صورة مقتطعة من فيديو كليب "حجنجلي بجنجلي"/ يوتيوب
صورة مقتطعة من فيديو كليب "حجنجلي بجنجلي"/ يوتيوب

رافقت عشرات الأعمال الغنائية التظاهرات العراقية منذ بدايتها في أكتوبر الماضي، وتنوعت موضوعاتها حسب تطوّر الأحداث، ولا تزال موضوعاتها تتجدد مع استمرار التظاهرات.

وتمحورت أغاني الأسبوع الأول من أكتوبر 2019، بين التعبير عن الأسى والحزن الذي يعيشه العراقي، لحناً وكلمات، ومطالب المتظاهرين البسيطة، الذين تعرضّوا للقتل جرّاء خروجهم لأجلها، مثل أغنية "العراق النا" لحسام الرسّام و"راجع آخذ حقي" لرحمة رياض. 

وقبيل انتهاء الموجة الأولى، في 5 أكتوبر، كانت أولى الأغاني الحماسية التي تتغنّى بالعراق ورجاله وشيوخ العشائر و"ثورة العشرين"، وهي "عراق الهيبة" لمحمد السالم وأحمد السّلطان.

وبعد إعلان المتظاهرين تجديد التظاهر والاعتصام يوم 25 أكتوبر، برزت أغانٍ حماسيّة أخرى، قبل وبعد هذا التاريخ، مثلت الحماسة بموسيقاها وكلماتها، مثل أغنية "احنا البيكيسي" لجلال الزين وغزوان الفهد. 

وراجت أغاني الراب، بكلماتها الجريئة والمضادة للسلطة والفساد والقمع المستمر للمتظاهرين، وتسليط الضوء على التبعيّة السياسية لإيران.

وفي هذه المرحلة أيضاً، لفت تفاني سائقي التكتك في خدمة المتظاهرين، العراقيين في الداخل ودول المهجر، إذ كان لهم دور بارز في إنقاذ الجرحى والمصابين ونقلهم للمستشفيات، أو نقل المتظاهرين مجاناً بين ساحات الاعتصام ومن شارع إلى آخر، للمشاركة في التظاهرات، ليصبحوا الثيمة الرئيسة للعديد من الأغاني.

ومن هذه الأغاني: نسر الكاع التكتك، وأبو التكتك، ومعزوفة التكتك 

وفي 27 أكتوبر، أي بعد يومين من بدء الموجة الثانية، كانت أغنية "اليوم الكذله اتسولف خلي عكالك للدكات" للمنشد أحمد الشمري، أغنيته على نمط "هوسة".

وعنوان الأغنية الذي يردده الشمري، كان من أول الشعارات والأهازيج في ساحات التظاهر.

ومثلت أغنيته إعلاناً غير مباشر، لانتقال ثيمة المرأة من الصور والمشاهد المختارة في الفيديو، إلى الكلمات. 

وإن كانت رحمة رياض أول صوت نسائي غنّى للتظاهرات، رأينا نساء أخريات يغنّين، منهن إسراء الأصيل (10 أكتوبر 2019) وأغنيتها "سلاماً على العراق"، التي أخذت طابع اللطميات، وجوان حسين (7 نوفمبر 2019) في أغنيتها "يا كاع ترابك كافوري"، التي اقتبستها من أغنية قديمة من زمن النظام البعثي ظهرت في الحرب الإيرانية العراقية، مع تغيير في الكلمات يناسب ما يجري في التظاهرات.

والأغاني الثلاث المذكورة، كان موضوعها الحالة العامة للتظاهرات من دون ذكر للمشاركة النسائية.

بينما الصوت النسائي الوحيد -ربّما-  من قلب التظاهرات، كان للشابة غيد (16 ديسمبر 2019)، التي غنّت بأسلوب قريب من الرّاب "انت وين" من أعلى مبنى المطعم التركي قرب ساحة التحرير.

وأبرزت غيد عبر ظهورها، المشاركة النسوية، والتكلم بصيغة الـ"أنا وأنتَ"، وذكرت اسمي امرأتين قتلتا في التظاهرات كما تطرقت للأرامل (نتيجة الحروب) والسبايا (داعش)، باعتبار أن التظاهرات "ثورة ضد كل شي". 

وفي 31 أكتوبر كانت أول أغنية عراقية خاصّة بالمشاركة النسوية، إلا أنها لم تحظ برواج كبير مقارنة بغيرها من أغاني التظاهرات.

اسم الأغنية "رفعة راس" لحازم فارس. وأعرب كاتبها صفاء فارس، عن مشاعر الفخر والاعتزاز بمشاركة المرأة، من مختلف المدن وأساليب المشاركة من خلال الكلمات والمشاهد المختارة من ساحات التظاهرات، التي عكست التنوع الثقافي والاجتماعي والفئات العمرية للنساء المشاركات.

من كلماتها: "حيّالله امهاتي رفعة الرّاس.. عنوان الفخر النا وانتو نوماس (مرادفة للفخر والنخوة).. هلهلن خواتي وشدّن الرّاس.. نذرن للوطن يبقون حرّاس.. شمعة للوطن خواتي نبراس.. إيد بإيد مثل أذان وقدّاس.. ويّا اخوانهن حد قطع الانفاس.. غيرتهن أصيلة تحشّم الناس".

وفي هذه الكلمات جميعها توصيف للشراكة والمساواة بين المرأة والرجل في ساحات التظاهر، واكتفى الكاتب بالتعبير عن قوة المرأة النابعة من ذاتها دون الاستناد إلى مقارنتها بالرجال.

 

"عنصر أساسي في الحياة والثورة"

الأغنية التي تلتها وحازت شهرة كبيبرة، كتبها وغنّاها أمير شامي (30 ديسمبر 2019)، اسمها "آلبو أكتوبر"، تناول فيها مشاركة المرأة من الميدان مشهدياً.

فيما كانت الكلمات "بنت اكتوبر حياج.. يالهزتهم عيناج إنتي ثورة مو عورة ثوري ويانا وكلنا وياج.. يا حلوة انتي بكد بغداد نظرات عيونج حرية لاهلج لكن للحكام نظرات عيونج قمعية".

 

وفي أغنيته الثانية "شلع قلع" (23 فبراير 2020) تناول هذه المشاركة أيضاً، في تصوير استوديو، ظهرت معه مشهدياً تتصدّى لعناصر المليشيات بالسلميّة، وكلمات المقطع الخاص بها كان "فتت أنا وإجت وياي .. كحل وطن سند وفياي (ظلّي) اجت مثل جبل ما ينهز اجت نهَت ألف درب لعداي (أعدائي)".

يقول أمير الشامي لـ"ارفع صوتك": "كتبت عن المرأة في الأغنيتين، لأنها عنصر أساسي في هذه الثورة وفي الحياة كلها، ولا أعتقد أنني وفيتها حقها، وكما يقول الشاعر الكبير كريم العراقي (من نحن من غير النساء؟)".

وكمؤلف أغانٍ ومغنٍ، لا يرى الشامي أن هناك تغييراً حول تناول دور المرأة في بناء المجتمع إلى جانب الرجل بين "قبل وبعد ثورة أكتوبر"، مضيفاً "وشخصياً لم تتغيّر نظرتي نحوها، لكن البعض من أفراد المجتمع بدأوا يدركون أن المرأة ليست كائناً مختلفاً عن الرجل وتستحق العيش".

وبالاطلاع على أغانٍ عراقية وطنيّة سابقة، في مراحل شهدت تغيرات سياسية حادّة في العراق: قبل 2003 (زمن النظام البعثي)، وبعد 2003- فترة الحرب مع الولايات المتحدة، وبعد 2003- الحرب الطائفية، وبعد 2013- الحرب مع داعش"، كانت عدة ملاحظات. 

وتم الاستناد إلى عيّنة صغيرة من أغاني الفترات المذكورة، المتوفرة على موقع يوتيوب، فظهرت المرأة مثلاً في الصورة جنباً إلى جنب مع الرجل، تغني للعراق "يا كاع ترابك كافور" وتصفق وتغني وترقص في أغنية "عفية عفية عفية" وعبارة واحدة مثلت مشاركتها مع الرجل ضد العدوان "عفية اخوان وعفية اخوات". 

لكن غالبية الأغاني الوطنية في زمن النظام البعثي تمحورت حول شخص الزعيم (صدام حسين) فكان الرجل والمرأة تحت سلطة هذه الصورة ووظفيتهما الوحيدة الولاء والطاعة للحاكم. 

الفترة اللاحقة، كانت المرأة شبه غائبة عن الأغاني الوطنية، سواء بعد الطائفية أو في الحرب على الإرهاب، ولم تكن شريكة بل المستضعفة إذا ما ظهرت. 

وعلى سبيل المثال، لم تصدر أي أغنية لتكريم عليا خلف صالح (أم قصي)، من تكريت مركز محافظة صلاح الدين، التي أنقذت 58 طالبا عسكرياً من مجزرة سبايكر التي ارتكبها تنظيم داعش في يونيو 2014، عبر إخفائهم في منزلها، وأعطتهم بطاقات هوية من جامعة محلية لإخفائهم عن مسلحي التنظيم.

وفي عام 2018 حازت أم قصي على لقب "المرأة الشجاعة" بين 10 نساء من مختلف دول العالم، الذي تمنحه وزارة الخارجية الأميركية.

"وصوتج أختي مو عورة.. زلم تتحامى بجهرَه.. على جبل أحد اصعدي ونادي بغيرتج (نخوتك) ثورة" هذه كلمات من أغنية "حجنجلي بجنجلي" (26 يناير 2020) للرابر العراقي "رابتور".

والأغنية تم تصويرها في ساحات التظاهر، ظهرت فيها المرأة بشكل متساو مع الرجل، وأظهرت التنوع في المشاركة النسوية، بحسب المهام التطوعية والفئات العمرية والخلفيات الاجتماعية.

 

"الرجولة ليست معيار شجاعة"

"بنت بلادي يا حرّة.. يا كحل بعينچ چواهم.. يا قدسية هاي الثورة زلزتي الگاع الـ جواهم.. يا نظرة الـ بعينچ تجدح (تقدح شرارة) نزلتي رجولتهم سالب.. لو ردنا نعدد وگفاتچ حطّيح من الزلم (الرجال) شوارب". 

مقطع من أغنية "كفو" (27 فبراير) وهي أحدث إصدارات الرابر العراقي أنهَر، يتغنّى فيه بشجاعة المرأة في التظاهرات.

وليست الكلمات نصيرة فقط، حيث ظهرت الشابات إلى جانب الشبّان في العمل المصوّر بمشهديّة حماسية تؤكد الثنائية والمساواة في المشهد الثوري العام. 

وهذه الأغنية هي الوحيدة المصورة على أرض التظاهر في العراق بين الثمانية، كتب عنها في يوتيوب "طبعاً ميحتاج اكوللكم شكد تعبنا عالعمل هذا بالذات حتى يكون عراقي بحت من توزيع و إخراج وتصوير حتى يطلعلنا بهذي الصورة. طبعا الأغلبية اتابعني لكن العمل كان بالأساس لكل الشباب الي اشتغلو عليه واني كنت جزء صغير من هذا العمل الكبير".

وقدّم الشاب العشريني المندائي، منذ أكتوبر الماضي، ثماني أغاني راب، يدعم فيها أبناء بلده في نضالهم من أجل التغيير، وهو الذي خرج طفلاً من العراقي ويعيش حالياً في السويد.

يقول أنهَر لـ"ارفع صوتك": "حين أرى السويديات يتمتعن بحقوقهن كاملة هنا، أشعر بالقهر على النساء العراقيات، اللواتي يفتقدن أبسط الحقوق، ويتعرضن للتعنيف بأشكال متعددة، أقساها القتل على خلفية ما يسمى جرائم الشرف". 

ويستنكر المديح المتكرر للمرأة على أنها "بـ100 رجل" مضيفاً "الرجولة ليست معياراً للشجاعة، فالمرأة قويّة باسمها وأفعالها، لا بإسناد شجاعتها لرجل". 

ويرى أنهَر أن "الرجال في المجتمع الشرقي يخشون المرأة القوية، وحين تفكر وتتظاهر وتطالب بحقها يخافونها أكثر، وهو ما أردت إيصاله من المقطع الخاص بها في الأغنية، إنها حقيقة". 

ويتابع القول: "المرأة العراقية صبرت وتحملت كثيراً على الرغم من الظلم الذي تتعرّض له يومياً، حيث ذاقت مختلف أشكال التعنيف والسخرية والكلام البذيء، وهي قوية جداً لتستمر بعد كل ذلك، ففي مجتمعات أخرى تنتحر العديد من النساء إذا واجهن نظير ذلك".

ويعتقد أنهر أن الأغاني تسهم في تشكيل الوعي، لذلك يسعى عبر أغانيه لاستخدام كلمات بسيطة "يمكنها الوصول بسهولة للفئة العمرية بين 12 و16، وحتى لو لم يفهم أفكار الثورة وحب الوطن ورفض الظلم والفخر بالمرأة الآ،، إلا أنه يرددها ال، وتبقى في وعيه حين يكبر".

نساء ورجال: هذا رأينا في الأغاني

كيف ترى النساء نفسها في الأغاني المذكورة؟ وماذا يعني الأمر للرجال؟ 

تقول الشابة رئم الغازي، التي شاركت منذ أول أكتوبر في التظاهرات، لـ"ارفع صوتك": "في الأغاني الوطنية كانت المرأة العراقية حاضرة بصورة فعّالة وصارت وسام فخر واعتزاز، بعكس السابق، خصوصاً أن المجتمع العراقي هو مجتمع محافظ لا يرضى لبناته التواجد بهذه الطريقة؛ خوفاً من التعرض للانتقادات، باعتباره منافياً للأعراف".

وتضيف أن "وجود المرأة العراقية بهذا الشكل وتشجيع المجتمع، هذا وحده بمثابة إنجاز كبير، ويسعدني رؤية هذا الحضور في الأغاني".

ومن بغداد، تقول نسرين (19 عاماً): "كفتاة يافعة مثلي، أرى بهذه الطريقة الغنائية في ظل بيئة ذكورية مُحدِدة لواجبات المرأة، أهمية كبيرة وتشجيعاً فعّالاً لصدّ بعض الأفكار الرجعية التي تُحدد إمكانيات المرأة".

وتضيف لـ"ارفع صوتك" أن الحضور النسائي في الأغاني بالكلمة والصورة، يشجّع العراقيات للخروج جنباً إلى جنب مع الرجل، وإتمام ما عليهن من التزامات ومسؤولية مُحتمّة للوطن، على حد تعبيرها.

في ذات السياق، يعبر أمير عن فرحه بتسليط الضوء على المشاركة النسوية في أغاني التظاهرات، قائلاً "هذا يشجع بقيّة الفتيات اللواتي يخشين من المجتمع الذكوري، بسبب نظرة نمطية سيئة عن الاختلاط، وفي ذات الوقت تتيح للأهالي إدراك أن بناتهم على قدر المسؤولية ويعتمدن على أنفسهن باتخاذ القرار".

"وجود النساء في لمظاهرات دليل على وجود الأمان، وحضورهن في الأغاني الثورية دليلٌ على قوتهن ووعيهن وتحررهن واهتمامهن بالبلد" يقول الشاب أحمد لـ"ارفع صوتك".

من جانبها، تقول رقيّة "أنا فخورة جداً لأننا استطعنا المشاركة في هذه الثورة، لكنّمأخذي على الأغاني تطرّقها لجمال المرأة كثيراً، كأنهم يرون المرأة مجرد شكل جميل في جميع الظروف".

"الأغاني التي صُوّرت عن الثورة ومشاركة المرأة، أظهرتها قوية، وأبرزت تواجدها القوي في ثورة تشرين" تقول الناشطة في التظاهرات صفاء داود، مضيفةً "هذه الأغاني أسعدتني وأنا فخورة بالأصدقاء الذين عملوا على أن إظهار بنات الثورة بأجمل صورة".

الناشطة في الحركة الطلابية المساندة للتظاهرات، مرح، تقول عن هذه الأغاني "العديد استخدم في أغانيه المصورة مشاهد حقيقية لمشاركة المرأة في الثورة، وهذا دليلٌ على واقعية تواجدها".

تضيف مرح "كان من المنصف و المشرّف لنا أن نسمع الرجال يتغنون بمواقفنا الداعمة للثورة".

ويقول مظفّر "تعني الأغاني لي أن الجيل الجديد تحرّر من قيود الموروث و عقدة النقص تجاه المرأة، وأن صنم المتدينين المتطرّفين سقط"، فيما يرى أودين أن هذه الأغاني تفرحه فهي "بشرة خير".

من جهته، يقول كاظم عطوان لـ"ارفع صوتك": "شيء جيد أن تأخذ المرأة مساحتها، والموضوع أكبر من مجرد حرية أو حق، بل إن أي فكرة أو رأي أو خيار يبقى ناقصاً دون الاتفاق عليه من الجانبين، مثلاً عندما يختار الرجل شيئاً، يختاره بعقل ذكر، ويلائم الذكور فقط، وكذلك المرأة، لكن عندما يختار رجل وامرأة شيئاً، يكون متكاملاً ويلائم الجميع".

والغالبية العظمى من آراء النشطاء التي وصلتنا عبر "تويتر" إيجابية تجاه الأغاني المذكورة، فهذا أنس يقول "أنا بطبعي عابس الوجه، لكن حين أشاهد أي شيء يتعلق بالنساء المتظاهرات ، كهذه الأغاني مثلاً، أبتسم لا إرادياً، وهو ما يحدث تماماً حين أرى أمّي".

رأينا تغيّر بعد "الثورة"

يقول سجّاد إن نظرته للمرأة تغيّرت "180 درجة بعد الثورة".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "أنا واحد من الناس الذين كانوا يرون المرأة عورة، وأن اجتماع أي امرأة مع رجل سيكون غير مناسب (الشيطان بينهما)، لكن بعد أن رأيت أعمالهن التي لم نستطع نحن فعلها هالله هالله ورأيت أسلوبهن معنا في التظاهرات، أدركت أن حقهن مثل حقنا وحدودهن نفسها حدودنا".

ويعزو سجّاد نظرته السابقة للمرأة إلى "التفكير الذي زرعه الأهل وأغلبية رجال الدين في عقولهم (الذكور)، فكان تفكيرنا محصوراً، لكنّ الثورة جعلتنا نتخلص من جهلنا".

أمير حسن تغيّرت نظرته أيضاً، يقول لـ"ارفع صوتك": "أشعر بالفخر حين أراها في الأغاني، وتعاملي اختلف مع النساء بعد أن شهدت وقفتهن في الثورة، لم أعد أنتقدهن أو أجرحهن كالسابق، حتى أنني أرفض أن يقوم أي شخص بذلك، ومهما قالوا عنهن، يبقين شامخات".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية
من تظاهرة في بغداد رافضة للتعديلات المقترحة على قانون الأحوال الشخصية (8-8-2024)- تعبيرية

بسبب موقفها المعارض لتعديل قانون الأحوال الشخصية، اضطرت الناشطة السياسية والصيدلانية رحمة علاء لغلق حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مؤقت، بعد تعرضها لحملة تشويه سمعة شرسة عزلتها عن محيطها.

تقول "ارفع صوتك": "منذ بداية اعتراضي على موضوع تعديل قانون الأحوال الشخصية بدأت دائرة معارفي تتضاءل بسبب الاختلاف الجذري فكرياً، على الرغم من اعتيادنا أن الاختلاف بالرأي لا يفسد للود قضية!".

لكن في هذه الحالة، تضيف علاء فإن "الوضع مختلف" مردفةً "هذا الخلاف ظهر فجأة في المجتمع وأصبح كالفجوة التي ابتلعتنا جميعاً، حتى وصل الخلاف بالرأي بين أفراد العائلة الواحدة والأقارب". 

"هذا الأمر مرعب وحساس جدا وأثار نزعة تكفيرية بين أفراد المجتمع"، تتابع علاء.

الاتهامات التي تعرضت لها الناشطة متعددة كما تقول، بعضها "يتعلق بالطعن بالشرف، أو أنني أريد إلغاء شرع الله، أو أنني على اتصال مع سفارات أجنبية ومدفوع لي من أجل تخريب المجتمع، واتهامات أخرى تصلني عبر مواقع التواصل التي اضطررت إلى إغلاقها مؤقتا".

وكان البرلمان العراقي أحدث ضجة اجتماعية واسعة في أغسطس الماضي بعد تقديمه مسودة قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية في البلاد، يسمح بموجبه للمرجعيات الدينية العراقية بديلا عن قانون الدولة، بتنظيم شؤون الزواج والميراث على حساب الحقوق الأساسية.

وبعد أن أنهى البرلمان القراءة الأولى للمشروع يأمل الناشطون والمتضررون وأغلبهم من النساء، أن يتمكنوا عبر الوقفات الاحتجاجية وتشكيل تكتل داخل وخارج مجلس النواب، من إيقاف التعديل المثير للجدل بعد تأجيل القراءة الثانية للقانون في الرابع من سبتمر الجاري.

 

ضغوطات تحت قبة البرلمان

لا يختلف الوضع كثيراً داخل أروقة البرلمان العراقي، فالنائبة نور نافع أقرت في حديثها لـ"ارفع صوتك" أنها تعرضت لـ"مختلف أنواع الضغوطات بعد إعلانها تشكيل كتلة داخل البرلمان لمعارضة التعديل على قانون الأحوال الشخصية".

من تلك الضغوطات، تشرح نافع "حملات التسقيط على مواقع التواصل الاجتماعي، ومواضيع أخرى شخصية مباشرة، بهدف التراجع عن رفض تعديل قانون الأحوال الشخصية". 

وتؤكد أنه وبالرغم من ذلك "لن يتراجع النواب المعارضون عن قرارهم"، مشيرة إلى أنها شخصياً "رفعت قضية للطعن بجلسة البرلمان التي خُصصت للقراءة الأولى لتعديل القانون، بسبب وجود مخالفات عديدة، منها النصاب وآلية الطرح والتصويت على إضافة الفقرة وغيرها من المجريات". 

وتقول نافع "القضية أخذت مجراها في المحكمة الاتحادية ونحن بانتظار نتائج المحكمة وقراراتها".

وكانت النائبة النائبة العراقية انضمت إلى كتلة نسوية برلمانية هدفها "الإعلان الواضح لرفض تعديل قانون الأحوال الشخصية المطروح أمام البرلمان، من أجل الحفاظ على نسيج الأسرة وصيانة حقوق أفرادها (الرجل والمرأة والأطفال)"،  بحسب بيان نشرته نافع على حسابها الرسمي في مواقع التواصل.

تبيّن: "إضافة لهذه الكتلة، تم أيضاً تشكيل تحالف المادة (188) الداعم لقضيتنا داخل مجلس النواب لرفض قانون التعديل".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

"تحالف 188"

عزز الإعلان عن تعديل قانون الأحوال الشخصية الانقسام داخل المجتمع العراقي، كما تقول الناشطة المدنية وعضوة "تحالف المادة 188" في محافظة النجف، شيماء المعموري.

تبيّن لـ"ارفع صوتك": "أقوى الهجمات كانت على مواقع التواصل الاجتماعي عبر حسابات وهمية، يتم اتهامنا من خلالها بأننا خارجون عن الدين والملّة والمرجعية، كما يتم وصفنا بأولاد السفارات. وهو كلام يتم توجيهه لجميع معارضي التعديل، خصوصاً النساء".

بعض تلك الرسائل، بحسب المعموري، تصل على شكل "تهديد بالتسليم إلى إحدى المليشيات لمعاقبتنا، أو إصدار حكم شرعي بالقتل لخروجنا عن الدين وغيرها الكثير".

وفي مجتمع محافظ مثل المجتمع العراقي وخصوصاً في مدينة دينية كالنجف "فإنه أمر يؤثر بشدة على السمعة عشائرياً واجتماعياً خصوصاً حين يتم رفع صورنا وانتقادنا عبر منشوراتنا المعارضة و توجيه الاتهامات، فيكون الأمر صعب جداً على عوائلنا"، تتابع المعموري.

وتقول إن كل ذلك "لم يؤثر على المعارضين. لكنه، انعكس سلبياً على المجتمع وأحدث انقساماً في بنيته بين الرافضين والراغبين في التعديل، وكثير منهم يخشون أن يتم اتهامهم بأنهم ضد الدين وهو السلاح الذي يحاولون (أنصار التعديل) به كسب آراء الناس".

تهديدات

التربوي والناشط المدني حيدر حسن هو أحد المشاركين في تظاهرات تتبنى إيقاف التعديل، يرى أن ما يحصل من جذب وشد في الرأي حول التعديل "جعل المجتمع منقسماً على نفسه، ووضع السلم الأهلي على شفا حفرة".

يقول حسن لـ"ارفع صوتك": "على المستوى الشخصي، أتعرض إلى أسوأ وأقذر حملة.. فقد تعرضت للتهديد بالقتل والطعن بالشرف وسب والدي المتوفي ووالدتي وتبليغات على حسابي، كما تردني تهديدات من حسابات وهمية".

كل هذه الأحداث تحصل "رغم أننا لا نملك سوى سلاح الكلمة التي نرفعها رفضاً لتعديل قانون نجد أنه لا يحقق مصلحة المرأة والطفل في العراق"، يتابع حسن.

في المقابل، اتخذ حسن إجراءات قانونية بحق من قام بتهديده، يقول "لجأت إلى القضاء الذي يريدون إسكات صوته عبر التعديل".

في السياق ذاته، يعتبر المحلل السياسي محمد نعناع أن الاتهامات التي يواجهها المعترضون على تعديل قانون الأحوال الشخصية، هي جزء من "نسق دائم يقوم به أفراد وجماعات ضد كل من يختلف معهم في أية جزئية سواء كانت دينية أو اجتماعية أو ثقافية".

ركزت الحملة التي يتم شنها ضد المعترضين على التعديل كما يشرح نعناع لـ"ارفع صوتك" على أمور ثلاث: "ضمان عدم وجود أصوات معارضة كبيرة عبر توجيه اتهامات تتعلق بمعارضة الدين أو المذهب، وعدم الاحترام في ردود الأفعال مهما كان الحوار جاداً وشفافاً وبناءً، والثالث خطر جداً لأنه يعتمد على تشويه السمعة".

ويبيّن نعناع "أما كيفية تعامل المعارضين للتعديل مع هذه الاتهامات فكانت متنوعة، لكنها اتفقت بأخذ الحرية في التعبير عن آرائنا ولا يمكن قمعنا، لأننا جميعا نعيش في ظل التعددية، كما نجح المعترضون في تثبيت خطابهم تجاه لاعقلانية من كَال لهم التهم".

Iraqis Shiite Muslim worshippers gather outside the of Imam Moussa al-Kadhim shrine, who died at the end of the eighth century,…
كان "سابقاً لعصره".. خلفيات إقرار قانون الأحوال الشخصية العراقي 1959
أعاد النقاش حول قانون الأحوال الشخصية في العراق إلى الواجهة، الظروف الاجتماعية والسياسية التي أدت إلى صدور القانون المعمول به حالياً في عام 1959، خصوصاً بعد المطالبة بتعديله من قبل نوّاب من كتل سنيّة وشيعية في البرلمان.

حقوق المرأة

تحدث فريق "ارفع صوتك" مع ثلاث نساء عراقيات تعرضن إلى انتقادات حادة بعد حضورهن وقفات احتجاجية تمت الدعوة لها وإقامتها تحت نصب الحرية وسط العاصمة بغداد.

امرأتان فضلتا عدم الكشف عن اسميهما بعد اتهامات وُجهت لهما عبر مواقع التواصل، وبعد طلب العائلة التوقف عن إعلان موقفهما من تعديل قانون الأحوال الشخصية.

تقول نعمة (اسم مستعار)، إن سبب معارضتها للقانون يتعلق بوضع اجتماعي تعيشه منذ سنوات؛ فهي مطلقة وحاضنة لطفلتها: "تلقيت تهديدات من زوجي بأخذ ابنتي ما إن يتم إقرار القانون، فشعرتُ بالرعب".

تضيف "القانون الحالي منصف للمرأة، وتمكنتُ عبره من إعادة ابنتي التي خطفها زوجي ولم أعرف مكانها لعام كامل. وحين عثرت عليها وجدتها قد تعرضت إلى التعنيف، رغم أنها لم تتجاوز العامين من عمرها آنذاك، بعد أن تزوج طليقي بأخرى أساءت معاملتها".

من جهتها، تقول آية (اسم مستعار) وهي حاضنة لطفلتين، إن تعديل قانون الأحوال الشخصية "من شأنه حرمان الأم من أطفالها وحقوقها وإجبارها على العيش في ظروف سيئة يفرضها عليها بعض الرجال الذين يسيئون لزوجاتهم، ولا يعاملونهن كما أوصى الشرع".

تساند الناشطة في حقوق الإنسان مريم الأسدي المعارضين للتعديل، معللةً "أنا أنظر للمستقبل، فالقرار الذي يُتخذ اليوم سيؤثر على بناتي مستقبلاً. الأمر يتعلق بحقوق النساء في الزواج والطلاق والميراث وغيرها، وهي من الأمور التي لا أتمنى أن تتعرض للظلم بسببها أي فتاة".

تعرضت الأسدي إلى هجمة اضطرت بعدها إلى تبديل رقم هاتفها حين بدأت مكالمات مجهولة تهددها إذا استمرت بمساندة النساء في الوقفات المطالبة بإلغاء التعديل. توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يسكت هاتفي عن الرنين بعد نشره من شخص مجهول على أحد المجاميع المساندة للتعديل، وجميع الاتصالات كانت عبارة عن تهديدات مباشرة".

من الاتهامات التي وصلتها بأنها "ضد الشريعة"، وتمت مطالبتها بأن "تبقى في منزلها وتسكت، وإلا فان النتائج ستكون وخيمة" على حدّ تعبيرها.

نتيجة لذلك، تقول الأسدي "تأثرت عائلتي وتمت مطالبتي بالتوقف، لكنني قررت الاستمرار، فلا يمكن الخضوع لمجهولين يخشون مجرد الحديث بأسمائهم الصريحة، ولن نساوم على حقوق بناتنا في المستقبل".