ساحة التحرير وسط بغداد/ 27 يناير ، ا ف ب
ساحة التحرير وسط بغداد/ 27 يناير ، ا ف ب

في تغريدة لها قبل أيام، أشارت الناشطة العراقية في ساحة التحرير بان، إلى قلّة عدد المتظاهرين المتواجدين هناك، متسائلة عن السبب، هل هو "الملل"؟، وتأتيها إجابات متنوعة في التعليقات.

وكانت الإجابات بين التوكيد على "الملل" و"عودة الناس لأعمالهم" إذ لا يمكن التواجد بشكل مستمر وترك العمل فالجميع يحتاج إلى الحفاظ على الدخل المالي، وبين نفي هذا الشيء بدليل المظاهرات الحاشدة التي تخرج في بغداد والمدن الأخرى بمجرّد الدعوة لمليونية، وتطرقوا للجرحى والتهديدات ومحاولة تشويه التظاهرات من خلال أتباع التيار الصّدري، وغير ذلك. 

والحياة اليوم في محيط ساحة التحرير، لا تبدو تماماً قبل شهرين أو أربعة، حيث عادت حركة السير بفتح الجسور، وعاد الطلبة إلى المدارس والجامعات، وهو ما أصاب العديد من المتظاهرين بالإحباط، والخوف على الاحتجاجات من أن تخمد دون تحقيق شيء، كأنها لم تكن!

ومنذ أول أكتوبر 2019، والحكومة العراقية عبر قواها النظامية ومن خلال غض النظر عن المليشيات المسلحة التابعة للأحزاب، خصوصاً الموالية لإيران، تواصل قمع التظاهرات، فقُتل أكثر من 600 شخص، وأصيب أكثر من 20 ألفاً، وتم اختطاف المئات، لا يزال عدد منهم مفقوداً.

يقول الشاب الناشط في تنظيم التبرعات العينية للمتظاهرين، معمّر الزاخولي، إنه يشارك منذ 25 أكتوبر، وسيبقى حتى تحقيق المطالب، مضيفاً "العدد ليس مهماً، وأثبتت تجارب أمم أخرى أن شخصاً واحداً أحياناً يُحدث التغيير. يكفي تواجد عدد من المتظاهرين 100 أو 500 مثلاً، مؤمنون بالقضية وقادرون على الاستمرار". 


ومن خلال التواصل مع عدد من المتظاهرين، بعضهم لم يتوقف عن التظاهر أو الذهاب لساحة التحرير منذ بداية التظاهرات، وآخر انسحب بإرادته أو مُجبراً، نتعرّف إلى الأسباب التي دفعتهم لذلك.

بان ليلى: لا خيار آخر

تقول بان ليلى (30 عاماً) لـ"ارفع صوتك": "لا خيار آخر سوى الاستمرار، لقد جربنا الحكومات المتعاقبة منذ زوال النظام البعثي، لم يتغيّر عليها شيء، حفظنا أفعالها. وإن عدنا لبيوتنا فمصيرنا معروف، ستتم تصفيتنا". 

وتؤكد "يجب أن نبقى حتى تحقيق المطالب وإحداث التغيير. والتغيير قد يعوّض الذين فقدوا أحبابهم نتيجة عمليات القمع المستمرة بحقنا".

وتتظاهر بان التي التي درست "علم إنسان" وتعمل باحثة اجتماعية في مجال الطفولة، منذ 27 أكتوبر الماضي. تقول "تظاهرنا عام 2011 وقمعتنا حكومة نوري المالكي، ثم تظاهرنا في 2015، فخذلتنا قيادة التظاهرات آنذاك ودعمت مقتدى الصّدر الذي ركب الموجة في حينه، ولم يتحق شيء. لكن هذه المرة مختلفة، لقد صمدنا".

"أحياناً أعتقد أن صبري نفد، ومؤخراً شعرت بحزن كبير وبكيت كثيراً على الشهيد مختار وهو أخ صديقتي... أتساءل لماذا يحدث كل ذلك؟! فأقول لنفسي: هذا هو التغيير وهذه الثورة، يمكن أن أصاب أنا أ]ضاً بمكروه أو غيري لاحقاً، لكن الثورة ستستمر".

ومثل غالبية المتظاهرين، تحلم بان بحياة كريمة وحرّة، تشعر فيها بالأمان حين تمشي في الشارع أو تعبّر عن رأيها، تقول "بلدنا ليس فقيراً، بل غنيّ بالموارد الطبيعية والكفاءات البشرية، لكن الفساد حرمنا من التمتع بخيراتها".​

ما العراق الذي تحلمين به؟ تقول بان لـ"ارفع صوتك": "يحترمني كامرأة ولا أعامَل فيه كمواطن درجة ثانية، ولا يمكن فيه لأحد أ، يطعن بشرفي، ففي بلدي تخشى النساء نشر صورها بأريحية في مواقع التواصل، لأنها قد تُستغل للطعن والإساءة لها في صفحات الخصوم".

وتتابع القول "نريد تعليما أفضل، ونظاماً أقل فساداً، نريد لزراعاتنا واقتصادنا النهوض. بغداد كانت منارة نريدها أن تعود كذلك، كما لا نريد أن تتحكم في شؤون العراقيين وسياساتهم أي دولة".

مريم: ما أعوفها

في 27 أكتوبر الماضي أيضاً، انضمت مريم فاروق (21 عاماً) للتظاهرات، وهي طالبة تحليلات مرضية، بدأت المشاركة من الحرم الجامعي ثم انطلقت مع بقيّة الطلبة إلى ساحة التحرير، بعد أربعة أيام فقط، ولا تزال مشاركة لغاية اليوم.

وقررت مريم المشاركة رافضة ما يجري من قتل وقمع لباقي المتظاهرين، تقول لـ"ارفع صوتك": "كنت أرى أبناء بلدي يُقتلون، منذ 1 أكتوبر ثم يوم 25 ويوم 27 كان أول شهيد وهو صفاء السراي، بعدها ازداد القمع بأبشع أنواعه".

ولمست مطالب المتظاهرين وتضحياتهم جرحها بمقتل والدها، توضح مريم "استشهد والدي قبل 16 عاماً، ولغاية الآن لم تقم الحكومة بإيجاد القاتل ومحاسبة".

وحصلت على تدريب في الإسعافات الأولية كي تساعد المصابين، فأصبحت مسعفة، ومن خلال تواجدها في ساحة التحرير قامت بتوثيق مجريات الأحداث هناك، ويتابعها الآلاف في مواقع التواصل.

وما زالت مريم مستمرة في التظاهر، تقول "شهدت مقتل الشباب والأطفال في ساحة التحرير، ليس من المعقول بعد كل ما جرى أن أتراجع. لن نتركهم" مضيفة "بعد هذه الفواجع ما اقدر اعوف التحرير أو أعوف ساحة التظاهر، ما نقبل يروح دمهم هدر".

صلاح لم ينسحب، ولكن...

يشارك صلاح في التظاهرات منذ 1 أكتوبر، وهو مستمر لغاية اليوم، لكن لديه ملاحظات على الوضع القائم في ساحة التحرير.

يقول صلاح (32 عاماً) لـ"ارفع صوتك": "كان لدي مطالب عديدة بصورة عامّة يتفق عليها جميع المتظاهرين مثل إزالة الأحزاب التي تحكم البلاد عن طريق إزالة حكومة عادل عبد المهدي فهي حكومة فاسدة، وأردنا إلغاء المحاصصة الطائفية وتغيير قانون الانتخابات وتغيير المفوضية العليا للانتخابات وتحديد موعد انتخابات مبكرة بإشراف لجنة أممية ومحاسبة القتلة".

من خلال تواجده في ساحات التظاهر، كان صلاح ينقل المستجدات لمحطات تلفزة عراقية، وعبر مواقع التواصل يحاول إيصال صوت العراقيين للدول العربية والغربية.

"لكن مطالب وتوجهّات متظاهري التحرير، تغيّرت" يقول صلاح. ويوضح: "بدأت الأحزاب الفاسدة تتدخل في الساحة ويوجد أشخاص يساومون الحكومة. مثلا في النجف، يوجد نائب ثري جدا وزع ملايين الدولارات على المتظاهرين الذين قاموا بقطع الطرق وحرق المقرات وحرق إطارات جديدة، الإطار الواحد ثمنه نصف مليون دينار عراقي (420$)".

وتتراوح أسعار الإطارات في العراق بين 16 دولاراً و700 دولار، ويعتمد هذا التفاوت في الأسعار على تاريخ الصّنع والبلد المصدر والشركة المصنّعة، حسب نشطاء عراقيين في تويتر.

ويرفض صلاح بعض أشكال التظاهر، مثل "قطع الطرق وحرق الإطارات وحرق المقرات الحزبية وتدمير ممتلكات عامة وتعطيل المدارس عن الدوام"، يقول "أرفض قطع الطرق فلا يتأذى منه سوى المواطن البسيط بينما السياسيون والأثرياء لا يتأذّون".

وهو المتظاهر في ساحة التحرير، يصفها بالقول "توجد أحزاب قريبة من المتظاهرين مثل التيار الصدري، وأخرى تعمل على تشويه صورتهم وهي أحزاب كردية وسنية وشيعية (مثل: تحالف القوى في المناطق السنيّة، وعائلة الكربولي والبزاز والبرزاني) وأخرى تحاول ركوب الموجة مثل حزب الدعوة بزعامة حيدر العبادي". 

لكن الكثير من المتظاهرين يرفضون تدخلات التيار الصدري ويعتبرونه متورطاً في قتل المتظاهرين في ساحة التحرير والنجف، فلماذا تراه نصيراً لهم؟ يقول صلاح: "بعد التقصّي وسؤال أكثر من شخص من خارج المتظاهرين وأصحاب القبعات الزرق عرفت أنه ليس المسؤول عن عمليات القتل. لا يمكن أن يكون الصّدر. 40% من المتظاهرين من الصدريين".

ويعتقد صلاح أن "بعض المندسين أِعلوا الشجار بين المتظاهرين والصدريين في التحرير".

أما عن سبب استمراره في التظاهر، يقول صلاح "وفاءً لدماء الشهداء التي نزفت في ساحة التحرير، وحتى تحقيق المطالب التي لم تتحقق حتى الآن" مضيفاً "سنستمر حتى آخر نفس ونرفض زج بعض الخيم التي لا تمت للإصلاح أو التغيير بصلة". 

محمد: الوثبة السبب

يقول محمد السّراي (31 عاماً): "أنا وأصدقائي كنّا من أوائل المشاركين في التظاهرات، وخرجنا رفضاً لفساد الطبقة السياسية الحاكمة واستثرائها على حساب المال العام وانحسار فرصة تحسن الأوضاع وبلوغ مرحلة انعدام الثقة بين السلطة والشعب، وارتفاع معدلات البطالة وتراجع الأمن والخدمات وانخفاض مستوى التعليم وتدخل دول الجوار بالشأن الداخلي، وغيرها من الأمور".

"صحيح أننا توقفنا عن التظاهر، إلا أننا ما زلنا ندعم المتظاهرين السلميين" يقول محمد، موضحاً "توقفنا عن الخروج معهم بتاريخ حادثة الوثبة بعد تعليق جثة لمقتول في وسطها وانتشار ثقافة العنف و الرد بالمثل ودعوات للتصيعد وقطع الطرق وحرق الإطارات والاعتداء على الأجهزة الأمنية والمرور وإجبار الجامعات والمدارس على التعطيل الإجباري وحرق المقرات والاعتداء على منازل المسؤولين وحرق الدور وكثير من الأمور التي حالت بيننا وبين التظاهر".

يضيف محمد "ومن أبرز الأسباب تحكّم بعض الفضائيات التابعة لجهات سياسية فاسدة بسير التظاهرات واستغلال المتظاهرين من أجل التسقيط السياسي وكذلك تسلل بعض الشواذ (المثليين) إلى الساحات".

سراج الشمري (30 عاماً)، وهو موظف حكومي، خرج من ساحات التظاهر بعد حادثة الوثبة أيضاً. 

يقول لـ"ارفع صوتك": "علّقوا فتى مراهقاً بعد قتله أمام أنظار المحتجين، لكنهم لم يحرّكوا ساكناً".

إلا أنه عاد بعد فترة "آملاً أن تتحس أحوال التظاهرات"، مؤكداً "الثورة الآن ليست مثل بدايتها، تغيّر الكثير، واستغلت أحياناً لصالح أميركا، وتم تخريب ممتلكات عامة وخاصة، كما دخل العديد من المندسين على الخط".

ويؤكد سراج "مقتل متظاهر في ساحة التحرير بسبب شجار نشب بين عدد من المتظاهرين استخدموا السكاكين والقامات (سيوف)" ووصفههم بـ"المخربين والعصابات".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "السلميّون أصبحوا قلّة قي ساحة التحرير، وصار أي منّا يخاف النوم وحده ليلاً، لذا نحاول البقاء في مجموعات".

مارشال: تركتها مُجبراً

شهد محمد مؤيد الملقب بـ"مارشال" الأيام الصعبة الأولى من التظاهرات العراقية، حين تعرض المتظاهرون للقتل والستخدام القوة المفرطة من قبل قوات حكومية، وعاش أصعب لحظاته.

يقول مارشال (23 سنة) وهو طالب تحليلات مرضية: "كنتُ مسعفاً، أذهب لساحة التحرير ومحيطها، وأرى الناس تهتف (بالروح بالدم نفديك يا عراق) و(سلمية)، وكانوا يموتون في الشارع، وتزامن ذلك مع قطع الإنترنت والتعتيم الإعلامي".

يتابع: "اليوم الذي غيّر حياتي، كان 4 أكتوبر، كان قطع الطرق في مكان، واحد فقط مفتوح لساحة التحرير وهو شارع مول النخيل، وهذا اليوم أسمينها (يوم القنّاص)، كان الشارع خالياً، سوى من المتظاهرين المختبئين خلف الجدران، اختبأت أيضاً خلف حاجز كونكريتي، فمن يرفع رأسه يُقتل".

"سألت الشباب حولي ماذا يعملون فكان معظمهم عمّالة في الأشغال الشاقة (يضطرون لها بسبب الفقر والعوز)، أعمارهم بين 15 و25 عاماً، أي أنهم لم يروا شيئاً من حياتهم بعد" يقول مارشال، متابعاً "وعلى بعد 10 أمتار سقط متظاهر أمامنا، فطلبت من الناس إحضاره لي كي أسعفه، لكنهم قُتلوا قبل الوصول إليه، حينها قفلت على القضية".

انتهت الموجة الأولى من التظاهرات في 7 أكتوبر، وفي 25 من الشهر ذاته عادت للتجدد، حينها شارك مارشال مرة أخرى.

وطيلة مدة مشاركته في ساحة التحرير، كان المسؤول عن الدعم المالي والإعلامي في اتحاد طلبة بغداد، وأعضاء الاتحاد هم ممثلو الطلبة من جميع الكليات والجامعات لتنظيم الحراك الطلابي الداعم للثورة.

وبسبب نشاطه المتواصل في جمع التبرعات المالية من خلال طلبة الجامعات في بغداد والداعمين للتظاهرات من العراقيين، أصبح مارشال وجهاً معروفاً في السحة وفي وسائل الإعلام أيضاً، إلا أن هذا عرّضه للتهديدات بالاعتقال والقتل.

يقول مارشال لـ"ارفع صوتك": "وصلني تهديد قوي عبر مكالمة هاتفية، اتهمني بتمويل الإرهاب، خفت كثيراً، فقمت بتحويل لتبرعات إلى أشخاص آخرين في الساحة كي أبعد العيون عنّي".

واستمر الدعم حتى دخول مليشيات سرايا السلام، التابعة للتيار الصّدري، الذين احتلوا مكاناً في ساحة التحرير، وسيطروا على مبنى المطعم التركي وقاموا بتهديد العديد من الشبان المتظاهرين، وفق ما يقول مارشال.

ويوضح: "في يوم ترشيح محمد توفيق علاوي من قبل السرايا، كنت أصمم 40 لافتة لاتحاد الطلبة بعنوان (محمد توفيق علاوي مرفوض من قبل الشعب)، وفي هذا الوقت كانت السرايا تهدد وتضرب وتختطف أي شخص يرفض مرشحها، ثم وصلوا إلي".

أما الحدث الفاصل، الذي دفع مارشال لمغادرة ساحة التحرير ثم السفر خارج العراق، هو وصول جماعة تبحث عنه بالاسم لخيمته تتقصد إيذاءه، لكن علمه المسبق بذلك أنجاه منها.

يقول مارشال "أريد العودة، لكن في ذلك مخاطرة كبيرة، لذلك ما زلت أمارس نفس العمل، وهو جمع التبرعات وأقوم بإيصاله للمتظاهرين".

وبسبب اضطراره للسفر، خسر مارشال سنة جامعية، ولا يعرف إلى متى يبقى خارج العراق ومتى يعود لاستكمال دراسته.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".