية يقوم المتظاهر وآخرون مثله، بشراء المواد الغذائية الأساسية (أرزاق) مثل الأرز والفاصولياء والعدس ومعجون الطماطم، بالإضافة إلى الماء والبيبسي، وإعداد الطعام للمتظاهرين.

وتتابع مرح القول "كانت تصلنا تبرعات مالية من فتيات لم تمكنهن ظروفهن من الخروج للمشاركة في المسيرات، أردن الدعم بأي طريقة".

نقلات ومراحل

يشارك عبد الرحمن عبدالواحد (30 عاماً) في التظاهرات منذ 25 أكتوبر الماضي، وهو خريج هندسة كهربائية.

وجمع التبرعات لدعم التظاهرات بدأ معه، بعد التعرف على متظاهر آخر هو يوسف الفهد في نفس اليوم، حيث لم يكن عدد المتظاهرين يتجاوز 150، وفق عبدالرحمن.

يقول عبدالرحمن لـ"ارفع صوتك": "نشر يوسف على صفحته في إنستاغرام حاجته لبطارية شحن الهاتف (Power bank)، فتواصلت معه لأعطيه، ثم بقينا معاً، صرنا أصدقاء".

أقام كلاهما خيمة، ليستمرّا في الاعتصام، وبدأ عدد من معارف يوسف ومتابعيه عبر "إنستاغرام" ييبادرون لإرسال الدعم للمتظاهرين، يقول عبدالرحمن "لديه آلاف المتابعين وعلاقاته واسعة في مواقع التواصل". 

والجدير بالذكر أن يوسف تعرّض للتهديد ومحاولات الاختطاف من قبل مسلحين مجهولين، حتى وصل بهم الأمر لتهديده بعائلته، ما اضطرّه للانسحاب من الساحة بعد فترة من التطوّع اليومي في دعم المتظاهرين، والسفر خارج العراق، حسب ما أوضح عبدالرحمن.

View this post on Instagram

شهر كامل خلص قصص متنتهي بهذا الشهر بس راح اذكر اهم الشغلات الي كدرنا نكملها بهذا الشهر اني وأصدقائي بمخيم حديقة الامة وبعدين راح انزل كل عمل بتفاصيله وصعوباته : بدينا بخيمه صغيره وصرنه مخيم كامل خليت اسمه حديقة الامة لان هي الجمعتنا بهاي الايام، مخيمنا مدني هدفه دعم لوجستي ويتقسم إلى : ١- مفرزه طبابة تتكون من أربع اسره وسدية متنقله مع كافه التجهيزات الطبيه والأدوية وشبه مذخر صرنه لدعم المفارز الطبية مع تواجد كادر طبي وصيدلي. ٢- قسم الطعام :كدرنا نأمن معدل ٦٠٠ إلى الف وجبه طعام يوميا للمتضاهرين ٣- قسم الملابس : تأمين اكثر من ألفين قطعه ملابس لغاية الآن للمتظاهرين. ٤-قسم المفروشات : كدرنا نأمن اكثر من ألفين بطانية وفراش ودواشك للمتظاهرين وتامين خيم للمنام. ٥- قسم النظافة : توفير مستلزمات التنضيف من أكياس وفرش للفرق المتطوعه وعلى مدار اليوم. ٦- قسم السلامه المهنية :توزيع اكثر من ١٠٠ طفاية حريق على المخيمات والمفارز الطبية ٧- قسم دعم سواق التك تك: تعويض أصحاب التك تك المتضررين اثناء المظاهرات. ٨- قسم إعادة تأهيل حديقة الامه وبناء الوطن: كدر هذا القسم على انجاز الأعمال التالية : أ- انشاء عشرين مرافق صحية ومغاسل في داخل الحديقه وقف على أرواح الشهداء. ب- إعادة تأهيل النافورات وتشغيلها وسط الحديقه. ت- نصب اناره Led لنصب التحرير لتبرز جماليته ليلا. ث- تنظيف البنيات الثقافية في منتصف الحديقه. ج- إعادة صبغ التمثال في الحديقة ونصب إنارة على الحديقة من المنتصف. ح- انشاء حمامات استحمام عدد عشره في كراج باب الشرجي وايضا وقف على أرواح الشهداء. خ- انشاء مجسم I love TAHRIR في ساحة الحريه.. والقادم أجمل #نبني_وطن #مخيم_حديقة_الامة #متعةاثارةحماس كل التمويل لهاي الشغلات من الاصدقاء والاهالي العراقية الاصيلة وكل شغله نحتاجها تجي اضعافها ثاني يوم شكرا لثقتكم وان شاء الله بميزان حسناتكم. اخوكم يوسف الفهد

A post shared by Yousif (@yousifalfahad) on

زادت المساعدات من أطعمة وأموال ومغذيّات (مضادة لآثار القنابل المسيلة للدموع)، مع توالي الأيام، فصار بالإمكان فعل شيء جديد.

يقول عبدالرحمن "أقمنا مفرزة طبيّة كانت من أصدقائنا خرّيجي وخرّيجات الطب أو من المرحلة الخامسة وأيضاً، وزاد عددنا، وزاد الدعم، وصرنا 25 خيمة".

يتابع بحماسة عبر الهاتف: "ساحة التحرير باتت متروسة بالطعام، فصرنا نركز على المغذيّات والأدوية والكمامات، ومع بداية شهر نوفمبر، تعاونّا مع مصورين ليساعدونا في توثيق المساعدات وأيضاً النشاطات والفعاليات".

وممّا قامت به المجموعة، إضاءة نصب الحرية، الذي كلّفها بالعدّة وأجور العمّال 2500 دولار، كما أقيم 20 مرفقاً صحياً في حديقة الأمة نصفها للذكور والنصف الآخر للإناث، من حصيلة التبرعات المالية، وتم توظيف عامل وعاملة تنظيف لكليهما، أجر كل منهما 100 ألف دينار أسبوعياً، ما يعادل 600 دولار شهرياً. 

يقول عبدالرحمن "برزت الحاجة لإقامة مرافق إضافية بسبب ازدياد عدد مرتادي والمقيمين في ساحة التحرير من المتظاهرين" مضيفاً "بعدها كان مشروع الشاطئ والنفق". 

نظمت المجموعة حملة لتنظيف نفق التحرير، وأقامت ملعباً لكرة الشاطئ على ضفة دجلة القريبة من ساحة التحرير. 

يقول عبدالرحمن: "كنا نطرح الفكرة في مواقع التواصل ونرى مدى قبولها. وحين طرحنا فكرة كرة الشاطئ تبرعت أستاذة في التربية الرياضية بكافة المستلزمات عن طريق إيصالنا بناس في سوق الشورجة، كما جهزناه بخيم وأيضاً شاشة لعرض الأفلام، وأقمنا نصب I love Tahrir الذي كلّف 3 ملايين دينار (2500 دولار)".

وفي القصص اليومية (Stories) عبر إنستاغرام للناشط يوسف الفهد، نجد توثيقاً لأنشطة المجموعة المتطوعة طيلة الشهور الماضية.

أخبرنا عن التحديّات ومشاكل واجهتكم؟ يقول عبدالرحمن: "ظهرت أشخاص يجمعون تبرعات باسم المتظاهرين لكن لصالح شخصي، ووصلني مثلاً أكثر من اتصال من خارج العراق من أصدقاء لي تبرعوا لمنظمات تدّعي أنها تدعم المتظاهرين ليتبين أنها مزيفة".

ولذلك، كانت سياسة مخيم حديقة الأمة منذ البداية، توثيق كل الأموال التي تصل والمصروفات ووصولات الشراء، وعرضها أولاً بأول عبر الفيديو والصور مع كل تبرّع أو نشاط وإيصالها للجهات المتبرعة.  

وتعرّض العديد من المتطوعين مع عبدالرحمن للاختطاف والاعتقال، منهم الذي عاد وآخر ما زال معتقلاً مثل صديقهم أيد.

ومن التحديّات الأخرى، كان أن اكتشفت المجموعة قيام أحد المواكب الذي يزودونه بالمواد التمونية من أجل إعداد الطعام، ببيعها بعض "الأرزاق" وسرقة ثمنها، يقول عبدالرحمن "أوقفنا التعاون بيننا".

كما تعرّضت مجموعة مسيحية للتهديد من قبل عناصر في الحشد الشعبي بسبب دعمها إقامة شجرة عيد الميلاد في ساحة التحرير، لينسحبوا ويوقفوا هذا الدعم، وفق ما أكد عبدالرحمن لـ"ارفع صوتك".

"لا أجمع التبرعات المالية"

ومن ساحة التحرير أيضاً، نلتقي الشاب معمر الزاخولي، الذي ينشط في توزيع المأكولات والمشروبات على المتظاهرين. 

ومن خلال جولة صباحية ومسائية على دراجته النارية، في بث مباشر على موقع "فيسبوك"، ينقل معمّر مشاهد من ساحة التحرير ونفقها ونقاط تجمّع المتظاهرين الأخرى في محيطها.

يعرّف نفسه "أنا من أب كردي مسلم وأم مسيحية، زرع أبي في داخلنا حب العراق والتضحية من أجله".

يقول معمّر لـ"ارفع صوتك": "أنا مشارك في التظاهرات منذ 25 أكتوبر، ولم أترك الساحة من يومها. بدأت بتوثيق وأرشفة الأحداث ونقلها عبر مواقع التواصل للعراقيين الأكراد وخارج العراق للجاليات العراقية خصوصاً المسيحيين".

إلا أنه أضاف لعمله التطوعي، مهمة أخرى، يقول معمّر "صار توجهي إعلامي وإنساني" مضيفاً "بدأ الأمر حين تواصل معي بعض أصدقاء الطفولة المغتربين وأقارب أمي المسيحيين، وطلبوا مني أن أشتري بطانيات وطعاماً للمتظاهرين".

وكان أول ما قام به معمر توزيع الطعام على جسر الجمهورية، رافعاً صورة مريم العذراء، يقول "كان التفاعل إيجابياً جداً، فمريم لها مكانة عظيمة بين المسيحيين والمسلمين على حد سواء". 

ومع مرور الوقت، ازداد عدد الأشخاص الراغبين بدعم المتظاهرين من خلال معمّر، يقول "لا أجمع التبرعات المالية، ولكن الذي يحصل مثلاً، يطلب مني شخص إعداد 200 ساندويشة، ونحسب التكلفة، ويدفعها فقط، ثم أقوم بتوزيعها وهكذا".

ويوضح معمّر أن تقديم الدعم مر بعدة مراحل خلال الشهور الماضية، إذ كان خلال أكتوبر ونوفمبر كبيراً جداً، ثم انخفض قليلاً، وحالياً في أدنى مستوياته.

يقول معمّر لـ"ارفع صوتك": "صحيح أن المدة طالت، وربما لا يمكن للمتبرعين أنفسهم أن يواصلوا ذللك طويلاً، لكن برأيي يوجد 8 ملايين عراقي فقط داخل بغداد، وفي ساحة التحرير لا يتجاوز عددهم ألفاً، وأنا أعرف أن أي عراقي في كل مكان يتمنى إحداث التغيير، فماذا لو دعم غير المتظاهر المتظاهر في الواجهة؟ هذا ليس بالأمر المستحيل".

وتعرض للتهديدات أكثر من مرة، وأيضاً بوصف أمّه المتوفاة بـ"الرفيقة أي البعثية" وباتهامه بأنه "جوكري مدعوم من سفارات أجنبية"، يقول معمّر "أمي توفيت وهي لا تقرأ أو تكتب. وكل التهديدات تصلني عبر الماسنجر، لذا لا أهتم لها".

بين فينة وأخرى يحدث تعاون بين خيم الدعم في ساحة التحيري، يقول معمّر "حين يتوفر لدي أي نوع من الطعام أعطيه لخيمة أخرى تحتاجه أو أقدم أدوية للمفارز الطبية، وفي إحدى المرات وصلني مكبر صوت وأنا لا أحتاجه فأعطيته لخيمة أخرى".

وهو حريص على التعاون مع خيم بعينها لا الجميع، يقول معمّر "العديد من الخيم تابعة لأحزاب". 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

بسبب موقفها المعارض لتعديل قانون الأحوال الشخصية، اضطرت الناشطة السياسية والصيدلانية رحمة علاء لغلق حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مؤقت، بعد تعرضها لحملة تشويه سمعة شرسة عزلتها عن محيطها.

تقول "ارفع صوتك": "منذ بداية اعتراضي على موضوع تعديل قانون الأحوال الشخصية بدأت دائرة معارفي تتضاءل بسبب الاختلاف الجذري فكرياً، على الرغم من اعتيادنا أن الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية!".

لكن في هذه الحالة، تضيف علاء فإن "الوضع مختلف" مردفةً "هذا الخلاف ظهر فجأة في المجتمع وأصبح كالفجوة التي ابتلعتنا جميعاً، حتى وصل الخلاف بالرأي بين أفراد العائلة الواحدة والأقارب". 

"هذا الأمر مرعب وحساس جدا وأثار نزعة تكفيرية بين أفراد المجتمع"، تتابع علاء.

الاتهامات التي تعرضت لها الناشطة متعددة كما تقول، بعضها "يتعلق بالطعن بالشرف، أو أنني أريد إلغاء شرع الله، أو أنني على اتصال مع سفارات أجنبية ومدفوع لي من أجل تخريب المجتمع، واتهامات أخرى تصلني عبر مواقع التواصل التي اضطررت إلى إغلاقها مؤقتا".

وكان البرلمان العراقي أحدث ضجة اجتماعية واسعة في أغسطس الماضي بعد تقديمه مسودة قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية في البلاد، يسمح بموجبه للمرجعيات الدينية العراقية بديلا عن قانون الدولة، بتنظيم شؤون الزواج والميراث على حساب الحقوق الأساسية.

وبعد أن أنهى البرلمان القراءة الأولى للمشروع يأمل الناشطون والمتضررون وأغلبهم من النساء، أن يتمكنوا عبر الوقفات الاحتجاجية وتشكيل تكتل داخل وخارج مجلس النواب، من إيقاف التعديل المثير للجدل بعد تأجيل القراءة الثانية للقانون في الرابع من سبتمر الجاري.

 

ضغوطات تحت قبة البرلمان

لا يختلف الوضع كثيراً داخل أروقة البرلمان العراقي، فالنائبة نور نافع أقرت في حديثها لـ"ارفع صوتك" أنها تعرضت لـ"مختلف أنواع الضغوطات بعد إعلانها تشكيل كتلة داخل البرلمان لمعارضة التعديل على قانون الأحوال الشخصية".

من تلك الضغوطات، تشرح نافع "حملات التسقيط على مواقع التواصل الاجتماعي، ومواضيع أخرى شخصية مباشرة، بهدف التراجع عن رفض تعديل قانون الأحوال الشخصية". 

وتؤكد أنه وبالرغم من ذلك "لن يتراجع النواب المعارضون عن قرارهم"، مشيرة إلى أنها شخصياً "رفعت قضية للطعن بجلسة البرلمان التي خُصصت للقراءة الأولى لتعديل القانون، بسبب وجود مخالفات عديدة، منها النصاب وآلية الطرح والتصويت على إضافة الفقرة وغيرها من المجريات". 

وتقول نافع "القضية أخذت مجراها في المحكمة الاتحادية ونحن بانتظار نتائج المحكمة وقراراتها".

وكانت النائبة النائبة العراقية انضمت إلى كتلة نسوية برلمانية هدفها "الإعلان الواضح لرفض تعديل قانون الأحوال الشخصية المطروح أمام البرلمان، من أجل الحفاظ على نسيج الأسرة وصيانة حقوق أفرادها (الرجل والمرأة والأطفال)"،  بحسب بيان نشرته نافع على حسابها الرسمي في مواقع التواصل.

تبيّن: "إضافة لهذه الكتلة، تم أيضاً تشكيل تحالف المادة (188) الداعم لقضيتنا داخل مجلس النواب لرفض قانون التعديل".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

"تحالف 188"

عزز الإعلان عن تعديل قانون الأحوال الشخصية الانقسام داخل المجتمع العراقي، كما تقول الناشطة المدنية وعضوة "تحالف المادة 188" في محافظة النجف، شيماء المعموري.

تبيّن لـ"ارفع صوتك": "أقوى الهجمات كانت على مواقع التواصل الاجتماعي عبر حسابات وهمية، يتم اتهامنا من خلالها بأننا خارجون عن الدين والملّة والمرجعية، كما يتم وصفنا بأولاد السفارات. وهو كلام يتم توجيهه لجميع معارضي التعديل، خصوصاً النساء".

بعض تلك الرسائل، بحسب المعموري، تصل على شكل "تهديد بالتسليم إلى إحدى المليشيات لمعاقبتنا، أو إصدار حكم شرعي بالقتل لخروجنا عن الدين وغيرها الكثير".

وفي مجتمع محافظ مثل المجتمع العراقي وخصوصاً في مدينة دينية كالنجف "فإنه أمر يؤثر بشدة على السمعة عشائرياً واجتماعياً خصوصاً حين يتم رفع صورنا وانتقادنا عبر منشوراتنا المعارضة و توجيه الاتهامات، فيكون الأمر صعب جداً على عوائلنا"، تتابع المعموري.

وتقول إن كل ذلك "لم يؤثر على المعارضين. لكنه، انعكس سلبياً على المجتمع وأحدث انقساماً في بنيته بين الرافضين والراغبين في التعديل، وكثير منهم يخشون أن يتم اتهامهم بأنهم ضد الدين وهو السلاح الذي يحاولون (أنصار التعديل) به كسب آراء الناس".

تهديدات

التربوي والناشط المدني حيدر حسن هو أحد المشاركين في تظاهرات تتبنى إيقاف التعديل، يرى أن ما يحصل من جذب وشد في الرأي حول التعديل "جعل المجتمع منقسماً على نفسه، ووضع السلم الأهلي على شفا حفرة".

يقول حسن لـ"ارفع صوتك": "على المستوى الشخصي، أتعرض إلى أسوأ وأقذر حملة.. فقد تعرضت للتهديد بالقتل والطعن بالشرف وسب والدي المتوفي ووالدتي وتبليغات على حسابي، كما تردني تهديدات من حسابات وهمية".

كل هذه الأحداث تحصل "رغم أننا لا نملك سوى سلاح الكلمة التي نرفعها رفضاً لتعديل قانون نجد أنه لا يحقق مصلحة المرأة والطفل في العراق"، يتابع حسن.

في المقابل، اتخذ حسن إجراءات قانونية بحق من قام بتهديده، يقول "لجأت إلى القضاء الذي يريدون إسكات صوته عبر التعديل".

في السياق ذاته، يعتبر المحلل السياسي محمد نعناع أن الاتهامات التي يواجهها المعترضون على تعديل قانون الأحوال الشخصية، هي جزء من "نسق دائم يقوم به أفراد وجماعات ضد كل من يختلف معهم في أية جزئية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو ثقافية".

ركزت الحملة التي يتم شنها ضد المعترضين على التعديل كما يشرح نعناع لـ"ارفع صوتك" على أمور ثلاث: "ضمان عدم وجود أصوات معارضة كبيرة عبر توجيه اتهامات تتعلق بمعارضة الدين أو المذهب، وعدم الاحترام في ردود الأفعال مهما كان الحوار جاداً وشفافاً وبناءً، والثالث خطر جداً لأنه يعتمد على تشويه السمعة".

ويبيّن نعناع "أما كيفية تعامل المعارضين للتعديل مع هذه الاتهامات فكانت متنوعة، لكنها اتفقت بأخذ الحرية في التعبير عن آرائنا ولا يمكن قمعنا، لأننا جميعا نعيش في ظل التعددية، كما نجح المعترضون في تثبيت خطابهم تجاه لاعقلانية من كَال لهم التهم".

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

حقوق المرأة

تحدث فريق "ارفع صوتك" مع ثلاث نساء عراقيات تعرضن إلى انتقادات حادة بعد حضورهن وقفات احتجاجية تمت الدعوة لها وإقامتها تحت نصب الحرية وسط العاصمة بغداد.

امرأتان فضلتا عدم الكشف عن اسميهما بعد اتهامات وُجهت لهما عبر مواقع التواصل، وبعد طلب العائلة التوقف عن إعلان موقفهما من تعديل قانون الأحوال الشخصية.

تقول نعمة (اسم مستعار)، إن سبب معارضتها للقانون يتعلق بوضع اجتماعي تعيشه منذ سنوات؛ فهي مطلقة وحاضنة لطفلتها: "تلقيت تهديدات من زوجي بأخذ ابنتي ما إن يتم إقرار القانون، فشعرتُ بالرعب".

تضيف "القانون الحالي منصف للمرأة، وتمكنتُ عبره من إعادة ابنتي التي خطفها زوجي ولم أعرف مكانها لعام كامل. وحين عثرت عليها وجدتها قد تعرضت إلى التعنيف، رغم أنها لم تتجاوز العامين من عمرها آنذاك، بعد أن تزوج طليقي بأخرى أساءت معاملتها".

من جهتها، تقول آية (اسم مستعار) وهي حاضنة لطفلتين، إن تعديل قانون الأحوال الشخصية "من شأنه حرمان الأم من أطفالها وحقوقها وإجبارها على العيش في ظروف سيئة يفرضها عليها بعض الرجال الذين يسيئون لزوجاتهم، ولا يعاملونهن كما أوصى الشرع".

تساند الناشطة في حقوق الإنسان مريم الأسدي المعارضين للتعديل، معللةً "أنا أنظر للمستقبل، فالقرار الذي يُتخذ اليوم سيؤثر على بناتي مستقبلاً. الأمر يتعلق بحقوق النساء في الزواج والطلاق والميراث وغيرها، وهي من الأمور التي لا أتمنى أن تتعرض للظلم بسببها أي فتاة".

تعرضت الأسدي إلى هجمة اضطرت بعدها إلى تبديل رقم هاتفها حين بدأت مكالمات مجهولة تهددها إذا استمرت بمساندة النساء في الوقفات المطالبة بإلغاء التعديل. توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يسكت هاتفي عن الرنين بعد نشره من شخص مجهول على أحد المجاميع المساندة للتعديل، وجميع الاتصالات كانت عبارة عن تهديدات مباشرة".

من الاتهامات التي وصلتها بأنها "ضد الشريعة"، وتمت مطالبتها بأن "تبقى في منزلها وتسكت، وإلا فان النتائج ستكون وخيمة" على حدّ تعبيرها.

نتيجة لذلك، تقول الأسدي "تأثرت عائلتي وتمت مطالبتي بالتوقف، لكنني قررت الاستمرار، فلا يمكن الخضوع لمجهولين يخشون مجرد الحديث بأسمائهم الصريحة، ولن نساوم على حقوق بناتنا في المستقبل".