ساحة التحرير وسط بغداد/ 27 يناير ، ا ف ب
ساحة التحرير وسط بغداد/ 27 يناير ، ا ف ب

في تغريدة لها قبل أيام، أشارت الناشطة العراقية في ساحة التحرير بان، إلى قلّة عدد المتظاهرين المتواجدين هناك، متسائلة عن السبب، هل هو "الملل"؟، وتأتيها إجابات متنوعة في التعليقات.

وكانت الإجابات بين التوكيد على "الملل" و"عودة الناس لأعمالهم" إذ لا يمكن التواجد بشكل مستمر وترك العمل فالجميع يحتاج إلى الحفاظ على الدخل المالي، وبين نفي هذا الشيء بدليل المظاهرات الحاشدة التي تخرج في بغداد والمدن الأخرى بمجرّد الدعوة لمليونية، وتطرقوا للجرحى والتهديدات ومحاولة تشويه التظاهرات من خلال أتباع التيار الصّدري، وغير ذلك. 

والحياة اليوم في محيط ساحة التحرير، لا تبدو تماماً قبل شهرين أو أربعة، حيث عادت حركة السير بفتح الجسور، وعاد الطلبة إلى المدارس والجامعات، وهو ما أصاب العديد من المتظاهرين بالإحباط، والخوف على الاحتجاجات من أن تخمد دون تحقيق شيء، كأنها لم تكن!

ومنذ أول أكتوبر 2019، والحكومة العراقية عبر قواها النظامية ومن خلال غض النظر عن المليشيات المسلحة التابعة للأحزاب، خصوصاً الموالية لإيران، تواصل قمع التظاهرات، فقُتل أكثر من 600 شخص، وأصيب أكثر من 20 ألفاً، وتم اختطاف المئات، لا يزال عدد منهم مفقوداً.

يقول الشاب الناشط في تنظيم التبرعات العينية للمتظاهرين، معمّر الزاخولي، إنه يشارك منذ 25 أكتوبر، وسيبقى حتى تحقيق المطالب، مضيفاً "العدد ليس مهماً، وأثبتت تجارب أمم أخرى أن شخصاً واحداً أحياناً يُحدث التغيير. يكفي تواجد عدد من المتظاهرين 100 أو 500 مثلاً، مؤمنون بالقضية وقادرون على الاستمرار". 


ومن خلال التواصل مع عدد من المتظاهرين، بعضهم لم يتوقف عن التظاهر أو الذهاب لساحة التحرير منذ بداية التظاهرات، وآخر انسحب بإرادته أو مُجبراً، نتعرّف إلى الأسباب التي دفعتهم لذلك.

بان ليلى: لا خيار آخر

تقول بان ليلى (30 عاماً) لـ"ارفع صوتك": "لا خيار آخر سوى الاستمرار، لقد جربنا الحكومات المتعاقبة منذ زوال النظام البعثي، لم يتغيّر عليها شيء، حفظنا أفعالها. وإن عدنا لبيوتنا فمصيرنا معروف، ستتم تصفيتنا". 

وتؤكد "يجب أن نبقى حتى تحقيق المطالب وإحداث التغيير. والتغيير قد يعوّض الذين فقدوا أحبابهم نتيجة عمليات القمع المستمرة بحقنا".

وتتظاهر بان التي التي درست "علم إنسان" وتعمل باحثة اجتماعية في مجال الطفولة، منذ 27 أكتوبر الماضي. تقول "تظاهرنا عام 2011 وقمعتنا حكومة نوري المالكي، ثم تظاهرنا في 2015، فخذلتنا قيادة التظاهرات آنذاك ودعمت مقتدى الصّدر الذي ركب الموجة في حينه، ولم يتحق شيء. لكن هذه المرة مختلفة، لقد صمدنا".

"أحياناً أعتقد أن صبري نفد، ومؤخراً شعرت بحزن كبير وبكيت كثيراً على الشهيد مختار وهو أخ صديقتي... أتساءل لماذا يحدث كل ذلك؟! فأقول لنفسي: هذا هو التغيير وهذه الثورة، يمكن أن أصاب أنا أ]ضاً بمكروه أو غيري لاحقاً، لكن الثورة ستستمر".

ومثل غالبية المتظاهرين، تحلم بان بحياة كريمة وحرّة، تشعر فيها بالأمان حين تمشي في الشارع أو تعبّر عن رأيها، تقول "بلدنا ليس فقيراً، بل غنيّ بالموارد الطبيعية والكفاءات البشرية، لكن الفساد حرمنا من التمتع بخيراتها".​

ما العراق الذي تحلمين به؟ تقول بان لـ"ارفع صوتك": "يحترمني كامرأة ولا أعامَل فيه كمواطن درجة ثانية، ولا يمكن فيه لأحد أ، يطعن بشرفي، ففي بلدي تخشى النساء نشر صورها بأريحية في مواقع التواصل، لأنها قد تُستغل للطعن والإساءة لها في صفحات الخصوم".

وتتابع القول "نريد تعليما أفضل، ونظاماً أقل فساداً، نريد لزراعاتنا واقتصادنا النهوض. بغداد كانت منارة نريدها أن تعود كذلك، كما لا نريد أن تتحكم في شؤون العراقيين وسياساتهم أي دولة".

مريم: ما أعوفها

في 27 أكتوبر الماضي أيضاً، انضمت مريم فاروق (21 عاماً) للتظاهرات، وهي طالبة تحليلات مرضية، بدأت المشاركة من الحرم الجامعي ثم انطلقت مع بقيّة الطلبة إلى ساحة التحرير، بعد أربعة أيام فقط، ولا تزال مشاركة لغاية اليوم.

وقررت مريم المشاركة رافضة ما يجري من قتل وقمع لباقي المتظاهرين، تقول لـ"ارفع صوتك": "كنت أرى أبناء بلدي يُقتلون، منذ 1 أكتوبر ثم يوم 25 ويوم 27 كان أول شهيد وهو صفاء السراي، بعدها ازداد القمع بأبشع أنواعه".

ولمست مطالب المتظاهرين وتضحياتهم جرحها بمقتل والدها، توضح مريم "استشهد والدي قبل 16 عاماً، ولغاية الآن لم تقم الحكومة بإيجاد القاتل ومحاسبة".

وحصلت على تدريب في الإسعافات الأولية كي تساعد المصابين، فأصبحت مسعفة، ومن خلال تواجدها في ساحة التحرير قامت بتوثيق مجريات الأحداث هناك، ويتابعها الآلاف في مواقع التواصل.

وما زالت مريم مستمرة في التظاهر، تقول "شهدت مقتل الشباب والأطفال في ساحة التحرير، ليس من المعقول بعد كل ما جرى أن أتراجع. لن نتركهم" مضيفة "بعد هذه الفواجع ما اقدر اعوف التحرير أو أعوف ساحة التظاهر، ما نقبل يروح دمهم هدر".

صلاح لم ينسحب، ولكن...

يشارك صلاح في التظاهرات منذ 1 أكتوبر، وهو مستمر لغاية اليوم، لكن لديه ملاحظات على الوضع القائم في ساحة التحرير.

يقول صلاح (32 عاماً) لـ"ارفع صوتك": "كان لدي مطالب عديدة بصورة عامّة يتفق عليها جميع المتظاهرين مثل إزالة الأحزاب التي تحكم البلاد عن طريق إزالة حكومة عادل عبد المهدي فهي حكومة فاسدة، وأردنا إلغاء المحاصصة الطائفية وتغيير قانون الانتخابات وتغيير المفوضية العليا للانتخابات وتحديد موعد انتخابات مبكرة بإشراف لجنة أممية ومحاسبة القتلة".

من خلال تواجده في ساحات التظاهر، كان صلاح ينقل المستجدات لمحطات تلفزة عراقية، وعبر مواقع التواصل يحاول إيصال صوت العراقيين للدول العربية والغربية.

"لكن مطالب وتوجهّات متظاهري التحرير، تغيّرت" يقول صلاح. ويوضح: "بدأت الأحزاب الفاسدة تتدخل في الساحة ويوجد أشخاص يساومون الحكومة. مثلا في النجف، يوجد نائب ثري جدا وزع ملايين الدولارات على المتظاهرين الذين قاموا بقطع الطرق وحرق المقرات وحرق إطارات جديدة، الإطار الواحد ثمنه نصف مليون دينار عراقي (420$)".

وتتراوح أسعار الإطارات في العراق بين 16 دولاراً و700 دولار، ويعتمد هذا التفاوت في الأسعار على تاريخ الصّنع والبلد المصدر والشركة المصنّعة، حسب نشطاء عراقيين في تويتر.

ويرفض صلاح بعض أشكال التظاهر، مثل "قطع الطرق وحرق الإطارات وحرق المقرات الحزبية وتدمير ممتلكات عامة وتعطيل المدارس عن الدوام"، يقول "أرفض قطع الطرق فلا يتأذى منه سوى المواطن البسيط بينما السياسيون والأثرياء لا يتأذّون".

وهو المتظاهر في ساحة التحرير، يصفها بالقول "توجد أحزاب قريبة من المتظاهرين مثل التيار الصدري، وأخرى تعمل على تشويه صورتهم وهي أحزاب كردية وسنية وشيعية (مثل: تحالف القوى في المناطق السنيّة، وعائلة الكربولي والبزاز والبرزاني) وأخرى تحاول ركوب الموجة مثل حزب الدعوة بزعامة حيدر العبادي". 

لكن الكثير من المتظاهرين يرفضون تدخلات التيار الصدري ويعتبرونه متورطاً في قتل المتظاهرين في ساحة التحرير والنجف، فلماذا تراه نصيراً لهم؟ يقول صلاح: "بعد التقصّي وسؤال أكثر من شخص من خارج المتظاهرين وأصحاب القبعات الزرق عرفت أنه ليس المسؤول عن عمليات القتل. لا يمكن أن يكون الصّدر. 40% من المتظاهرين من الصدريين".

ويعتقد صلاح أن "بعض المندسين أِعلوا الشجار بين المتظاهرين والصدريين في التحرير".

أما عن سبب استمراره في التظاهر، يقول صلاح "وفاءً لدماء الشهداء التي نزفت في ساحة التحرير، وحتى تحقيق المطالب التي لم تتحقق حتى الآن" مضيفاً "سنستمر حتى آخر نفس ونرفض زج بعض الخيم التي لا تمت للإصلاح أو التغيير بصلة". 

محمد: الوثبة السبب

يقول محمد السّراي (31 عاماً): "أنا وأصدقائي كنّا من أوائل المشاركين في التظاهرات، وخرجنا رفضاً لفساد الطبقة السياسية الحاكمة واستثرائها على حساب المال العام وانحسار فرصة تحسن الأوضاع وبلوغ مرحلة انعدام الثقة بين السلطة والشعب، وارتفاع معدلات البطالة وتراجع الأمن والخدمات وانخفاض مستوى التعليم وتدخل دول الجوار بالشأن الداخلي، وغيرها من الأمور".

"صحيح أننا توقفنا عن التظاهر، إلا أننا ما زلنا ندعم المتظاهرين السلميين" يقول محمد، موضحاً "توقفنا عن الخروج معهم بتاريخ حادثة الوثبة بعد تعليق جثة لمقتول في وسطها وانتشار ثقافة العنف و الرد بالمثل ودعوات للتصيعد وقطع الطرق وحرق الإطارات والاعتداء على الأجهزة الأمنية والمرور وإجبار الجامعات والمدارس على التعطيل الإجباري وحرق المقرات والاعتداء على منازل المسؤولين وحرق الدور وكثير من الأمور التي حالت بيننا وبين التظاهر".

يضيف محمد "ومن أبرز الأسباب تحكّم بعض الفضائيات التابعة لجهات سياسية فاسدة بسير التظاهرات واستغلال المتظاهرين من أجل التسقيط السياسي وكذلك تسلل بعض الشواذ (المثليين) إلى الساحات".

سراج الشمري (30 عاماً)، وهو موظف حكومي، خرج من ساحات التظاهر بعد حادثة الوثبة أيضاً. 

يقول لـ"ارفع صوتك": "علّقوا فتى مراهقاً بعد قتله أمام أنظار المحتجين، لكنهم لم يحرّكوا ساكناً".

إلا أنه عاد بعد فترة "آملاً أن تتحس أحوال التظاهرات"، مؤكداً "الثورة الآن ليست مثل بدايتها، تغيّر الكثير، واستغلت أحياناً لصالح أميركا، وتم تخريب ممتلكات عامة وخاصة، كما دخل العديد من المندسين على الخط".

ويؤكد سراج "مقتل متظاهر في ساحة التحرير بسبب شجار نشب بين عدد من المتظاهرين استخدموا السكاكين والقامات (سيوف)" ووصفههم بـ"المخربين والعصابات".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "السلميّون أصبحوا قلّة قي ساحة التحرير، وصار أي منّا يخاف النوم وحده ليلاً، لذا نحاول البقاء في مجموعات".

مارشال: تركتها مُجبراً

شهد محمد مؤيد الملقب بـ"مارشال" الأيام الصعبة الأولى من التظاهرات العراقية، حين تعرض المتظاهرون للقتل والستخدام القوة المفرطة من قبل قوات حكومية، وعاش أصعب لحظاته.

يقول مارشال (23 سنة) وهو طالب تحليلات مرضية: "كنتُ مسعفاً، أذهب لساحة التحرير ومحيطها، وأرى الناس تهتف (بالروح بالدم نفديك يا عراق) و(سلمية)، وكانوا يموتون في الشارع، وتزامن ذلك مع قطع الإنترنت والتعتيم الإعلامي".

يتابع: "اليوم الذي غيّر حياتي، كان 4 أكتوبر، كان قطع الطرق في مكان، واحد فقط مفتوح لساحة التحرير وهو شارع مول النخيل، وهذا اليوم أسمينها (يوم القنّاص)، كان الشارع خالياً، سوى من المتظاهرين المختبئين خلف الجدران، اختبأت أيضاً خلف حاجز كونكريتي، فمن يرفع رأسه يُقتل".

"سألت الشباب حولي ماذا يعملون فكان معظمهم عمّالة في الأشغال الشاقة (يضطرون لها بسبب الفقر والعوز)، أعمارهم بين 15 و25 عاماً، أي أنهم لم يروا شيئاً من حياتهم بعد" يقول مارشال، متابعاً "وعلى بعد 10 أمتار سقط متظاهر أمامنا، فطلبت من الناس إحضاره لي كي أسعفه، لكنهم قُتلوا قبل الوصول إليه، حينها قفلت على القضية".

انتهت الموجة الأولى من التظاهرات في 7 أكتوبر، وفي 25 من الشهر ذاته عادت للتجدد، حينها شارك مارشال مرة أخرى.

وطيلة مدة مشاركته في ساحة التحرير، كان المسؤول عن الدعم المالي والإعلامي في اتحاد طلبة بغداد، وأعضاء الاتحاد هم ممثلو الطلبة من جميع الكليات والجامعات لتنظيم الحراك الطلابي الداعم للثورة.

وبسبب نشاطه المتواصل في جمع التبرعات المالية من خلال طلبة الجامعات في بغداد والداعمين للتظاهرات من العراقيين، أصبح مارشال وجهاً معروفاً في السحة وفي وسائل الإعلام أيضاً، إلا أن هذا عرّضه للتهديدات بالاعتقال والقتل.

يقول مارشال لـ"ارفع صوتك": "وصلني تهديد قوي عبر مكالمة هاتفية، اتهمني بتمويل الإرهاب، خفت كثيراً، فقمت بتحويل لتبرعات إلى أشخاص آخرين في الساحة كي أبعد العيون عنّي".

واستمر الدعم حتى دخول مليشيات سرايا السلام، التابعة للتيار الصّدري، الذين احتلوا مكاناً في ساحة التحرير، وسيطروا على مبنى المطعم التركي وقاموا بتهديد العديد من الشبان المتظاهرين، وفق ما يقول مارشال.

ويوضح: "في يوم ترشيح محمد توفيق علاوي من قبل السرايا، كنت أصمم 40 لافتة لاتحاد الطلبة بعنوان (محمد توفيق علاوي مرفوض من قبل الشعب)، وفي هذا الوقت كانت السرايا تهدد وتضرب وتختطف أي شخص يرفض مرشحها، ثم وصلوا إلي".

أما الحدث الفاصل، الذي دفع مارشال لمغادرة ساحة التحرير ثم السفر خارج العراق، هو وصول جماعة تبحث عنه بالاسم لخيمته تتقصد إيذاءه، لكن علمه المسبق بذلك أنجاه منها.

يقول مارشال "أريد العودة، لكن في ذلك مخاطرة كبيرة، لذلك ما زلت أمارس نفس العمل، وهو جمع التبرعات وأقوم بإيصاله للمتظاهرين".

وبسبب اضطراره للسفر، خسر مارشال سنة جامعية، ولا يعرف إلى متى يبقى خارج العراق ومتى يعود لاستكمال دراسته.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

بسبب موقفها المعارض لتعديل قانون الأحوال الشخصية، اضطرت الناشطة السياسية والصيدلانية رحمة علاء لغلق حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مؤقت، بعد تعرضها لحملة تشويه سمعة شرسة عزلتها عن محيطها.

تقول "ارفع صوتك": "منذ بداية اعتراضي على موضوع تعديل قانون الأحوال الشخصية بدأت دائرة معارفي تتضاءل بسبب الاختلاف الجذري فكرياً، على الرغم من اعتيادنا أن الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية!".

لكن في هذه الحالة، تضيف علاء فإن "الوضع مختلف" مردفةً "هذا الخلاف ظهر فجأة في المجتمع وأصبح كالفجوة التي ابتلعتنا جميعاً، حتى وصل الخلاف بالرأي بين أفراد العائلة الواحدة والأقارب". 

"هذا الأمر مرعب وحساس جدا وأثار نزعة تكفيرية بين أفراد المجتمع"، تتابع علاء.

الاتهامات التي تعرضت لها الناشطة متعددة كما تقول، بعضها "يتعلق بالطعن بالشرف، أو أنني أريد إلغاء شرع الله، أو أنني على اتصال مع سفارات أجنبية ومدفوع لي من أجل تخريب المجتمع، واتهامات أخرى تصلني عبر مواقع التواصل التي اضطررت إلى إغلاقها مؤقتا".

وكان البرلمان العراقي أحدث ضجة اجتماعية واسعة في أغسطس الماضي بعد تقديمه مسودة قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية في البلاد، يسمح بموجبه للمرجعيات الدينية العراقية بديلا عن قانون الدولة، بتنظيم شؤون الزواج والميراث على حساب الحقوق الأساسية.

وبعد أن أنهى البرلمان القراءة الأولى للمشروع يأمل الناشطون والمتضررون وأغلبهم من النساء، أن يتمكنوا عبر الوقفات الاحتجاجية وتشكيل تكتل داخل وخارج مجلس النواب، من إيقاف التعديل المثير للجدل بعد تأجيل القراءة الثانية للقانون في الرابع من سبتمر الجاري.

 

ضغوطات تحت قبة البرلمان

لا يختلف الوضع كثيراً داخل أروقة البرلمان العراقي، فالنائبة نور نافع أقرت في حديثها لـ"ارفع صوتك" أنها تعرضت لـ"مختلف أنواع الضغوطات بعد إعلانها تشكيل كتلة داخل البرلمان لمعارضة التعديل على قانون الأحوال الشخصية".

من تلك الضغوطات، تشرح نافع "حملات التسقيط على مواقع التواصل الاجتماعي، ومواضيع أخرى شخصية مباشرة، بهدف التراجع عن رفض تعديل قانون الأحوال الشخصية". 

وتؤكد أنه وبالرغم من ذلك "لن يتراجع النواب المعارضون عن قرارهم"، مشيرة إلى أنها شخصياً "رفعت قضية للطعن بجلسة البرلمان التي خُصصت للقراءة الأولى لتعديل القانون، بسبب وجود مخالفات عديدة، منها النصاب وآلية الطرح والتصويت على إضافة الفقرة وغيرها من المجريات". 

وتقول نافع "القضية أخذت مجراها في المحكمة الاتحادية ونحن بانتظار نتائج المحكمة وقراراتها".

وكانت النائبة النائبة العراقية انضمت إلى كتلة نسوية برلمانية هدفها "الإعلان الواضح لرفض تعديل قانون الأحوال الشخصية المطروح أمام البرلمان، من أجل الحفاظ على نسيج الأسرة وصيانة حقوق أفرادها (الرجل والمرأة والأطفال)"،  بحسب بيان نشرته نافع على حسابها الرسمي في مواقع التواصل.

تبيّن: "إضافة لهذه الكتلة، تم أيضاً تشكيل تحالف المادة (188) الداعم لقضيتنا داخل مجلس النواب لرفض قانون التعديل".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

"تحالف 188"

عزز الإعلان عن تعديل قانون الأحوال الشخصية الانقسام داخل المجتمع العراقي، كما تقول الناشطة المدنية وعضوة "تحالف المادة 188" في محافظة النجف، شيماء المعموري.

تبيّن لـ"ارفع صوتك": "أقوى الهجمات كانت على مواقع التواصل الاجتماعي عبر حسابات وهمية، يتم اتهامنا من خلالها بأننا خارجون عن الدين والملّة والمرجعية، كما يتم وصفنا بأولاد السفارات. وهو كلام يتم توجيهه لجميع معارضي التعديل، خصوصاً النساء".

بعض تلك الرسائل، بحسب المعموري، تصل على شكل "تهديد بالتسليم إلى إحدى المليشيات لمعاقبتنا، أو إصدار حكم شرعي بالقتل لخروجنا عن الدين وغيرها الكثير".

وفي مجتمع محافظ مثل المجتمع العراقي وخصوصاً في مدينة دينية كالنجف "فإنه أمر يؤثر بشدة على السمعة عشائرياً واجتماعياً خصوصاً حين يتم رفع صورنا وانتقادنا عبر منشوراتنا المعارضة و توجيه الاتهامات، فيكون الأمر صعب جداً على عوائلنا"، تتابع المعموري.

وتقول إن كل ذلك "لم يؤثر على المعارضين. لكنه، انعكس سلبياً على المجتمع وأحدث انقساماً في بنيته بين الرافضين والراغبين في التعديل، وكثير منهم يخشون أن يتم اتهامهم بأنهم ضد الدين وهو السلاح الذي يحاولون (أنصار التعديل) به كسب آراء الناس".

تهديدات

التربوي والناشط المدني حيدر حسن هو أحد المشاركين في تظاهرات تتبنى إيقاف التعديل، يرى أن ما يحصل من جذب وشد في الرأي حول التعديل "جعل المجتمع منقسماً على نفسه، ووضع السلم الأهلي على شفا حفرة".

يقول حسن لـ"ارفع صوتك": "على المستوى الشخصي، أتعرض إلى أسوأ وأقذر حملة.. فقد تعرضت للتهديد بالقتل والطعن بالشرف وسب والدي المتوفي ووالدتي وتبليغات على حسابي، كما تردني تهديدات من حسابات وهمية".

كل هذه الأحداث تحصل "رغم أننا لا نملك سوى سلاح الكلمة التي نرفعها رفضاً لتعديل قانون نجد أنه لا يحقق مصلحة المرأة والطفل في العراق"، يتابع حسن.

في المقابل، اتخذ حسن إجراءات قانونية بحق من قام بتهديده، يقول "لجأت إلى القضاء الذي يريدون إسكات صوته عبر التعديل".

في السياق ذاته، يعتبر المحلل السياسي محمد نعناع أن الاتهامات التي يواجهها المعترضون على تعديل قانون الأحوال الشخصية، هي جزء من "نسق دائم يقوم به أفراد وجماعات ضد كل من يختلف معهم في أية جزئية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو ثقافية".

ركزت الحملة التي يتم شنها ضد المعترضين على التعديل كما يشرح نعناع لـ"ارفع صوتك" على أمور ثلاث: "ضمان عدم وجود أصوات معارضة كبيرة عبر توجيه اتهامات تتعلق بمعارضة الدين أو المذهب، وعدم الاحترام في ردود الأفعال مهما كان الحوار جاداً وشفافاً وبناءً، والثالث خطر جداً لأنه يعتمد على تشويه السمعة".

ويبيّن نعناع "أما كيفية تعامل المعارضين للتعديل مع هذه الاتهامات فكانت متنوعة، لكنها اتفقت بأخذ الحرية في التعبير عن آرائنا ولا يمكن قمعنا، لأننا جميعا نعيش في ظل التعددية، كما نجح المعترضون في تثبيت خطابهم تجاه لاعقلانية من كَال لهم التهم".

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

حقوق المرأة

تحدث فريق "ارفع صوتك" مع ثلاث نساء عراقيات تعرضن إلى انتقادات حادة بعد حضورهن وقفات احتجاجية تمت الدعوة لها وإقامتها تحت نصب الحرية وسط العاصمة بغداد.

امرأتان فضلتا عدم الكشف عن اسميهما بعد اتهامات وُجهت لهما عبر مواقع التواصل، وبعد طلب العائلة التوقف عن إعلان موقفهما من تعديل قانون الأحوال الشخصية.

تقول نعمة (اسم مستعار)، إن سبب معارضتها للقانون يتعلق بوضع اجتماعي تعيشه منذ سنوات؛ فهي مطلقة وحاضنة لطفلتها: "تلقيت تهديدات من زوجي بأخذ ابنتي ما إن يتم إقرار القانون، فشعرتُ بالرعب".

تضيف "القانون الحالي منصف للمرأة، وتمكنتُ عبره من إعادة ابنتي التي خطفها زوجي ولم أعرف مكانها لعام كامل. وحين عثرت عليها وجدتها قد تعرضت إلى التعنيف، رغم أنها لم تتجاوز العامين من عمرها آنذاك، بعد أن تزوج طليقي بأخرى أساءت معاملتها".

من جهتها، تقول آية (اسم مستعار) وهي حاضنة لطفلتين، إن تعديل قانون الأحوال الشخصية "من شأنه حرمان الأم من أطفالها وحقوقها وإجبارها على العيش في ظروف سيئة يفرضها عليها بعض الرجال الذين يسيئون لزوجاتهم، ولا يعاملونهن كما أوصى الشرع".

تساند الناشطة في حقوق الإنسان مريم الأسدي المعارضين للتعديل، معللةً "أنا أنظر للمستقبل، فالقرار الذي يُتخذ اليوم سيؤثر على بناتي مستقبلاً. الأمر يتعلق بحقوق النساء في الزواج والطلاق والميراث وغيرها، وهي من الأمور التي لا أتمنى أن تتعرض للظلم بسببها أي فتاة".

تعرضت الأسدي إلى هجمة اضطرت بعدها إلى تبديل رقم هاتفها حين بدأت مكالمات مجهولة تهددها إذا استمرت بمساندة النساء في الوقفات المطالبة بإلغاء التعديل. توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يسكت هاتفي عن الرنين بعد نشره من شخص مجهول على أحد المجاميع المساندة للتعديل، وجميع الاتصالات كانت عبارة عن تهديدات مباشرة".

من الاتهامات التي وصلتها بأنها "ضد الشريعة"، وتمت مطالبتها بأن "تبقى في منزلها وتسكت، وإلا فان النتائج ستكون وخيمة" على حدّ تعبيرها.

نتيجة لذلك، تقول الأسدي "تأثرت عائلتي وتمت مطالبتي بالتوقف، لكنني قررت الاستمرار، فلا يمكن الخضوع لمجهولين يخشون مجرد الحديث بأسمائهم الصريحة، ولن نساوم على حقوق بناتنا في المستقبل".