صورة مقتطعة من فيديو كليب "حجنجلي بجنجلي"/ يوتيوب
صورة مقتطعة من فيديو كليب "حجنجلي بجنجلي"/ يوتيوب

رافقت عشرات الأعمال الغنائية التظاهرات العراقية منذ بدايتها في أكتوبر الماضي، وتنوعت موضوعاتها حسب تطوّر الأحداث، ولا تزال موضوعاتها تتجدد مع استمرار التظاهرات.

وتمحورت أغاني الأسبوع الأول من أكتوبر 2019، بين التعبير عن الأسى والحزن الذي يعيشه العراقي، لحناً وكلمات، ومطالب المتظاهرين البسيطة، الذين تعرضّوا للقتل جرّاء خروجهم لأجلها، مثل أغنية "العراق النا" لحسام الرسّام و"راجع آخذ حقي" لرحمة رياض. 

وقبيل انتهاء الموجة الأولى، في 5 أكتوبر، كانت أولى الأغاني الحماسية التي تتغنّى بالعراق ورجاله وشيوخ العشائر و"ثورة العشرين"، وهي "عراق الهيبة" لمحمد السالم وأحمد السّلطان.

وبعد إعلان المتظاهرين تجديد التظاهر والاعتصام يوم 25 أكتوبر، برزت أغانٍ حماسيّة أخرى، قبل وبعد هذا التاريخ، مثلت الحماسة بموسيقاها وكلماتها، مثل أغنية "احنا البيكيسي" لجلال الزين وغزوان الفهد. 

وراجت أغاني الراب، بكلماتها الجريئة والمضادة للسلطة والفساد والقمع المستمر للمتظاهرين، وتسليط الضوء على التبعيّة السياسية لإيران.

وفي هذه المرحلة أيضاً، لفت تفاني سائقي التكتك في خدمة المتظاهرين، العراقيين في الداخل ودول المهجر، إذ كان لهم دور بارز في إنقاذ الجرحى والمصابين ونقلهم للمستشفيات، أو نقل المتظاهرين مجاناً بين ساحات الاعتصام ومن شارع إلى آخر، للمشاركة في التظاهرات، ليصبحوا الثيمة الرئيسة للعديد من الأغاني.

ومن هذه الأغاني: نسر الكاع التكتك، وأبو التكتك، ومعزوفة التكتك 

وفي 27 أكتوبر، أي بعد يومين من بدء الموجة الثانية، كانت أغنية "اليوم الكذله اتسولف خلي عكالك للدكات" للمنشد أحمد الشمري، أغنيته على نمط "هوسة".

وعنوان الأغنية الذي يردده الشمري، كان من أول الشعارات والأهازيج في ساحات التظاهر.

ومثلت أغنيته إعلاناً غير مباشر، لانتقال ثيمة المرأة من الصور والمشاهد المختارة في الفيديو، إلى الكلمات. 

وإن كانت رحمة رياض أول صوت نسائي غنّى للتظاهرات، رأينا نساء أخريات يغنّين، منهن إسراء الأصيل (10 أكتوبر 2019) وأغنيتها "سلاماً على العراق"، التي أخذت طابع اللطميات، وجوان حسين (7 نوفمبر 2019) في أغنيتها "يا كاع ترابك كافوري"، التي اقتبستها من أغنية قديمة من زمن النظام البعثي ظهرت في الحرب الإيرانية العراقية، مع تغيير في الكلمات يناسب ما يجري في التظاهرات.

والأغاني الثلاث المذكورة، كان موضوعها الحالة العامة للتظاهرات من دون ذكر للمشاركة النسائية.

بينما الصوت النسائي الوحيد -ربّما-  من قلب التظاهرات، كان للشابة غيد (16 ديسمبر 2019)، التي غنّت بأسلوب قريب من الرّاب "انت وين" من أعلى مبنى المطعم التركي قرب ساحة التحرير.

وأبرزت غيد عبر ظهورها، المشاركة النسوية، والتكلم بصيغة الـ"أنا وأنتَ"، وذكرت اسمي امرأتين قتلتا في التظاهرات كما تطرقت للأرامل (نتيجة الحروب) والسبايا (داعش)، باعتبار أن التظاهرات "ثورة ضد كل شي". 

وفي 31 أكتوبر كانت أول أغنية عراقية خاصّة بالمشاركة النسوية، إلا أنها لم تحظ برواج كبير مقارنة بغيرها من أغاني التظاهرات.

اسم الأغنية "رفعة راس" لحازم فارس. وأعرب كاتبها صفاء فارس، عن مشاعر الفخر والاعتزاز بمشاركة المرأة، من مختلف المدن وأساليب المشاركة من خلال الكلمات والمشاهد المختارة من ساحات التظاهرات، التي عكست التنوع الثقافي والاجتماعي والفئات العمرية للنساء المشاركات.

من كلماتها: "حيّالله امهاتي رفعة الرّاس.. عنوان الفخر النا وانتو نوماس (مرادفة للفخر والنخوة).. هلهلن خواتي وشدّن الرّاس.. نذرن للوطن يبقون حرّاس.. شمعة للوطن خواتي نبراس.. إيد بإيد مثل أذان وقدّاس.. ويّا اخوانهن حد قطع الانفاس.. غيرتهن أصيلة تحشّم الناس".

وفي هذه الكلمات جميعها توصيف للشراكة والمساواة بين المرأة والرجل في ساحات التظاهر، واكتفى الكاتب بالتعبير عن قوة المرأة النابعة من ذاتها دون الاستناد إلى مقارنتها بالرجال.

 

"عنصر أساسي في الحياة والثورة"

الأغنية التي تلتها وحازت شهرة كبيبرة، كتبها وغنّاها أمير شامي (30 ديسمبر 2019)، اسمها "آلبو أكتوبر"، تناول فيها مشاركة المرأة من الميدان مشهدياً.

فيما كانت الكلمات "بنت اكتوبر حياج.. يالهزتهم عيناج إنتي ثورة مو عورة ثوري ويانا وكلنا وياج.. يا حلوة انتي بكد بغداد نظرات عيونج حرية لاهلج لكن للحكام نظرات عيونج قمعية".

 

وفي أغنيته الثانية "شلع قلع" (23 فبراير 2020) تناول هذه المشاركة أيضاً، في تصوير استوديو، ظهرت معه مشهدياً تتصدّى لعناصر المليشيات بالسلميّة، وكلمات المقطع الخاص بها كان "فتت أنا وإجت وياي .. كحل وطن سند وفياي (ظلّي) اجت مثل جبل ما ينهز اجت نهَت ألف درب لعداي (أعدائي)".

يقول أمير الشامي لـ"ارفع صوتك": "كتبت عن المرأة في الأغنيتين، لأنها عنصر أساسي في هذه الثورة وفي الحياة كلها، ولا أعتقد أنني وفيتها حقها، وكما يقول الشاعر الكبير كريم العراقي (من نحن من غير النساء؟)".

وكمؤلف أغانٍ ومغنٍ، لا يرى الشامي أن هناك تغييراً حول تناول دور المرأة في بناء المجتمع إلى جانب الرجل بين "قبل وبعد ثورة أكتوبر"، مضيفاً "وشخصياً لم تتغيّر نظرتي نحوها، لكن البعض من أفراد المجتمع بدأوا يدركون أن المرأة ليست كائناً مختلفاً عن الرجل وتستحق العيش".

وبالاطلاع على أغانٍ عراقية وطنيّة سابقة، في مراحل شهدت تغيرات سياسية حادّة في العراق: قبل 2003 (زمن النظام البعثي)، وبعد 2003- فترة الحرب مع الولايات المتحدة، وبعد 2003- الحرب الطائفية، وبعد 2013- الحرب مع داعش"، كانت عدة ملاحظات. 

وتم الاستناد إلى عيّنة صغيرة من أغاني الفترات المذكورة، المتوفرة على موقع يوتيوب، فظهرت المرأة مثلاً في الصورة جنباً إلى جنب مع الرجل، تغني للعراق "يا كاع ترابك كافور" وتصفق وتغني وترقص في أغنية "عفية عفية عفية" وعبارة واحدة مثلت مشاركتها مع الرجل ضد العدوان "عفية اخوان وعفية اخوات". 

لكن غالبية الأغاني الوطنية في زمن النظام البعثي تمحورت حول شخص الزعيم (صدام حسين) فكان الرجل والمرأة تحت سلطة هذه الصورة ووظفيتهما الوحيدة الولاء والطاعة للحاكم. 

الفترة اللاحقة، كانت المرأة شبه غائبة عن الأغاني الوطنية، سواء بعد الطائفية أو في الحرب على الإرهاب، ولم تكن شريكة بل المستضعفة إذا ما ظهرت. 

وعلى سبيل المثال، لم تصدر أي أغنية لتكريم عليا خلف صالح (أم قصي)، من تكريت مركز محافظة صلاح الدين، التي أنقذت 58 طالبا عسكرياً من مجزرة سبايكر التي ارتكبها تنظيم داعش في يونيو 2014، عبر إخفائهم في منزلها، وأعطتهم بطاقات هوية من جامعة محلية لإخفائهم عن مسلحي التنظيم.

وفي عام 2018 حازت أم قصي على لقب "المرأة الشجاعة" بين 10 نساء من مختلف دول العالم، الذي تمنحه وزارة الخارجية الأميركية.

"وصوتج أختي مو عورة.. زلم تتحامى بجهرَه.. على جبل أحد اصعدي ونادي بغيرتج (نخوتك) ثورة" هذه كلمات من أغنية "حجنجلي بجنجلي" (26 يناير 2020) للرابر العراقي "رابتور".

والأغنية تم تصويرها في ساحات التظاهر، ظهرت فيها المرأة بشكل متساو مع الرجل، وأظهرت التنوع في المشاركة النسوية، بحسب المهام التطوعية والفئات العمرية والخلفيات الاجتماعية.

 

"الرجولة ليست معيار شجاعة"

"بنت بلادي يا حرّة.. يا كحل بعينچ چواهم.. يا قدسية هاي الثورة زلزتي الگاع الـ جواهم.. يا نظرة الـ بعينچ تجدح (تقدح شرارة) نزلتي رجولتهم سالب.. لو ردنا نعدد وگفاتچ حطّيح من الزلم (الرجال) شوارب". 

مقطع من أغنية "كفو" (27 فبراير) وهي أحدث إصدارات الرابر العراقي أنهَر، يتغنّى فيه بشجاعة المرأة في التظاهرات.

وليست الكلمات نصيرة فقط، حيث ظهرت الشابات إلى جانب الشبّان في العمل المصوّر بمشهديّة حماسية تؤكد الثنائية والمساواة في المشهد الثوري العام. 

وهذه الأغنية هي الوحيدة المصورة على أرض التظاهر في العراق بين الثمانية، كتب عنها في يوتيوب "طبعاً ميحتاج اكوللكم شكد تعبنا عالعمل هذا بالذات حتى يكون عراقي بحت من توزيع و إخراج وتصوير حتى يطلعلنا بهذي الصورة. طبعا الأغلبية اتابعني لكن العمل كان بالأساس لكل الشباب الي اشتغلو عليه واني كنت جزء صغير من هذا العمل الكبير".

وقدّم الشاب العشريني المندائي، منذ أكتوبر الماضي، ثماني أغاني راب، يدعم فيها أبناء بلده في نضالهم من أجل التغيير، وهو الذي خرج طفلاً من العراقي ويعيش حالياً في السويد.

يقول أنهَر لـ"ارفع صوتك": "حين أرى السويديات يتمتعن بحقوقهن كاملة هنا، أشعر بالقهر على النساء العراقيات، اللواتي يفتقدن أبسط الحقوق، ويتعرضن للتعنيف بأشكال متعددة، أقساها القتل على خلفية ما يسمى جرائم الشرف". 

ويستنكر المديح المتكرر للمرأة على أنها "بـ100 رجل" مضيفاً "الرجولة ليست معياراً للشجاعة، فالمرأة قويّة باسمها وأفعالها، لا بإسناد شجاعتها لرجل". 

ويرى أنهَر أن "الرجال في المجتمع الشرقي يخشون المرأة القوية، وحين تفكر وتتظاهر وتطالب بحقها يخافونها أكثر، وهو ما أردت إيصاله من المقطع الخاص بها في الأغنية، إنها حقيقة". 

ويتابع القول: "المرأة العراقية صبرت وتحملت كثيراً على الرغم من الظلم الذي تتعرّض له يومياً، حيث ذاقت مختلف أشكال التعنيف والسخرية والكلام البذيء، وهي قوية جداً لتستمر بعد كل ذلك، ففي مجتمعات أخرى تنتحر العديد من النساء إذا واجهن نظير ذلك".

ويعتقد أنهر أن الأغاني تسهم في تشكيل الوعي، لذلك يسعى عبر أغانيه لاستخدام كلمات بسيطة "يمكنها الوصول بسهولة للفئة العمرية بين 12 و16، وحتى لو لم يفهم أفكار الثورة وحب الوطن ورفض الظلم والفخر بالمرأة الآ،، إلا أنه يرددها ال، وتبقى في وعيه حين يكبر".

نساء ورجال: هذا رأينا في الأغاني

كيف ترى النساء نفسها في الأغاني المذكورة؟ وماذا يعني الأمر للرجال؟ 

تقول الشابة رئم الغازي، التي شاركت منذ أول أكتوبر في التظاهرات، لـ"ارفع صوتك": "في الأغاني الوطنية كانت المرأة العراقية حاضرة بصورة فعّالة وصارت وسام فخر واعتزاز، بعكس السابق، خصوصاً أن المجتمع العراقي هو مجتمع محافظ لا يرضى لبناته التواجد بهذه الطريقة؛ خوفاً من التعرض للانتقادات، باعتباره منافياً للأعراف".

وتضيف أن "وجود المرأة العراقية بهذا الشكل وتشجيع المجتمع، هذا وحده بمثابة إنجاز كبير، ويسعدني رؤية هذا الحضور في الأغاني".

ومن بغداد، تقول نسرين (19 عاماً): "كفتاة يافعة مثلي، أرى بهذه الطريقة الغنائية في ظل بيئة ذكورية مُحدِدة لواجبات المرأة، أهمية كبيرة وتشجيعاً فعّالاً لصدّ بعض الأفكار الرجعية التي تُحدد إمكانيات المرأة".

وتضيف لـ"ارفع صوتك" أن الحضور النسائي في الأغاني بالكلمة والصورة، يشجّع العراقيات للخروج جنباً إلى جنب مع الرجل، وإتمام ما عليهن من التزامات ومسؤولية مُحتمّة للوطن، على حد تعبيرها.

في ذات السياق، يعبر أمير عن فرحه بتسليط الضوء على المشاركة النسوية في أغاني التظاهرات، قائلاً "هذا يشجع بقيّة الفتيات اللواتي يخشين من المجتمع الذكوري، بسبب نظرة نمطية سيئة عن الاختلاط، وفي ذات الوقت تتيح للأهالي إدراك أن بناتهم على قدر المسؤولية ويعتمدن على أنفسهن باتخاذ القرار".

"وجود النساء في لمظاهرات دليل على وجود الأمان، وحضورهن في الأغاني الثورية دليلٌ على قوتهن ووعيهن وتحررهن واهتمامهن بالبلد" يقول الشاب أحمد لـ"ارفع صوتك".

من جانبها، تقول رقيّة "أنا فخورة جداً لأننا استطعنا المشاركة في هذه الثورة، لكنّمأخذي على الأغاني تطرّقها لجمال المرأة كثيراً، كأنهم يرون المرأة مجرد شكل جميل في جميع الظروف".

"الأغاني التي صُوّرت عن الثورة ومشاركة المرأة، أظهرتها قوية، وأبرزت تواجدها القوي في ثورة تشرين" تقول الناشطة في التظاهرات صفاء داود، مضيفةً "هذه الأغاني أسعدتني وأنا فخورة بالأصدقاء الذين عملوا على أن إظهار بنات الثورة بأجمل صورة".

الناشطة في الحركة الطلابية المساندة للتظاهرات، مرح، تقول عن هذه الأغاني "العديد استخدم في أغانيه المصورة مشاهد حقيقية لمشاركة المرأة في الثورة، وهذا دليلٌ على واقعية تواجدها".

تضيف مرح "كان من المنصف و المشرّف لنا أن نسمع الرجال يتغنون بمواقفنا الداعمة للثورة".

ويقول مظفّر "تعني الأغاني لي أن الجيل الجديد تحرّر من قيود الموروث و عقدة النقص تجاه المرأة، وأن صنم المتدينين المتطرّفين سقط"، فيما يرى أودين أن هذه الأغاني تفرحه فهي "بشرة خير".

من جهته، يقول كاظم عطوان لـ"ارفع صوتك": "شيء جيد أن تأخذ المرأة مساحتها، والموضوع أكبر من مجرد حرية أو حق، بل إن أي فكرة أو رأي أو خيار يبقى ناقصاً دون الاتفاق عليه من الجانبين، مثلاً عندما يختار الرجل شيئاً، يختاره بعقل ذكر، ويلائم الذكور فقط، وكذلك المرأة، لكن عندما يختار رجل وامرأة شيئاً، يكون متكاملاً ويلائم الجميع".

والغالبية العظمى من آراء النشطاء التي وصلتنا عبر "تويتر" إيجابية تجاه الأغاني المذكورة، فهذا أنس يقول "أنا بطبعي عابس الوجه، لكن حين أشاهد أي شيء يتعلق بالنساء المتظاهرات ، كهذه الأغاني مثلاً، أبتسم لا إرادياً، وهو ما يحدث تماماً حين أرى أمّي".

رأينا تغيّر بعد "الثورة"

يقول سجّاد إن نظرته للمرأة تغيّرت "180 درجة بعد الثورة".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "أنا واحد من الناس الذين كانوا يرون المرأة عورة، وأن اجتماع أي امرأة مع رجل سيكون غير مناسب (الشيطان بينهما)، لكن بعد أن رأيت أعمالهن التي لم نستطع نحن فعلها هالله هالله ورأيت أسلوبهن معنا في التظاهرات، أدركت أن حقهن مثل حقنا وحدودهن نفسها حدودنا".

ويعزو سجّاد نظرته السابقة للمرأة إلى "التفكير الذي زرعه الأهل وأغلبية رجال الدين في عقولهم (الذكور)، فكان تفكيرنا محصوراً، لكنّ الثورة جعلتنا نتخلص من جهلنا".

أمير حسن تغيّرت نظرته أيضاً، يقول لـ"ارفع صوتك": "أشعر بالفخر حين أراها في الأغاني، وتعاملي اختلف مع النساء بعد أن شهدت وقفتهن في الثورة، لم أعد أنتقدهن أو أجرحهن كالسابق، حتى أنني أرفض أن يقوم أي شخص بذلك، ومهما قالوا عنهن، يبقين شامخات".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".